رحيق العسل المالح الجزء الثاني بارت ١١

 


حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي

الفصل 11 
الجزء الثاني 

وقفت تنظر له بحيرة شديدة، منذ عدة أيام وهي تحاول أن تستجدي رضاه، أو حتى لأن يتحدث معها، هو يتجنبها تماما ولا يجلس معها في مكان واحد، لذا قررت هذه المرة أن تصر على أن تتحدث معه فقالت
_هتفضل متجاهلني كده على طول ؟

نهرها بحدة محاولا المرور من أمامها
_بعدي من جدامي عايزه ايه مني؟
_خالد أعتقد أني أختك الكبيره ليه بتعاملني كده؟
رد هو ساخرا مستهزءا منها
_عايزانى ارد ازاي؟ مكنتش أتوقع أنك تكوني عبدة للمال إكده، عشان توافجي على أول حد يشتريكي بالفلوس ، حتى لو كان من أظلم الناس، وياريته ظلم الغريب عنك بل إنه ظلم أخوكي، كنك نسيتي إياك، اه افتكرت أعمتك الفلوس والهدايا عن انك تشوفي الحجيجه؟ 

قالها وتركها ورحل خارج الدار بعيدا عنها، رغم قسوة كلامه والتي كلها بعيدة عن الحقيقة إلا أنها لم تكن لتسطيع أن تخبره الحقيقة لذا لم يكن لديها ما تقوله له فارتاحت لأنه غادر، فهي لم ترتب حجة بعد لتقولها له لتبرر موافقتها على خطبتها من جلال، ذاك الرجل الظالم، اختارت أن يغضب منها أخيها ويعيش بصحة جيدة، على أن يرضى عنها ويفقد صحته ومستقبله بالكامل، فجلال إن وضعه في رأسه فيرسله وراء الشمس لا محالة.
وقفت محلها لتقف أمامها أمها وتقول ببؤس
_رغم أني مش راضية عن قرارك ده، ولولا أني أعرفك كويس وربيتك على الفضيلة، لكان موجفي منك كان هيبقى مشابه لموجف أخوكي، لكن اني عندي احساس انك عملتي إكده  لسبب وجيه جدا، وأيا كان  السبب ده عارفه أنك من جواكي رافضة للأمر لكن مالكيش حيلة، فجوليلي الحجيجه يا بنتي وريحيني؟

أرادت زهرة أن تزوغ من أمها فهي قد كشفتها بالفعل، لكنها لا تريد أن تخبرها بالحقيقة، لا تريد أن تقول لها فيتعكر مزاجها وتحمل الهم فوق عاتقها أضعافا فيكفي انها تحمل همها هي وأخيها، وتحمل البيت كله فوق رأسها، أفتخبرها بتهديد جلال لحتى ينحني ظهرها كمدا وهما؟
 ألا يكفيها تقوس ظهرها بسبب العمل طيلة النهار منذ مطلع الشمس إلى غروبها لحتى تجمع لهم ما يكفي لأطعامهم وجعلهم مستورون، مستغنون عن الناس؟

حاولت أن تفكر في شيئا ما لتقوله لكي تقتنع به أمها التي تفهمها جيدا، لكن أنقذها من البحث عن كذبة تكون مقنعة، هو مناداة إحدى السيدات لأمها، فتركتها وتوجهت نحوها لتنظر فيما جاءتها وفي أي شىء تريدها؟
__
خرج من مكتبه يشمر أكمام قميصه، وتوجه نحو مكتب بسمة وقال باسما إبتسامة جعلها تتسع ملىء فمه
_ها ايه الأخبار يا بسمة؟
أومأت إليه باسمة هي الأخرى وهي تهز رأسها بأن كل شىء على ما يرام.
ليهتف هو بينما يجلس على الكرسي في مقابلتها ويقول
_عجبك الشغل معايا؟ أنا مستمتع بالشغل معاكي جدا ، احنا بنشكل فريق رائع.
سعدت هي بما يقوله وانشرح صدرها وبدأت تحلم أحلاما وردية شقت طريقها نحو ثغرها فانفرجت ابتسامتها وهي تقول
_اكيد طبعا حبيت الشغل هنا جدا  ، شكرا مستر ناجي.
_لا لا أنتِ كده بتحطي فروق  بيني وبينك، وأنا اللي افتكرت أننا أصدقاء.

ازدردت ريقها وقالت على عجل
_طبعا احنا أصدقاء، مقصدش غير كده.
_خلاص من هنا ورايح تناديني " ناجي" وبس.
حركت رأسها مع إحتفاظها ببسمة على محياها، لينهض من مكانه قائلا فهو كان يود الخروج لتناول طعام الغداء الخاص به وأرادها أن تشاركه
_ايه رأيك  نستغل استراحة الغداء ونروح نتغدا سوا في أي مطعم؟

لم تكذب هي الخبر ونهضت على الفور من مكانها لتقف وهي تهز رأسها بالموافقة وهي تشعر أنها في قمة سعادتها، تذكرت سيارته الآخر طراز التي رأتها سابقاً، كم كانت تحلم أن تركب مثلها يوما، وها هو الحلم سيتحقق، فها هو ناجي يدعوها بأن تذهب معه لأحد المطاعم لتناول طعام الغداء هي لن تفوت تلك الفرصة أبدا
لذا قالت
_اكيد طبعا ده يسعدني جدا.

ابتسم لها ابتسامة صافية ومد يده لجعلها تتقدم أمامه وكأنه يقول لها السيدات أولا، أعجبت بلباقته وخفة ظله، وسارا معا لخارج الشركة إلى أن وصلا للجزء الخاص بركن السيارات، فبدأت تبحث بعينها عن سيارته، فلم تجدها فنظرت له متسائلة، خشيت ألا يتحقق حلمها، فكم كانت تطوق لركوب مثل السيارة الباهظة الثمن، لتجده يشير إلى سيارة أخرى، فتتسع أعينها بإندهاش وعدم تصديق وكأنها تسأله أتلك سيارتك؟ 
فهم هو ما تود قوله قبل أن تقوله فتعابير وجهها تكفي وقال مبتسما وهو يفتح لها باب السيارة لتركب 
_أيوه دي عربيتي ايه رأيك فيها؟
اتخذت مقعدا في الكرسي الأمامي جواره وقالت بفرحة
_ روعه طبعا ، لكن فين العربيه التانيه ؟
قال بينما يقود السيارة ويبتعد بها عن المكان 
_غيرتها، أنا اصلي بمل بسرعة وأحب أجرب كل جديد.
فتحت فمها بينما تتفحص السيارة من الداخل بإعجاب شديد وقالت في نفسها " وهل لحق أن يمل من الأخرى فهي لم تمكث معه قرابة الشهر بعد!!" 
لكنها نفضت ما في رأسها فلا يهم، لن تشغل بالها بذلك، المهم أنها أخيرا حققت حلمها بركوب مثل تلك السيارة، التي وقعت في حبها منذ أول وهلة.

وصلا إلى المطعم الذي يقصده ناجي وترجلا من السيارة ودلفت للداخل ثم استقرا على الطاولة، فتقدم منهم النادل ليسألهم عما يريدان تناوله، أمسكت بسمة بقائمة الطعام وبدأت تنتقي ما تريده دون حرج أو خجل، فتلك أول مرة تخرج فيها مع ناجي، ولكنها تعاملت وكأنها معتادة على الخروج معه، ابتسم هو لتلقائيتها وسهولتها تلك وفرح بها فهي تسهل عليه غرضه بدون أي تعب منه، طلب هو طلبه الذي يريد تناوله، وبدئا يتحدثان في الأحاديث الجابية والتي لم يكف فيها ناجي عن تعداد وذكر صفاته وما يملكه وما يحب أن يفعله، وما الذي هو معتاد على فعله، وفي كل كلمة يقولها ناجي تتسع ابتسامة بسمة كثيرا، وتبدأ في مقارنته ثانية بنبيل فرأت أنه شتان بين الاثنين تماماً، واتضح لها أن ناجي وكل صفاته وما يحب أن يفعله مناسب معها تماما، وهو ما تحب أن تفعله هي أيضا وتحصل عليه، جاء النادل وبدأ الاثنان في تناول طعاميهما بهدوء واستمتاع عجيب، إلى أن على رنين الهاتف المحمول الخاص ببسمة، فمسحت يدها بالشرشف الورقي الموضوع على الطاولة ونظرت لاسم المتصل على شاشة هاتفها، لتزدرد ريقها وتنظر بتوتر لناجي الذي ينظر لها، فينهض هو من مكانه ليعطي لها الفرصة لتتحدث بحرية ويدعي أنه ذاهب للمرحاض، فتفرح بهذا كثيرا وتتحدث بكل أريحية مع نبيل الذي يتصل بها، لتسمعه يقول
_بسمة ازيك عامله ايه؟ وحشتيني جدا ، فقررت بما أني حصلت على علاوة النهارده أن أخدك لأي مكان نتغدى سوا .

 نظرت هي إلى الطعام أمامها وقارنت بين ذاك الطعام وبين الطعام الذي سيدعوها إليه نبيل وسرعان ما مطت شفتاها بامتعاض فهي متأكدة أنه سيأخذها لمطهم متواضع؛ بحجة أنه يدخر كل مليم كي يتم زواجهما في أسرع وقت، لذا زفرت بحنق وقالت مدعية أنها تشعر بالتعب 
_ نبيل، اعذرني انا النهارده مجهده جدا وعايزه اخلص شغل بسرعه وارجع البيت ارتاح،.
ليهتف نبيل بلهفة مشفقا عليها 
_حبيبتي، سلامتك مش قولتلك متجهديش نفسك كده انا هاتكفل بمصاريفك واي حاجه تخصك متقلقيش.

لوت شفتيها في سخط، فهي تعرف أن راتبه اليسير بالكاد سيكفيهم من مطعم وملبس فقط، فكيف يدعي الآن أنه سيتكفل بكل ما يخصها، هي متأكدة أنه لن يقدر على ذلك أبدا، ومهما فعل لن يستطيع أن يجعلها تعيش في المستوى التي تطمح به، لذا شعرت بالحنق الشديد من كلامه وقالت لكي تنهي الإتصال
_تمام يا نبيل، نبقى نتكلم بعدين ، سلام.
_تمام شكلك تعبانه اوي  هاعدي عليكي في البيت اطمن عليكي.
أنهت هي الإتصال على عجل عندما رأت ناجي عائد من المرحاض ليجلس مكانه، فوضعت الهاتف جانبا وابتسمت له، فبادلها الإبتسامة وجلس مكانه ليعاود كل منهم إكمال طبقه، مع تلك النظرات والابتسامات الصامتة التي تحكي الكثير إلى أن قطعها ناجي وهو يقول
_احكيلي عن نفسك يابسمة.
وجدت بسمة الفرصة سانحة أمامها لأن تعبر عن نفسها وعما تريده وتطمح إليه، فقالت كل شىء دون أن تخفي شيئا، فابتسم ناجي لأن بسمة هي الفتاة التي يبحث عنها بالفعل، تحب السفر والخروجات، تحب المظاهر والخيلاء، لا تريد أن تكون في المستوى المتوسط تريد أن تكون أعلى وأعلى.
__

صعدت إليها بعد عدة ساعات، فهي تظن أنها قد استيقظت بالفعل وأنه زال تأثير المنوم الذي تناولته، لكن رجاءها قد خاب، فلقد رأتها نائمة بعمق كما تركتها أول مرة، فتنهدت فاطمة بقلة حيلة وعادت أدراجها ثانية لتعود لغرفتها، فتقابل أخيها حمزة الذي يسألها عن حالة نادين الآن، فتخبره أنها ما زالت نائمة، فيتنهد بأسى من أجلها، ويعود أدراجه هو الآخر للأسفل فلقد عاد من عمله، ليتناول طعام الغداء مع أسرته، لكنه أراد أن يطمأن أولا على صحة نادين قبل أن يشرع في طعامه.

التف أفراد الأسرة جميعهم حول مائدة الطعام  ما عدا عز الدين الذي لم يظهر بالدار منذ أن غادرها في الصباح، ليسأل أبيه عنه
_فين عز الدين؟ 
استغربت أمه أيضا عدم وجوده معهم وانضمامه إلى الطعام الذي هو يعرف موعده جيدا، ليهتف حمزة قائلا
_أظنه  مع راضي، فراضي مظهرش من الصبح  على غير عادته،اكيد بيعملو حاجه .

زفر عيسى بحنق فلا أحد منهم أخبره بذلك فقال غاضبا
_وليه محدش خبرني؟
رد حمزة معتذرا نيابة عن أخيه كعادته
_معلش يابوي اكيد مايقصدوش او الموضوع جالهم فجأه انت عارف دماغ عز .

حرك الحج عيسى رأسه يمنة ويسرة فتصرفات ابنه في الآونة الأخيرة لا تعجبه البتة، لذا أشار للجميع بأن يشرعوا في تناول طعامهم محاولا تجاهل تأخر ابنه عز عن موعد الغداء، أو اختفائه هكذا دون أن يعلم أحدا.
__
أما ذاك المسكين، التعس، سىء الحظ، فظل مكانه يجلس على طرف البحيرة ، يدلدل قدمه في الماء، غير عابىء بابتلال طرف بنطاله، ولا بروعه المنظر أمامه، لكنه ظل يحدق في الماء وكأنه يرى صورتها أمامه على صفحة الماء الراكد، وكلما يراها، يأخذ حجرا صغيرا من جواره من الأرض ويلقه على صورتها محاولا منه أن يطمس وجهها وصورتها عنه، فيتعكر سطح الماء ويضطرب أمواجه، فتختفي صورتها من أمامه، ولكن ما إن يهدأ الإضطراب حتى تظهر صورتها أمام ناظريه من جديد، فيأخذ بحجر آخر ويلقه في المكان بقوة أكبر من سابقها ولسان حاله يقول" اختفي من قدامي، مش عايز اشوفك تاني، فلترحلي عن عالمي للأبد، فكل وجع في الحياة يهون إلا وجع القلب لا يشفى أبدا، 
يقولون مع الوقت سيرجع كل شىء كما كان، ولكن كم من قلوب انكسرت فلم ترجع شظاياها كما كانت أبدا، كم كنت أحبك، كحب النباتات لضوء الشمس، كحب النحل لرحيق الأزهار، كما لم يحب أحدا محبوبته مثلي، لكني الآن أبغضك، بل أكرهك بشدة أيتها الخائنة المزيفة، الماكرة، أنتِ كالحرباء تتلونين بعدة ألوان وأوجه، تظاهرتِ أمامي بالتلقائية والبراءة حتى وقع قلبي في حبك حد الثمالة، ولكنكِ سرعان ما غيرتِ لونك هذا، لترتدين ثوبا آخر غير الذي أعرفه عليكِ، فلا أدري كيف فعلتها وأقنعتِ والدي بأن يزوجك أحد أبناءه، بل وتزوجت أخي الأكبر بالفعل، متغاضية عن كونه متزوج ولديه أولاد، فعلى ما يبدو أنك مثل الكثير من النساء، يبعن أنفسهن لمن يدفع فيها أكثر، وأقسم أنك ما كنتِ لتعلمين من أكون لأنك لو علمتِ ما ضيعتي الفرصة أبدا بل وتزوجتني منذ أول طلب لي، وهذا واضح جدا، من نظرات وجههك المنصدمة نحوي، بل لم تستطيعين تحمل أنك أضعتِ الفرصة من يدك وسقطتِ مغشيا عليكِ، يالا حقارتك وسذاجتي أنا، يالا خستك وتفاهتي أنا، اااه من قلب يزوب قهرا من حب كان في غير محله، فما ندمت على شىء فعلته قط في حياته سوى على حبك، وها أنا الآن أدفع ثمن خطأى هذا غاليا، وياليته يكون ذو جدوى"
انهى حديث نفسه وبعدها أخرج تنهيدة حارة من قلبه لتعبر عن نزف قلبه الشجي، بينما يلقي بحجر كبير وبكل قوته في الماء، ليحدث جلجلة بين طبقات الماء، فيضطرب بقوة ويصدر صوتا عاليا، تماما كإضطراب قلبه وتقلب موجاته بألم وأنين بيد أن سطح الماء سيعود بعد مرة لهدوءه وسكونه وكأنه لم يكن، لكن كيف لقلبه هو لأن يعود لحالته الطبيعية مرة أخرى، كيف له لأن يصل لحالة السكينة والهدوء النفسي بعد الآن كيف؟

كان يضغط بقبضة يده على أصابع يده بقوة، ليصرخ ذاك الذي يجلس جواره منذ الصباح ولم يشأ أن يتركه في تلك الحالة وحده، مع البقاء صامتا لترك لعز الدين المساحة التي يحتاجها ليتخطى ما يمر به، لكن عز الدين ودون أن ينتبه بدلا من أن يضغط بقبضة يده على الحجارة والتراب على الأرض، ضغط على أصابع يد راضي التي كان يضعها أرضا، فصرخ بشدة من قوة قبضة وضغط عز الدين عليها وكأنه سيعصرهم في قبضته
_اااه ايدي يا جدع، مالي أنا ومال اللي حصلك ، مال ايدي اللي فعصتها دي  بيت ايدك، أني محتاجها في الأرض، قولي لو كسرتها اشتغل كيف ولا هتدفعلي من غير شغل إياك، إن كان كده فأنا مستعد.

كان راضي يقولها بأسلوب فكاهي بغية أن يغير ذاك المزاج السىء الذي يحيط بعز الدين، ويرجعه لحسه المرح معه دائما، ويعود لطبيعة عز المشاكسة الذي يعرفه، لكنه حقا لا يدري أن عز الدين الذي يعرفه قد انتهى على يد نادين وما فعلته به وحل محله ذاك الشاب البائس المتهدل الكتفين، المرتخي القلب، المنحني الجبين.

لم يلتف إليه عز الدين وكأنه لم يقل شيئا بل وكأنه لا يجلس جواره من الأساس وكل ما فعله أنه أبعد قبضة يده عنه ونظر أمامه لصفحة الماء مرة أخرى وتابعها بصمت شارد، وكأن روحه قد حلقت بعيدا عنه وتركته جسدا بلا روح ولا حياة.

عاد إلى المنزل والجميع نيام لحتى لا يرونه في تلك الحالة فيكثر اسألتهم عن حاله والتي لا جواب لهم عنده، بعد أن طلب من راضي أن يخبر حمزة أنه كان مشغولا في شىء هام خاص بأحد أصدقاءه، لم يستطع تركه في كربه لذا بقيا معه طيلة اليوم، انطلت الحيلة على حمزة وكذلك الحج عيسى فبالهم كان مشغولا بتلك التي كانت نائمة ليوم كامل، ولم تستيقظ سوى في المساء، أخذت علاجها وتناولت قطرة من العسل الأبيض المصفى ومن ثم عادت للنوم من جديد وكأنها لم تنم منذ مدة طويلة، فتشتاق أعينها للنوم العميق، ولا يعرفون أنها تهرب من واقع مرير عصي على قلبها تحمله، فلا أحد يشعر بها، لا أحد يدرك كم هي تعاني، لا أحد يمكنه مواساة قلبها، لذا كانت تهرب من العالم الذي لا يفهمها فيه أحد فتدعهم يشاهدون زوبلها وضمورها كليا، بل وتدعهم يتسائلون، وترحل هي نحو عالم وردي من الأماني والأمنيات بأجنحة ترفرف بعيدا إلى حيث الهدوء والسلام النفسي إلى حيث اللا أحد.
صعد عز الدين إلى غرفته بجسد منهك تماما حد الكسر، يشعر وكأن كل ضلع وكل عظمة فيه قد كسرت بالفعل، فظن أن الحل الأمثل لحالته هو اللجوء لسريره وليمدد جسده عليه عليه يرتاح، لكنه على غير المتوقع و على غير ما يجده هو تماما، فلقد تحول من الملمس الناعم، الأملس المريح، إلى الخشونة والصلابة والقسوة، وكأنه بدلا من أن ينام على مرتبة تريح الجسد، وجد نفسه كأنه ينام على مسامير مدببة، تنخر في جسده فتدميه وتتعبه أكثر، ظل يتقلب في فراشه لوقت طويل إلى أن تعب من هذا الوضع وقرر أن يقف في الشرفة عله يجد الراحة تشق لجسده طريقا، لكنه وجد الهواء راقدا هو الآخر، خانقا، فلا نسمة هواء تمر لتلطف تلك الحرارة التي تخرج من وهج قلبه، لذا قرر أن يخرج خارج غرفته بالكامل ويهبط للحديقة عله يجد بين ثنايا الأزهار يد حانية تعطف على قلبه المهترىء وتملس عليه، أو تطبطب على روحه فيهدأ وينام كرضيع استسلم لنوم عميق بعد تمليسة يد أمه الحانية، أراح جسده على الأرض العشبية الندية المبتلة في ذاك الوقت فأراحت بدنه قليلا، وشعر بالسكون المؤقت وانغلقت أعينه واستسلملت جفونه للنوم.

أما نادين فاستيقظت في منتصف الليل، وهي تشعر بالتعب والإعياء في كامل أنحاء جسدها، فنومها الطويل طيلة اليوم، لم يكن جيدا لصحة بدنها، فشعرت بأن كل خلية من جسدها مفككة عن بعضها، حاولت لأن تنهض من مكانها لكنها لم تستطع، حاولت مرارا وتكرارا لكنها لم تفلح، يداها منهكتان لا تستطيع مساعدتها في حمل جسدا لأعلى لتعتدل في جلستها، شعورها بالإعياء، زاد من شعورها بالعجز والوهن، فأدمعت أعينها حزنا على ما تمر به، لمَ تشعر بالعجز التام تجاه كل شىء، لمَ أصبح عالمها الوردي، فجأة بلون السواد الكحيل القاتم، لم تكن الدموع تعرف طريقا لنفسها حتى في أحلك الظروف لكنها باتت منذ اللحظة أنيستها وسلوتها.

دلفت إليها في ذلك التوقيت فاطمة التي لم يجد النوم طريقا لأعينها قبل أن تطمئن على نادين فلربما تستيقظ في الليل وتحتاج شيئا، هي طلبت من أمها أن تنام قريرة العين، بينما تبقى هي ساهرة لحتى تطمئن على نادين، وجدت نادين تأن بدموع محاولة أن تنهض لكنها لم تستطع، ركضت نحوها تسندها بيدها وهي تسألها هل تريد شيئا ما أو الذهاب لمكان ما؟.

أرادت نادين أن تبتعد بأي شكل من الأشكال عن ذلك الفراش الذي يشعرها بالعجز التي لا تحبه ولا ترضى به، وطلبت من فاطمة أن تعاونها على النهوض لتتحرك بعيدا عنه، لكن ما إن فعلت فاطمة وحاولت تحريكها وحاولت نادين الوقوف على قدميها حتى خارت قواها وجلست مكانها فحتى قدماها اتفقت عليها هي الآخرى وشكلت تحالفا مع بقية أعضاء جسدها ليكونون فريقا ضدها جميعا، ولكن ولأن نادين لا تحب أن تكون ضعيفة ولا تحب الاستسلام قررت أن تقاوم تعبها ذاك وتصر على أن تنهض حتى لو شعرت بالألم ثانية حتى ولو تهشمت عظامها فأي وجع سيكون أصعب من تهشم قلبها؟ وقالت بإصرار
_ساعديني يا فاطمة عايزه اقوم من السرير عايزه اخرج مالاوضه كلها .

خافت فاطمة من أن يحدث لنادين شيئا وخاصة وأنها هي معها بمفردها فلن تستطيع إسنادها وحدها إذا ما كادت أن تسقط كما المرة السابقة لذا قالك وهي تشير لباب الشرفة 
_طيب ، ايه رأيك تقعدي في البلكونه؟ الهواء دلوقتي جميل  جدا.

إومأت لها نادين بالموافقة، واستندت على كتف فاطمة وسارت ببطىء وضعف شديد نحو الشرفة، أرادت فاطمة أن تجلسها على ذلك الكرسي البلاستيكي لترتاح فهي تتنفس بإجهاد، لكن نادين أبت وفضلت أن تبقى واقفة فإلى متى ستظل تتراخى؟ فتراخيها وتهاونها في قلبها ما جلب لها سوى المآسي وها هي أصبحت زوجة لأخ حبيبها، بات حبيبها بالرغم من أنه أمام أعينها لكنه صعب المنال، حاولت أخفاء حقيقتها عنه، فابتعدت عنه، لتجده يعرف ما بها بسهولة_ظنا منها أنه علم بشأن حالتها_ وأيضا ابتعدت عنه للأبد.

تركت فاطمة"نادين " تقف شاردة و توجهت لتحضر لها طعاما كي تتناول دواءها الذي يحتاج لطعام جيد حتى تقوى على العلاج وتتحمله، ولأن نادين قررت أن تكون قوية فلا يهزها الريح فهي ستكون كالجبال في قوتها وصمودها وصلابتها وأيضاً في عدم حياة قلبها، فكما للجبال بيوتا خاوية كالكهوف، هي تملك بالفعل قلب خاو لا غرفات فيه.
تناولت الطعام التي أحضرته فاطمة ومن ثم ابتلعت حبات دواءها وجلست على الكرسي البلاستيكي لترتاح من الوقوف قليلا وأيضا لتطلب من تلك التي تسهر على راحتها وخوفا عليها، أن تذهب للنوم
_أنا بخير دلوقتي شكرا يا فاطمة، روحي انت ارتاحي، عشان محسش بالذنب من ناحيتك.

حركت فاطمة رأسها بالنفي فهي تود أن تبقى معها فكل تعبها يهون من أجل أن ترى زوجة أخيها بخير، ففاطمة أحبت نادين بصدق.

لتهتف نادين بإصرار
_أرجوكي، ماتحملنيش ذنبك كفايه اللي انا فيه، روحي اوضتك وأنا هافضل هنا للصبح وماظنش هحتاج لحاجه.

تنهدت فاطمة بقلة حيلة ولكنها توجهت نحو الهاتف المحمول الخاص بنادين والموضوع على الطاولة وأعطته لها بعد أن دونت رقمها به
_انا سجلتلك رقمي عندك ،لو احتاجتي اي حاجه اتصلي بيه هجيلك على طول .
رمقتها نادين بإبتسامة هادئة، فتوجهت فاطمة لغرفتها لتنام قليلا قبل أن تشرق شمس الصباح


__
قررت أن تنهض من مكانها لتتقوى بالقرب من ربها، فهي تعرف أنه لا راحة ولا سكينة ولا قوة بغير القرب من الله، لذا نهضت من مكانها على مهل، ودلفت للمرحاض وتوضأت على توءدة وأسبغت وضوءها، فرشت سجادة الصلاة وقررت أن تصلي الصلوات التي فاتتها طوال اليوم بسبب المنوم التي تجرعته، صلت طويلا إلى أن أنهكها التعب، لكنه لم يجعلها تستسلم وتكف عن الصلاة بل أحضرت الكرسي وبدأت تصلي قاعدة إن بلغ منها الجهد، إلى أن شعرت بالراحة النفسية تسري في شراينها كسريان الماء في الجدول بحرية وانسيابية تامة، وعندما تمر بخلية من خلايا جسدها، تشعر بالحياة بداخلها تتجدد من جديد، تغدق روحها بطمأنينة لا مثل لها، تعينها على تحمل هموم الدنيا ونكباتها، تزيل تلك الطاقة السلبية التي سيطرت عليها حتى ضيقت الخناق عليها حد الإختناق، حتى لحقت هي نفسها بالصلاة فهي المتنفس من كل الهموم والأوجاع.
بعد أن فرغت من صلاتها ومكثت على الكرسي البلاستيكي في الشرفة، تستنشق الهواء وترتاح قليلا، فشعرت فجأة بالجوع وطاقت نفسها للعسل لا تدري لم في هذا الوقت ودت لو تتناوله، لذا قررت أن تنزل للأسفل للبحث عن بعضا من العسل في ذلك المنحل الذي تراه أمامها من شرفة غرفتها وربما هذا ما فتح شهيتها.

سارت ببطىء وعلى مهل لخارج الغرفة وقررت لأول مرة أن تنزل الدرج وحدها، تخشى أن تتعثر لكنها قررت أن تتشجع وتتقوى ثانية، فهي لن تخسر كل شىء دفعة واحدة، ربما قد خسرت كل شىء، لذا هي لا تريد أن تخسر نفسها حتي.

هبطت درجة واحدة من الدرج، فرآها ذاك الذي استيقظ لتوه ليؤدي صلاة الفجر فلم يتبق سوى بضع دقائق ويؤذن المؤذن لصلاة الفجر، كان قد ذهب إليها في غرفتها لكنه لم يجدها وما إن هم ليبحث عنها وجدها تهبط الدرج فقال مستغربا ومتفاجئا
_نادين؟ محتاجه حاجه؟ ليه خرجتي من اوضتك وأنتِ لسه تعبانه؟
ردت نادين بهدوء على ذلك الرجل الذي لم تجد منه سوى كل خير ومعاملة حانية كوالدها وأخيها لا يتخير عنهم
_حسيت اني نفسي رايحه للعسل ، .

ابتسم لها وتنهد براحة 
_المنحل كله تحت امرك، من عينيه هاجبلك بنفسي، تحبي ترجعي اوضتك ولا تجعدي تحت ؟ أنا شايف تجعدي تحت شويه اكيد زهجتي من جاعده الاوضه على طول.

صمتت تفكر ليقول هو بينما يسند أيديها 
_تعالي هانزلك ، ايه رأيك تجعدي في الباحة الأمامية جنب النخل، عجبال ماروح للصلاة في المسجد وأعاود، وادخلك جوه تاني.

راقتها الفكرة فهزت برأسها، لينزلها هو الدرج على مهل، وصلا إلى الطاولة الخشبية وأجلسها عندها، ثم ذهب إلى المطبخ وأحضر لها طبقا مليئا بالعسل وقدمه لها قائلا 
_يالا استمتعي بالطبق ده على ضوء القمر الجميل ، هاروح للمسجد للصلاة ومش هأتأخر.
أومأت له وقالت بهدوء
_ متنسنيش من دعائك.

قال بينما يتوجه بعيدا عنها ليتوجه للخارج
_اكيد طبعا.
__
داعبت نسمات الفجر العليلة وجنته برقة شديدة، وكأنها تحاول إيقاظه للصلاة، فاستجاب لها على الفور وبدأ يفتح أعينه التي لم تغفل إلا ساعة أو اثنين من الليل فقط، طالع القمر أعلى بصره والممتد أمامه متنهدا براحة ومن ثم نهض من رقدته معتدلا في جلسته، واضعا يده على عينيه يفركها؛ ليزيل النعاس منها، وبعدها نهض من مكانه ليلبي نداء ربه ويتوجه للصلاة، نفض ملابسه مما علق عليها من عشب أو أتربة، وسار متوجهها للخارج، وبينما هو يسير، إذ شاهد أحدا ما يجلس إلى النخيل، فاقترب ليبصر من ذلك الشخص الذي يجلس في ذلك الوقت هنا، فإذا به يكتشف أنها نادين، فاضطربت نفسه لرؤيتها، فنحن نفشل في النسيان لأننا في الواقع لا نريد أن ننسى، رغم كل ما يحمله التذكار من وجع.
فقال بكل غضب رغم حزنه مقتربا منها بينما يطرق بيده على الطاولة بإنزعاج شديد وجسده يشتعل ككتلة من نار سديم يحترق
_هي دي لعبتك بقي، سيبتيني عشان تتجوزي اخويا الكبير ! طبعا قولتي اكيد ليه النصيب الأكبر مش كده ؟ 
أجفلت هي مكانها عندما رأته أمامها وطالعته بصدمة لرؤيته أمامها في ذلك التوقيت، ليردف هو حديثه هادرا بها بحده شديدة
_اتكلمي، قوليلي على مبرر واحد للي عملتيه ؟ ليه عشمتي قلبي وخلتيني استنى وانت بتخططي تتجوزي اخويا ؟ مش قولتي انك موافقه الارتباط بيه ولا انا اللي اتوهمت ؟
لم تستطع نادين الرد عليه واكتفت أعينها بهطل الدمعات الذي زادته حنقا وغضبا
_عارفه؟انا دلوقتي عرفت ان الوش اللي قدامي ده غطا بتتداري وراه عشان متظهرش حقيقتك لكن انا عرفتها خلاص ، أنت أسوء بنت عرفتها ، وأقسم بربي لولا أنك دلوقتي مرات اخويا لكنت فرمتكِ بين ايدي عشان انولك عقابك على اد الوجع اللي حاسس بيه دلوقتي .

حركت رأسها بالنفي فهي لا تريد أن تراه يتألم فخرج صوتها متحشرجا تود أن تعتذر منه
_أرجوك ماتزعلش.
طرق على الطاولة ثانية حتى سقط طبق العسل على الأرض والتي لم تكن نادين أنهته بعد.
_كفايه بقى كلامك ده واسلوبك ده محدش هنا عرفك زي أظهري على حقيقتك، عارفه أنا بحمد ربنا ان كشفتك على حقيقتك قبل فوات ، أنا دلوقتي بكرهك جدا، وهتفضلي تحت عيني لاخرجك من هنا واخلص اخويا ومراته من شرك .
قالها وابتعد عنها مغادرا، كالبارود المشتعل، الذي يترد آثاره في كل مكان يمر به، لتتابعه هي بعينيها الباكيتين قهرا ووجعا، ولكنها ومع ذلك لن تستطيع أن تقول له شيئا ولا أن تبرر له شيئا، هي تفضل أن يراها مخطئة، سيئة، على أن يعرف بحقيقة مرضها والذي تخلت عنه بسببه.

ظلت مكانها تبكي، فالدموع مطافىء الحزن، وربما هي ليست قطرات وإنما ترجمة لكثير من الكلمات عجز اللسان عن البوح بها.

عاد من صلاته متوجها نحوها بينما قرر عز الدين ألا يعود إلى الدار في ذلك للتوقيت أبدا ما دامت هي بالأسفل، فهو لا يدري ماذا سيكون رد فعله إن رآها ثانية.
وجد حمزة نادين تبكي، فاقترب منها باهتمام وسألها بلهفة
_نادين مالك بتبكي ليه؟
حركت نادين رأسها وهي تقول بهدوء محاولة التجلد 
_مافيش حاجه مهمه، ماتشغلش بالك.
_كيف يعني ماشغلش بالي؟ انت دلوقتي مسؤله من يا نادين.
لتهدر نادين به بغضب شديد ولا تدري ما ذنبه هو، فهي لا تكن له سوى كل الإحترام والتقدير، ولكنه جاءها في الوقت الخطأ، فخرج غضبها كله فيه
_مش عايزه مسؤوليتك دي، مش عايزه حد يهتم بيه او يشفق عليه ، مش محتاجه حد منكم ، ممكن اتصرف في اموري لوحدي ، بس سبوني في حالي انا تعبت تعبت من كل حاجه، تعبت.

لم يغضب حمزة من كلماتها الغاضبة ولا من طريقتها الفظة في الحديث فهو مقدر تماما ما تشعر به وما تمر به، ربما هي طريقة منها لتنفث فيها عن حزنها وتعبها من مرضها ذاك.
لذا قال بكل هدوء
_تمام أنا أسف يانادين، عايزه تطلعي اوضتك ولا تفضلي هنا شويه ؟.
أجابت وهي على نفس حدتها وغضبها
_أرجورك سيبني في حالي دلوقتي.

تنهد حمزة وقال ببسمة هادئة رسمها على وجهه
_ماتيأسيش و تستسلمي للشيطان، مهما كانت شدّة المصائب، فهي دايما تبدأ كبيره وبعدين تبتدي تتلاشى، عليكي بالصلاة والإستغفار فالزميهم فهما لكِ دواء، هاروح انا دلوقتي وهعاود بعد شويه وآمل أن تكوني استعدي نفسك.

قالها وتركها وتوجه للداخل، لتأتي إليها تلك التي شعرت بأن زوجها تأخر عن موعد عودته، لتراه يقف مع نادين وهي تحادثه بحدة فانتظرت إلى أن تركها وعاد للداخل لتذهب هي إليها محملة بكل غضبها نحوها وقالت بغيظ
_ مين انت عشان تتكلمي مع جوزي بالطريجه دي ؟!
 انت فاكره نفسك مين ! أنامش هسمحلك بدع مره تانيه ، والله لو ازعجتيه بكلامك اللعين ده مش هسكتلك ابدا ، وبعدين انا شايفاكي بجيتي كويسه ليه جاعده وكن المكان مكانك وانك صاحبه الدار. يالا اتحركي مكانك وروحي عالمطبخ وساعدي أم الخير في تحضير الفطور ، ايه متعرفيش ان حمزه جابك هنا لخدمتي أنا! 

طالعتها نادين بوجه خال من أي تعابير فيه، وكأنما صفحة وجهها طمست معالمها
لتردف نوارة متابعة حديثها
_أيوه طبعا ده سبب مجيك هنا عشان تخدميني وتخدمي أهل الدار، احنا بس كنا مستنين صحتك تتحسن ، لكن لو فاكره ان حمزه جابك هنا زوجه تبقى بتحلمي ؛ حمزة لا يمكن يشوف غيري أبدا، وأنتِ لا تمثلين صفر عالشمال جنبي بجواري فلازم تحطي عجلك في رأسك وماتعوضيش الايد اللي اتمددتلك.

لم تر نوارة من نادين أي رد، فلا كلمة واحدة قد أثرت فيها، بل ولم تلقي لها بالا، فهي بالفعل لا تريد أن تكون زوجة لحمزة، وتدرك جيدا لم أحضروها إلى هنا، إنما شفقة وعطفا وليس كما تقول نوارة؛ فنادين تدرك أنها تقول هذا بسبب غيرتها منها على زوجها، لكنها وافقت على قول نوارة فهي لا تحب أن تكون عبئا ثقيلا على أحدهم لذا قررت بالفعل أن تحاول أن تكون ذا نفع في الدار، حتى لو كانت بالفعل خادمة، فلا شىء أصبح ذا قيمة عندها، فلقد تساوى عندها الإمتلاك من العدم.

لتقول بعدها نوارة بتحذير
_اسمعي مش عايزه اي حد في الدار يعرف ان اني اللي طلبت منك انك تساعدي أم الخير في المطبخ، أنا بحذرك لان غضبي مش هتتحمليه.

تنهدت نادين بكل ما تحمله في قلبها من أنين وحركت رأسها بأنها بالفعل فهمت كلامها وستنفذه، لترمقها نوارة بازدراء وتغادر دالفة للداخل لتلحق بزوجها.

حاولت نادين النهوض من مكانها بعدما التقتت طبق العسل الذي سقط منها على الأرض، وقررت بالفعل دخول المطبخ كما طلبت منها نوارة، لم تكن تعلم أين طريقه لكنها بحثت عنه إلى أن وجدته، وضعت الطبق فوق سطح الرخامة، وبدأت تلتقط أنفاسها التعبة، ثم توجهت تجاة حوض غسل الأطباق بغية أن تغسل ذاك الطبق.

في ذلك الحين قد عاد عز الدين إلى الدار شاعرا بصداع يفتك برأسه كطائر نقار خشب ينقر في رأسه حتى بات أن يهلكه، لذا توجه نحو المطبخ ظنا منه أن أم الخير قد استيقظت، ليطلب منها أن تعد له كوبا من القهوة علها تسكن ألم رأسه، ليتفاجىء بها نادين، فتبا للصدف التي تجمعنا حين لا نريد، وتفرقنا حينما نريد.
لذا صرخ بها هادرا
_ انت بتعملي ايه هنا؟ ليه مصره انك تكوني في طريقي دايما ؟ مش عايز اشوفك في أي مكان هنا فاهمه؟.
طالعته نادين بحزن بينما هو ينظر لها بشراسة وكأنه أسد على وشك الإنقضاض على فريسته ليلتهمها دون رحمة.
لترحل نادين من أمامه بائسة محاولة إستجلاب كل ما أوتيت من قوة للمغادرة بأقصى سرعة تمتلكها.

لتشاهدهما تلك التي عادت للمطبخ بعدما طلب منها زوجها فطورا سريعا لأنه لديه عمل باكرا يريد أن يذهب إليه، فتشاهد ما يحدث، فتدرك أنه ثمة علاقة تجمع كل من عز الدين ونادين وأنهم يعرفون بعضهم البعض من قبل، وتلك العلاقة أيضا ليست على ما يرام، لكنها لا تدري ما هي، لذا أقسمت في نفسها أن تعرفها وبالتالي تفضح بها نادين أمام زوجها حمزة فيطلقها وترتاح هي من نادين للأبد، ارتاحت لتلك الفكرة ورضيها عقلها فلقد كانت تشكل نادين لها، كابوسا موحشا لا نجاة منه، قررت أن تتابع تصرفات عز الدين ونادين جيدا لتفهم أي علاقة كانت تجمعهما قبلا.
__
بدأ عز الدين يعد قهوته لنفسه بعصبية مفطرة، ففي كل مرة تفور منه القهوة وتسقط بأكملها على المشعل بسبب غضبه وعدم تركيزه، فيقوم بإعداد غيرها، لتأتي نوارة وتقول بمكر
_خليني اعملهالك انا ، شكلك مزاجك مش ولابد من حد النهارده .

مسح عز الدين وجهه بيده ومن ثم قال باقتضاب
_لا غيرت رأي مش عايز القهوة، أنا طالع اوضتي.
قالها ورحل سريعا لتصر نوارة لأن تعرف الأمر بكامله وبأي طريقة.
__
اتصل بها مرارا لترد أخيرا على إتصاله وهي التي لم ترد عمدا على أي من إتصالاته لأنها لا تريد أن تحادثه من الأساس، ليصرخ هو بها هادرا بغضب
_أنتِ بترديش ليه علي اتصالاتي يا زهرة؟ امال اني جبتلك التلفون المحمول ده ليه ؟ 
لتزفر هي بحنق وتقول بغضب مماثل
_أنا مطلبتش منك تجبلي تلفونات انت اللي جبته خده لو ده هيريحك ، وأما بقى لاني مش برد ليه عشان انا مشغولة مش هفضل ارد عليك طول الوقت ، ودلوقتي جول اللي عندك وخلصني .

علم أنها غاضبة وهو الأمر الذي لا يريده لذا حاول أن يكون لبقا وهو الأمر الذي هو ليس معتادا عليه وقال مدعيا اللطف
_متزعليش يا زهرة،انا اتعصبت لأني أتصلت بيكي كثير، وكنت جلجان عليكِ مش اكتر.
لترد هي بهدوء 
_أنا بخير ماتجلجش، عايز حاجه ؟ هاقوم اشوف اللي ورايا .
_لا كنت عايز أدردش معاكي، ايه أخبارك مع التلفون الجديد؟ بتكلمي فيه صحباتك، أني بعتلك رصيد كتير عشان تتكلمي بحرية.
تنهدت هي بقلة حيلة وردت ولكنها لا تدري ما وراء ما يفعله هذا كله
_أيوه كلمت واحده النهارده.
_مين؟
_ بتسأل ليه؟
_لا بس بادردش مع خطيبتي.
_اه ده لو كان حجيجي مش بالإجبار.
قال بخبث
_زهرة كفايه، أنا بحبك و ايد انك تبادلينني نفس الشعور، يالا جوليلي مين؟
أرادت زهره أن تتخلص من سماجة جلال تلك وقالت
 _فاطمة، هي الوحيدة اللي مش هعرف اشوفها باستمرار بسبب سفرها إلى القاهرة.
_أيوه كنت خابر ان التلفون هيفيدك ، كويس حبيبتي اتواصلي دايما مع صحباتك ، يالا هاجفل انا معاكي عشان تشوفي اللي وراكي

أغلق الخط وأبقى هاتفه في يده يحركه بين يديه باستمتاع وتسلية بينما يبتسم إبتسامة خبيثة ظهرت فيها أسنانه الصفراء من أثر التدخين، بينما لم تنشغل زهرة بمحادثته وتابعت غسلها للملابس على تلك الغسالة العادية التي ترهق البدن وتحتاج لمجهود كبير كي تنتهي.
__
جلست ترمقه بغيظ شديد، وبين الفنية والأخرى تطالعه بضيق، كان يعرف نظرات أمه له لكنه يتجاهلها تماما؛ لأنه بالطبع يعلم كم أنها مستاءة بسبب تشبثه ببسمة وعدم موافقته على فسخ خطوبته منها فهو يحبها ولا يريد أن يتخلى عنها، رغم اختلاف شخصياتهما واهتماماتهما إلا أنه يراها زوجته الذي يتمنى الزواج بها، أنهى فطوره وتوجه سريعا للخارج ليهرب من نظرات أمه، بينما بقيت فاتن على المائدة مع زوجها، تأكل في نفسها بسبب عدم إنصياع نبيل لأمرها.
__
في الشركة 
رفع ناجي سماعة الهاتف وطلب من بسمة الحضور 
ولما جاءته وجدته على غير العادي التي تعرفه عليه بطبيعته المرحة، التي جعلتها تعتاد عليه سريعا جدا وأسرع مما تتوقع هي أو يتوقع هو.
وجدته مضطرب وكأنه قلق من شىء، ما، يريد التحدث لكنه يتررد، وكأنه مضطرب، جلست في الكرسي في مقابلته وقالت باستغراب حالته تلك 
_مالك يا ناجي، شكلك مش مظبوط.
نهض ناجي من مكانه وتوجه نحوها ليجلس على الكرسي المقابل للكرسي التي تجلس عليه وقال بعد أن عزم الأمر على أن يقولها لها
وقال باندفاع
_مم بصراحة أنا متردد اني اقولك لاحسن ترفضينني، لكن هاقولها ، بسمة أنا معجب بيكي وعايز اتجوزك ايه رأيك؟ 
تفآجئت هي بطلبه كثيرا، وكم كانت سعادتها لا مثيل لها وترجمها وجهها جيدا، فظهرت تعابير وجهها المنكشحة، والمنفرجة على وسعها، ليصدم هو بينما يقول بانزعاج بدي على وجهه وهو يشير إلى يد بسمة الذي يزين إصبعها بخاتم خطبة
_ايه ده يابسمة مخطوبه قبل كده ؟ مكنتش اعرف، ياه على حظي.

قالها وهو يطرق بيده على جبهته بحزن، شحبت ملامحها لمعرفته بالأمر، هي تناست ذلك تماما، لتهتف هي على عجل، وهي تقوم بسحب الدبلة من يدها تدسها سريعا في حقيبة يدها
_يا ربي، لا دي مش بتاعتي ، دي بتاعت للل.. للبنى صاحبتي أنت تعرفها، عجبتني خدتها اجربها في أيدي ، وبعدها انشغلنا ونسيناها في أيدي هاروح ادهالها.

قالت ذلك واتبعته بضحكة سخيفة لتخفي فيها حرجها الذي وضعت نفسها فيه.
ليتنهد هو براحة، معيدا ظهره للخلف مستندا بظهر الكرسي
_ريحتيني، أنا مستني ردك على طلبي، خذي الوقت اللي انت عايزاه في التفكير.
لتقول هي باندفاع أدركت حماقته بعدها
_موافقة، ااا أقصد هافكر في طلبك.
قالتها وفرت هاربة للخارج تلوم نفسها على تسرعها الذي سيكشف كم هي تندلق عليه دلقا، ليبتسم هو براحة ويحرك حواجبه بمكر.
__
وفي المنزل، أخبرت بسمة أمها اعتماد بطلب ناجي للتقدم لطلب يدها، وأنها موافقة بالطبع على طلبه، فتتحت أمها فمها من الصدمة وقالت
_ازاي طب و نبيل؟

كانت اعتماد معجبة بالصفات التي عددتها لها ابنتها عن ناجي، وعلمت أنه بالطبع عريس مثالي لابنتها، لكنها الآن مخطوبة لنبيل، لتهتف بسمة بلا مبالاة
_كل الحكايه الدبله دي هارجعهاله وخلاص اتصل بيه عشان انهي كل حاجه .
_ايوه مش بالسهوله دي وخالك هاقولها ايه؟
مطت بسمة شفتيها وقالت بضجر
_أمي أنت عارفه اني مش بحب نبيل لو خالي سألك قوليله اني مش مرتاحه وفكرت كتير قبل متاخد القرار ده .



7 تعليقات

  1. تسلم ايدك يا قمر
    نادين مش ناقصه قهر نواره ولا تأنيب عز لها في الرائحه والاجابه
    أما بسمه فنبيل

    ردحذف
  2. تسلم ايدك يا قمر
    نبيل يحمد ربنا أنها حلت عنه
    دي طماعه وانانيه وماتنفعش زوجه
    يعتمد عليها ويأمنها علي سعادته

    ردحذف
  3. جميله جدا ياقلبي

    ردحذف
  4. روووعة بجد تسلم ايدك

    ردحذف
  5. جميلة جدا جدا احسنت

    ردحذف
  6. 👍👍👍

    ردحذف
  7. جميله اوي روعه

    ردحذف
أحدث أقدم