حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي
عسل مالح الجزء الثاني بارت ١٠
البارت العاشر
الجزء الثاني
ما إن استمعت نادين لاسم "عز" حتى انتبهت حواسها كلها، زادت ضربات قلبها، واشتاق فؤادها لرؤياه، لم تكن تدرك أنه فقط لذكر اسمه تأثير النغمات على قلبها، كشمس تستطع أشعتها على بدنها فتحييه وتصحه، تذكرت تطله التي تخفي غيوم المطر حياء وخجلا من بهاء صورتك، صوته الشجي الذي يزهر نبتات قلبها الزابلة، يا عز الذي هو وحده دونا عن البشر جميعهم من يستطيع أن يجعل قلبها يتراقص بذكر اسمه فقط، نظرت حولها وكأنها تحاول البحث عنه تستدعيه ليحضر أمامها وكأنه طيف خفيف يحضر كلما أرادت هي، لم تجده بين الحضور لكنها تشعر به قريبا منها، شعور قوي ينتابها بأن اللقاء قريب، لكن بالرغم من ذلك هي متأكدة أنه وهم سراب، فما الذي يأتي به إلى هنا، أمسكت طبق العسل وبدأت تأكله على مهل بالملعقة رويداً، فتنهد حمزة براحة وغادر مع زوجته نوارة وترك أم الخير مع نادين إلى أن تغفو.
وبينما نادين تأكل العسل، تتحسر على ضياع عسلها منها، فقلبها يهفو لجميل صوته الذي يتردد صداه في غرفات قلبها بقوة، فيرجه رجا جميلا محببا للنفس، لكن سرعان ما تذكرت أنها أصبحت ملكا لغيره، ولم يعد يجوز لها التفكير به باستغفرت ربها على ذلة نفسها، وتابعت تناول العسل بهدوء.
على الجانب الآخر كان هو وكأنه في ملكوت مغاير تماما، يرتشف العسل رشفا وبسرعة كبيرة لكن دون أن ينتبه، حتى أنه انهى برطمانين من العسل في جلسة واحدة، بينما هو شارد فيها، ينتابه الشوق والغضب في آن واحد، وعلى الرغم من أنه يدعي أنه بات يكرهها إلا أن قلبه يأبى ذلك ويعلن تمرده عليه، ويأبى ألا يذكره بها في كل وقت.
أخرج تنهيدة حارة من تلك التي سرقت قلبه، وتأتيه حتى في الخيال، فحب عز لنادين تستعصي الحروف عن التعبير عنه، وتعجز الألفاظ عن البوح به.
أخرجته تلك المزعجة التي لا يستطيع أن ينعم بالهدوء وهي موجودة معه في مكان واحد، تصدر جلبة لا تحتمل في أكثر وقت يريد أن يختلي فيه مع نفسه وهي تقول
_عز أنا متحمسة ارجع للدار اوي، انا جهزت شنطتي ومستعدة كمان اجهز شنطتك ، خلينا نعاود بكره عندي يومين اجازه عايزه استغلهم ارجوك.
مط شفتيه بإنزعاج وهتف بصوت رخيم بينما يستند برأسه على ذراعه الموضوع على الطاولة
_جولتلك بعد اسبوعين انت مابتفهميش ؟
إنزعجت لإصراره على إطالة المدة، وهي التي لم تعد تستطيع تحمل الإنتظار أكثر، تريد أن ترى نادين بفارغ الصبر، لديها رغبة عارمة في حضور ذلك الجو السائد في الدار الآن، لكن أخيها لا يهتم، لذا فكرت في حيلة لجعله يقدم على العودة معها إلى الدار بأقصى سرعة، فنظرت للطاولة أمامه لتجد البرطمانات الزجاجية الفارغة، فطرأت في بالها فكرة ظنتها ستؤتي ثمارها لذا قالت مدعية البؤس
_ياربي ، عز انت خلصت العسل الموجود كله؟
اتسعت عيني عز وقال بصدمة
_ايه ده خلص بجد ؟
نظرت له بامتعاض وأشارت إلى البرطمانات الزجاجية وقالت
_طبعا لازمن يخلوص بطريجتك دى.
عاد إلى هدوءه وقال بلا مبالاة
_مش مهم اشتري من هنا ولله الأمر.
شهقت هي مدعية الفزع وقالت
_لا لا يا عز، أنت متعود على عسل المنحل بتاعك، ماعتقدش هتحب غيره ، مش هيبجي لذيذ زيه.
فكر بالأمر مليا ثم أدرك أنها بالفعل محقة، وأدرك أيضا أنها تفعل هذا كله لكي يعيدها للدار فهي لم تكن لتهتم بنفاذ عسله أو من أين يحصل عليه، لكنه على أي حال قال
_أنت مصيبة ، فهمتك طبعا .
كزت فاطمة على أسنانها وظنت أنه سيرفض لذا ابتئست ومرقته بتكشيرة، ليقول هو
_ماتبصليش إكده خلاص هنسافر بس هما يومين وهنعاود على طول .
ابتسمت هي سريعا وقبلت وجنته وقالت
_طبعا طبعا ، بحبك يااخويا .
قالتها ثم انطلقت مغادرة لغرفتها بفرحة لينادي عليها قائلا
_متنسيش تكويلي هدومي والا مفيش سفر .
طرقت الأرض بطرف حذاءها، فهو استغلها جيدا، هي لم تكن تقبل أن تقوم بكي ملابسه فكان يقوم بكيها بنفسه في معظم الأحيان، وقالت وهي مغتاظة
_حاضر يا عز
_انا شايف حد مضايج هنا! خلاص مفيش سفر
أجابت وهي تكز على أسنانها
_جولت حاضر، اجول ايه اكتر من إكده.
ضحك هو عليها بإستمتاع لأنه أثار غضبها.
__
وبعد أن أنهى عز الدين وفاطمة محاضراتهم، قاد عز سيارته بأخته عائدا إلى دارهما، وفي الطريق كان يشعر بشعور غريب ينبأه بأنه ثمة شىء سيحدث، شيئا ما ليس جيدا، كان يود أن يعود أدراجه للقاهرة مرة أخرى، لكنه وعد أخته، وتحمست هي للأمر، لذا تنهد بقلة حيلة وتابع طريقه داعيا الله في نفسه أن يصلا بالسلامة.
كان الوقت مساء وقد أسدلت الشمس ستائرها للرحيل فقد حال وقت نومها ليحل محلها ذاك البدر الذي يبعث في النفس الراحة والطمأنية، لكنه لم يكن ظاهرا جيدا في مطلع الليل، ترجلت فاطمه من السيارة سريعا هي حتى لم تحمل حقيبتها ودلفت سريعا للدار، مما دفع عز الدين لأن يحرك رأسه في استياء منها.
دلفت تصحب معها ضوضاءها وتصيح بصوت عال
_يا أهل الدار انا جيت، أنتم فيين، محدش هيرحب بيه ؟
استغربت عدم رؤيتها لأي أحد في الردهة فالجميع في ذلك الوقت يكونون متواجدون هنا، لتسير هي بضع خطوات للأمام فيأتي عز خلفها بحقيبة ملابسها التي بها الكثير من الملابس المتسخة التي تقاعست فاطمة عن تنظيفها هناك فأتت بهم إلى هنا كي تنظفها أمها بدلا عنها، وضع الحقيبة أرضا وقال بتساؤل
_في ايه ؟ هما فين ؟
حركت فاطمة كتفيها فهي لا تعلم، لتأتي أم الخير وهي تنظف يدها بالمنشفة التي تضعها في حزام خصرها
_أهلا بيكم ياولاد ، كلهم مشغولين فوج،عشان الدكتوره مع مرات اخوكم .
اتسعت عيني عز الدين وفاطمة وقالا بخوف على نوارة متناسيين أن لحمزة زوجتان
_ نوارة فيها ايه؟ ايه اللي حصلها؟
_لا، نوارة بخير الحمد لله، دي الشابة المسكينة، "الدكتوره" معها بتعملها العلاج الطبيعي الخاص بها، والكل معاها عشان يطمن عليها .
لتركض فاطمة نحو الدرج لتصعد لترى الفتاة التي تتحدث عنها أم الخير.
قالت أم الخير حديثها وعادت إلى المطبخ لتنهي إعداد الطعام كي تغادر لبيتها، أما عز فظل واقفا مكانه لبعض الوقت
لتأتي نوارة إليه وتجلس بهم دون أن تتفوه ببنت شفة
ليقترب منها عز الدين ويهتف باعتذار مزدردا ريقه
_كيفك يا نوارة؟
وضعت نوارة يدها على رأسها وقالت بينما تجلس مربعة أرجلها فوق المقعد
_بتسألني عن حالي؟ حالي لا يسر عدو ولا حبيب، أيه مش شايف بنفسك اللي عملته فيه؟
_أنا أسف ، ماقصدش أبدا.
حركت جسدها يمنة ويسرة ببؤس
_مبجالوش لازمه الإعتذار فاللي حصل حوصل وانتهى ، اااه يا وجع قلبي اااه.
زفر بأسى من أجلها وكاد أن يتحدث، لتهتف هي مشيرا له بالصعود لغرفته
_امشي يا عز، مافيش كلمات هتضمد جرحي اللي بينزف، امشي وهملني لحالي.
مسح عز الدين وجهه بيده وزفر مرة أخرى بحزن فلهذا السبب هو لم يرد المجىء.
__
بالأعلى نادت فاطمة على أمها التي فتحت باب غرفة نادين ونادت عليها لتأتي للداخل ثم سلمت على ابنتها وابتدرتها بالأحضان والقبل المشتاقة، وبعدها أخذتها للداخل، سلمت فاطمة على أبيها وأخيها اللذان كانا جالسين على الأريكة في زواية الغرفة، ثم قامت أمها بتعريفها بالطبيبة ونادين فحيتهم فاطمة، ونظرت لتلك الجميلة الجالسة بإنهاك على طرف فراشها تتنفس بأنفاس متلاحقة وتجاهد لألا يقع جسدها على الفراش.
لتهمس فاطمة لأمها
_هي مالها يا أمي؟
_متجلجيش ، هي بخير، هي بس تعبت من التمارين اللي الدكتوره خلاها تعملها
ابتأست فاطمة لحالة نادين وقالت في نفسها_ مسكينة أسأل الله العظيم أن يتم شفاءها، شكلها مسالمة ورقيقة جدا.
أرادت الطبيبة لأن تقوم نادين بتمرين آخير، لتهتف نادين بتعب قد بلغ منها
_لا، أرجوك انا تعبت، كفايه النهارده كده .
إلا أن الطبيبة رفضت وقالت
_لا انا اتواصلت مع دكاترتك في القاهره وقالولي حالتك بالظبط وانت شكلك بتتهاوني في تمارينك المنزليه عشان كده بتحسي بصعوبه فلازم نستمر هو تمرين واحد كمان وخلاص معلش اتحملي.
تنهدت نادين بقلة حيلة وتحاملت على نفسها لتقوم به، فأمسكت بزجاجتي المياة الممتلئة في كلتا يديها وبدأت تقوم بالحركات التي تطلبها منها الطبيبة.
لتهمس فاطمة لأمها ثانية وهي لا تفهم شيئا فما دخل هذه التمارين في مرضها، فهي لا تفهم حقيقة مرض نادين بالكامل
وبالرغم من أن بهية نفسها لا تدري، لكنها قالت لابنتها
_ماتتدخليش في اللي مايخصكيش، بكفاياكي الأسئلة؟
رمقت فاطمة أمها بضجر وبقيت صامتة.
وبعد أن انتهت التمرينات عاونت بهية "الطبيبة" في جعل نادين تتمدد لأخذ قسطا من الراحة، وأمسكت بهية بمنديل قطني وبدأت تمسح حبات العرق التي تتصب من جبين نادين.
نهض الحج عيسى من مكانه وقال
_شكرا يادكتوره، اتفضلي أوصلك .
ليقول حمزة بعد أن اقترب منهم
_خليني أوصلها انا ياحج.
_خليك انت مع نادين، هاتكلم مع الدكتورة في أمر مهم.
خرج الحج عيسى مع الطبيبة ووقفا أمام الباب
_جوليلي يادكتوره كيفها حالتها؟
_كويسه ماتقلقش، هي بتتحسن كثير اعتقد تحتاج لجلسة أو أثنين بالكتير، شافاها الله وعافاها.
ردد الحج عيسى الحمد ونزل للأسفل مع الطبيبة وما إن رأى عز ابنه أمامه ابتدره قائلا
_عز وصل الدكتوره للمكان اللي تريده.
أومأ عز لأبيه بطاعة وأشار للطبيبة لأن تتقدم.
بعد برهة شاهد الحج عيسى ابنه حمزة يهبط الدرج فسأله مستفهما، لماذا عاد بتلك السرعة ليقول حمزة وعينه على نوارته
_ أمي اديتها المسكن وسيبتها لترتاح.
_تمام
قالها عيسى ثم توجه للخارج.
بينما جلس حمزة جوار نوارة وقبل رأسها وهو يقول بحب
_ اشتقلتلك في الدقائق التي غبت فيها عنك.
طالعته بإنزعاج وهمت لتغادر مكانها وهي تقول
_هاروح آكل الولاد عشان ينعسو .
ليمسك هو بيدها ويقول
_ايه مش مصدجاني؟ خلاص ماببجاش عندك ثجه فيه؟
صمتت نوارة هي لم تشك فيه أبدا، لكنها حزينة منه لذا قالت بحب ملتاع
_لا مش بشك في حبك،، لكني مش جادره أمنع غيرتي.
تنهد حمزة ولم يستطع أن يرد عليها فالغيرة المحمودة لا بأس بها، لكنه بالطبع لا يدرك أن غيرة زوجته مزمومة.
__
في صباح اليوم التالي
استيقظت فاطمة باكرا وقررت التوجه لغرفة نادين لتطمئن عليها
فوجدتها مستيقظة وتقوم بعمل بعض التمرينات البسيطة التي نصحتها بها الطبيبة، ابتسمت لها فاطمة وقالت
_ماشاء الله شكلك احسن النهارده، حمدا لله على سلامتك.
رمقتها نادين بإبتسامة صافية فهي رأتها فتاة طيبة، لتدلف بهية ومن خلفها أم الخير وهي تحمل الفطور،
لتقول فاطمة بضيق
_ليه تاكلي لوحدك؟ مابحبش الاكل لوحدي تعالي كولي معانا تحت ؟
هتفت بهية باستحسان للفكرة
_معاكي حق نادين من ساعه ماجت وهي مخرجتش من الاوضه .
لتمسك فاطمة بيد نادين وتقول وهي ترجوها
_يالا يا نادين، أرجوك.
لم تشأ نادين أن تزعج نوارة بانضمامها إليهم
لتقول فاطمة بحماس
_ماتجلجيش مافيش حد غريب تحت ، يالا يا نادين.
نظرت نادين لوجهي بهية وأم الخير فرأتهم يبتسمون لها، يحركون رأسهم بالموافقة.
فتنهدت نادين بقلة حيلة، وهمت فاطمة لتضبط لنادين حجابها على رأسها فنادين لا تبرح حجابها أيضا فشعرها لم ينبت بعد.
كان الجميع بالأسفل يلتفون حول طاولة الطعام
أما بهية وفاطمة فكانتا تسندان نادين لأجل هبوط الدرج وأثناء ذلك استمعت نادين لعز الدين يقول
_أم الخير فين طبق العسل بتاعي !
أجفلت نادين مكانها فهي استمعت لأكثر صوت تحبه ولا تنساه أبدا، فبدأت تسأل نفسها
_هو ده صوت عز، أيوه انا مش هتوه عنه أبدا.
اضطربت نفسها وكادت أن تتعثر أثناء هبوطها الدرج وهي تشرأب برأسها لترى من هو صاحب الصوت فما الذي يأتي بعز الدين هنا؟
لتسمع الحج عيسى يقول بخوف عندما رأى نادين كادت لتسقط على وجهها لولا أمساك بهية وفاطمة بها
_انتبهي يا نادين!
ليجفل عز مكانه ما إن استمع لإسم نادين وينظر نحو الدرج بإهتمام لرؤية صاحبة الاسم المشابه لتلك التي سلبته قلبه دون إستئذان، فتتلاقي أعينهم معا، فيقف عز الدين محله من الصدمة مشدوها، أما نادين فتفقد قدرتها على أن تبقى متزنة و تخر قواها وتسقط مغشيا عليها
لم يتوقع عز الدين أبدا أن يرى نادين أمامه هنا، يبحث عنها وينتظرها من مدة ويُصدم عندما تبعده عنه للأبد، حتى إذا فقد الأمل في أن يراها ثانية، وجدها أمامه بل في منزله وتعيش معه في مكان واحد، والصاعقة الكبري أنها تكون زوجة أخيه، كيف هذا هو لا يستطيع الاستيعاب أبدا، أهي تركته وابتعدت عنه بل ونحته عن طريقها نهائيا لتكون زوجة ثانية لأخيه؟!
كيف قبلت بهذاهي؟ ولم كان أبيه يصر على تزويجه أياها وعندما لم يوافق زوجها لأخيه؟
توقف للحظة وهو يقول في نفسه
_ لحظة، هو ابويا عرض عليه اتجوز نادين وأنا اللي رفضت؟ ضيعت الفرصة من ايدي و بإرادتي، نادين اللي كنت بأحلم اني ارتبط بيها انا اللي ضيعتها من ايدي في غمضة عين، وهربت كمان واعلنت رفضي التام للأمر؟!
حرك رأسه بعدم استيعاب ولا تعقل، لابد وأن ما يحدث ما هو إلا حلم أو كابوس مزعج سيفيق منه، فما يحدث حقا أغرب من الخيال وأصعب من أن يعقله أو يقبله.
فاق من شروده وارتجاجه رأسه بسبب الصدمة
ليجد الجميع ملتف حول نادين محاولين إفاقتها بعد أن حمولها وبالتأكيد حمزة هو من حملها ووضعها على الأريكة بجوار السفرة.
وما إن فاقت نادين بحثت عنه بعينين متلهفة وحريصة لأن تراه، فتلاقت أعينهما ثانية، ولكن هذه المرة لم يرمقها عز الدين بصدمة رؤيتها كما أول مرة وإنما كان يرمقها بعتاب ولوم، فأخفضت نادين أعينها بعيدا عنه فهي لا تستطيع أن تبرر له وماذا ستقول؟
لم يلحظ أحد من الجميع تلك النظرات الذات معنى التى كانت بينهم، لأنهم كانوا منشغلون بها وبصحتها فهي أمانة عندهم، لكن نوارة الوحيدة التي لم تكن لتهتم لأمر نادين أبدا، فاستغربت تلك النظرات وشكت في أن عز الدين يعرف نادين لكنها لم تهتم بالأمر أيضا.
تحدث عيسى بكل تلهف ولوعة
_أنتي بخير يا بنتي!
أغرورقت أعين نادين وهزت رأسها بلوعة وهي تقول بخفوت وشهقات متلاحقة، فبالرغم من أنها وعدت نفسها أنها قوية إلا أنها وبعدما أدركت أن عز الدين ما هو إلا أخو زوجها حمزة، ظنت أنها نجحت في إبعاد حبيبها عن طريقها للأبد لحتى لا يعلم بما ألمها، لتجدها ذهبت له بقدمها إلى حيث عقر داره، يلا لوعة القدر وقساوته.
_حاسه.. بدوخه.. عايزه ..أطلع.. اوضتي.
لتهتف فاطمة بأسف من أجلها فهي من طلبت منها أن تخرج
_أنا أسفة مكنتش اعرف انك هتتعبي إكده .
ليحملها حمزة على الفور ليصعد بها إلى غرفتها ثانية وخلفها بهية وفاطمة
بينما بقي كل من عز الدين ونوارة يميزان من الغيظ ويتآكلان من الغيرة، وكأنهما محاطان بهالة من نار تشتعل، فعز شعر بالغيرة عندما رأي حمزة أخيه يحمل من دق قلبه لها، أما نوارة فتغار لأن زوجها وحبيبها يحمل أخرى غيرها.
لوهلة تذكر عز الدين أن الأمر لم يكتفي بكون أخيه حمل نادين فقط، بل هو زوجها بالفعل، جحظت عيناه بألم وقال في نفسه
_ ياربي ايه اللي بيحصل ده نادين تبقى مرات اخويا بالفعل.
شعر وكأنما أحضرت نادين منشارا كهربائيا كبيرا وشقته به نصفين، بل وقطعته إربا أيضاً، فأصبح وجع قلبه لفراقها أضعافا مضاعفة، بل وضربته ضربا موجعا لا يكف عن النزيف أبدا.
لم يستطع الإستمرار والوقوف في مكانه أكثر، بل في الدار بأكملها، فالتفت مغادرا كالسهم يتحرك للأمام وبسرعة كبيرة دون أن يلتف خلفه للوراء.
فأصعب شيء في الحياة عندما تجبر نفسك على تجاهل شخص كان يعني لك العالم بأكمله.
___
وضعها حمزة في فراشها برفق
ليقول وهو يعتدل في وقفته
_سلامتك يانادين.
فأشارت بيدها بإعياء تجاه الخزانة الصغيرة جوار فراشها وهي تقول بصوت متحشرج لا تريد أن تبكي أمامهم، حتى لا يشكوا في أمرها، وأمر حبها لعز الدين.
لتسألها فاطمة بإهتمام عن أي شىء تريده، لتردد نادين بضعف بينما مازالت تشير تجاة الحزانة
_المسكن.
فتحت فاطمة درج الخزانة وأخرجت منها حبوب المسكن الخاص بها، فحركت نادين رأسها بالنفي، فليس هذا ما تقصده، حركت فاطمة كتفيها بعدم فهم وبدأت تبحث مرة أخرى، وعين نادين عليها تتابعها بإهتمام متلهفة لما ستحضره فاطمة لها، أخرجت فاطمة شريط حبوب آخر وقالت وهي تنظر لإسمه بدهشه عندما رأت نادين تهز رأسها مرات متتالية بمعنى أن هذا ما تقصده
_ايه!! نادين عايزه المنوم ده ، انتِ لساكي صاحيه دلوجتي لي عايزه تنامي تاني ؟
ليهتف حمزة بجدية
_نادين انت بتشتكي من حاجه؟فيكي وجع فظيع لدرجة أنك م؛ جادره تتحمليه ومحتاجه منوم ؟
لم تعرف نادين بما تجيبه هل تخبره بأنها حقا تحترق من الداخل كشمعة قاربت على الإنتهاء حد التلاشي!
هل ستقول له أنها تحتاج المنوم هذا لتهرب من واقع مرير يأبى إلا أن يوقعها بين براثنه وينقض عليها بكل قوته حتى خارت كل قواها، والقوة الزائفة التي كانت تتحلى بها فلم يعد باستطاعتها سوى الهروب، الهروب فقط.
الهروب من الواقع في عالم الأموات فالنوم موتة صغرى علّ الضغط النفسي التي تتعرض له والذي يكاد يصيبها بالجنون، يخف حدته قليلا.
لذا لم تجد مفرا من أن تدعي الألم الجسدي وتقول
_صداع شديد.. مش متحملاه، نصحتني الدكتوره بالمنوم لما أكون في أشد حالاتي وجع... وأنا دلوقتي محتاجاه ارجوكم ادهوني.
رقت بهية لحال نادين وقالت برجاء لحمزة وهي تمسك بقارورة المياة
_ت
شكلها حالتها صعبه فعلا، نديها جرعة واحدة مش هتضر، لعلّ الصداع يختفي.
تنهد حمزة ببؤس وهز رأسه بالموافقة وهو يضم شفتيه بحزن وهو يرى نادين تتألم بشدة وتنزل دمعاتها متتابعة تلحق الدمعة الأخرى وكأنها تخشى أن تفارقها، ظنه حقا ألم رأسها لكنه لا يعلم أنه ألم نزف قلبها، لا يعلم أن بجوفها كلمات عالقة إن خرجت ندمت عليها وإن كتمتها داخلها تتألم أكثر، اقتربت منها فاطمة لترفع رأسها قليلا وهي تضع بيدها خلف رأس نادين، بينما تقوم بهية بوضع حبة المنوم في فم نادين ثم تقوم برفع كوب الماء إلى فمها.
ابتلعته نادين مغمضة عنيها علها بذلك تدخل في النوم بسرعة وقبل أن تهاجمها صورة عز وهو ينظر لها بعتاب ولوم وتظهر في مخيلتها من جديد.
كانت الحبة قوية كفاية لتجعل نادين تغط في النوم بعد عدة دقائق معدودة.
حين يشتد ألم العين تغلق العين جفنيها من تلقاء نفسها، وكذلك القلب.
لينظر لها الجميع بشفقة ثم تغطيها بهية ويقرروا مغادرة الغرفة على أن يدلفوا للإطمئنان عليها بين الحين والآخر إلى أن تستيقظ.
ما إن خرج حمزة من غرفة نادين
حتى وجد أم الخير تقف أمامه وهي تقول
_الحج عيسى منتظرك تحت
_ماشي اني رايحله.
هبط الدرج بصحبة أمه بهية، بينما قالت فاطمة بعد أن تأثرت لما تعانيه نادين وفقدت شهيتها إثر ذلك، لترد على طلب أمها في اللحاق بهم لتناول فطورهم المعد على الطاولة منذ مدة
_ مليش نفس خلاص ، خليني شويه .
تفهمت بهية أن ابنتها ابتأست من أجل نادين فلم تجادلها ونزلت هي لحتى تتأكد أن زوجها قد حصل على فطوره.
بينما خرجت نوارة من غرفتها بعدما استمعت لقول فاطمة وقالت بنزق
_ليه مالكيش نفس ؟ كل ده عشان البت دي ؟ شايفاكي حبتيها ها وراضية كمان عن اللي عملته ، مكنتش اتوقع كده منك أبدا.
قالتها بعدما اتحتدت نبرة صوتها لتقول فاطمة ببؤس
_لا أبدا مش راضية عن الوضع وكنت غضبانه منها عشانك، لكن لما شوفتها لجتها مسكينة لا حول لها ولاقوة، أنت متعرفيش اللي بتعانيه ، المرض بالفعل أجهدها كثير وجلبي بيتألم وجع كل مااطلع بوشها.
لتهتف نوارة بانزعاج شديد
_ياختي ع الرقة، وأنا مفيش حد هنا بيتألم لوجعي، هو بجد انتو مش شايفينو ، هو انا ولا حاجه بالنسبلكم؟
اقتربت منها فاطمة محاولة إحتضانها
_نوارة أنتِ عارفه معزتك في جلبي، وأقسم برب العزة أني حزينه عشانك، لكن هي ملهاش حيله، هي ماقصدتش تاخد جوزك منك، البنت ما بتفكرش غير في مواجهة المرض وماطنش ان في غيره يشغل بالها دلوقتي.
صاحت بها نوارة وهي تبعد ذراع فاطمة عنها وقالت بحنق
_اسمعي مش عايزه مبرراتكم دي ، دخلتم الوجع في جلبي ولا يمكن كلماتكم مهما كانت أنها تشيله.
لتهتف فاطمة محاولة جعلها تكف عن تأثرها وحزنها ذاك
_يأكل الصدأ الحديد وتأكل الأحزان الفؤاد، ماتخلهوش يتحكم فيكِ، مافيش حاجه مستدعيه حزنك في الوقت ده على الأقل أجليه لوقته، فالبنت بالعافيه بتقف ع رجليها،ماتستعجليش الحزن جبل أوانه انت اللي هتهلكي.
صمتت نوارة رغم أن داخلها يغلي لقد استأصلت الغيرة بداخلها ولا تستطيع التحكم بها، لذا أردفت فاطمة قائلة
_انا عشان بحبك خايفه عليكي يانوارة، ومش عايزه اشوفك حزينة، هوني عليكِ فالصبر أفضل علاج لحالتك.
قالتها وعانقت نوارة مرة أخرى، فاستجابت نوارة هذه المرة لعناقها وبدأت تبكي وتنتحب بين يدها، لتحوقل فاطمة في نفسها بأسى لما يحدث لكلا المرأتين" نادين ونوارة".
__
خرج يسابق الريح كالرعد في عنان السماء، يهرب وكأنما هنالك فهد شرس يلاحقه حتى توقف عند شجرة كبيرة في وسط الأرض التي يمتلكونها، وبدأ يدب رأسه فيها بشراسة غير معهودة عنه، محاولا نفض تلك الفكرة عن رأسه؟ لا يستطيع أن يستسيغها أنادين أصبحت زوجة لأخيه؟
كان في كل مرة يطرق جبهته في الشجرة يقول
_ليه، ليه، ليه اخويا دونا عن الناس كلها ليه يانادين تعملي في قلبي كده؟
شاهده ذاك الذي كان في الأرض من الصباح الباكر، والذي خرج من بيته يسابق خيوط الشمس في الوصول إلى الارض، وقبل أن يطرق عز الدين رأسه بقوة قد تؤدي بحياته، فلقد كان وصل إلى زروة غضبه، لحقه راضي وهو يحيد بين رأسه وبين الوصول لجزع الشجرة وهو يقول هادرا
_ايه اللي بتعمله ده يا عز أتجنييت إياك؟
لم يرد عليه عز الدين فهو بدا أنه لم يرى شيئا أمامه، لا من الخبطات التي تلقته رأسه وإنما من ذاك الحزن القابع في قلبه بدا كالتائه الشريد.
كاد عز أن يقرع رأسه بالشجرة ثانية إلا أن راضي منعه قائلا وهو يرجه بحده
_فيك ايه اتكلم؟
تحدث عز الدين وهو في حالة يرثى لها وقال بدون وعي
_للأسف أغلب علاقاتنا مابتنتهيش بسبب الكدب ، ولكن غالباً بتنتهي بسبب الحقيقه، ماكنتش بحبها بس كنت بعشقها، لكن هي دمرت كل حاجه .
لم يتحدث راضي ولم يرد على حديثه بحديث وإنما رفع يده ليدكها في وجه عز الدين بلكمة قوية في محاولة منه لإفاقة عز الدين عما هو فيه، ففي قاموس راضي ليس هنالك مجال لرؤية الرجل يضعف بسبب أنثى ويخر بائسا هكذا، صحيح أنه يحب وجرب لوعة الحب، لكنه استطاع تدارك حزنه ولم يجعله يسيطر عليه كما فعل بعز الدين، لكن تراه هل يدرك حقا ما يمر به عز الدين من مرارة؟ أن تعرض عليك محبوبتك وأنت ترفضها، وفجأة تراها زوجة لأخيك، وأنت الذي كنت تتلهف لخطبتها بشدة!
لا أظنه راضي يفهم حالة عز الدين أو يشعر به.
لم يبد عز الدين أي ردة فعل غاضبة توقعها راضي، فهو ظن ان رجل بعصبية عز الدين سيبادله اللكمة بأخرى لكنه لم يفعل تلك المرة ولم يدخل معه قي شجار دائم كالمتعاد، لكنه فقط طأطأ رأسه وقال
_ ، اضرب اضربني كمان يا راضي.
صرخ فيه راضي وقال وهو يجره من يده كالطفل الصغير الذي اقترف خطئا ويأخذه لوالده لينال عقابه، فراضي أراد أن يبعد عز عن مرأى العمال فلا يحب أن يراه أحدهم بتلك الحالة المزرية التي هو عليها الآن، لذا أخذه عند بحيرة لا يأتيها أحدهم في ذلك الوقت
وبعدها حرر يده وهو يقول صارخا به
_مالك فيك ايه، هو ده عز الدين اللي أعرفه؟
_نار جوه قلبي ،لو تقدر تطفيها ساعدني أرجوك.
تلك المرة لم يضربه راضي ولم يصرخ عليه إنما أخذه بين يده، فارتمى عز الدين بين يديه كالتائه الضال عن طريقه، وما لبث أن وجد من يعطف عليه بكسرة خبز.

مش لقيه تعليق مناسب اكتبه في الحاله دي
ردحذفاي ده الوجع صعب ياريت تشرحي الموقف علي طول
ردحذفجميله جميله جدا جدا جدا ياقلبي
ردحذفبارت جميل وصعب 😣😣😣
ردحذفصعب اوووى
ردحذفروووعة بجد أبدعت
ردحذفجميلة جدا جدا
ردحذفبجد حلقة صعبة جدآ
ردحذف