رحيق العسل المالح الجزء الثاني بارت ٩

 

حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي 
البارت التاسع

الجزء الثاني 

بارت ٩ 

قدم حمزة وحده هذه المرة لإصطحاب نادين إلى بيته، كان الجميع حاضرا في ذلك الوقت أهل نادين جميعهم" إعتماد وابنتها بسمة ونسرين وزوجها وابناءها" وسمر أيضا

كانت نادين تبدو جامدة للغاية كالموتى، صامتة، شاحبة الوجه وكأنما سُحِبت الدماء من وجهها تماما، باردة أطرافها، تظلها غمامة سوداء من حزن مقيم، وتشيعها نسمات ليل ديجور مظلم، فهي تشعر أنها ستدلف إلى سجن رغم كونه ظاهريا غير ذلك، فهي قد قررت في نفسها ألا تخرج من غرفتها التي سيخصصها لها حمزة هناك، لكن ولأن الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروما منها عاش طوال عمره في ظلمة حالكة، كحال نادين التي هي مدركة تماما أن حياتها هناك ستكون كذلك، قد تصل بها إلى ظلمة القبر لا محالة.

أمسك حمزة بيدها يسندها بيده، فاستشعر برودة يدها، وأحس أنه يمسك بقطعة ثلج بليلة، لكنه لم يظهر أي ردة فعل لأنه يدرك جيدا أنها تزوجته بقلة حيلة منها إن لم يكن رغما عنها.

على الجانب الآخر أمسكت بيدها أمها، أما والدها ونبيل فكانوا يحملون حقائبها، إحداهن فيها ملابسها والأخرى تحوي الأدوية الخاصة بها.

سارت معهم على تؤدة وكأنما تساق إلى الموت رويدا فأي حياة سعيدة تعيشها بتلك الطريقة، وهي بعيدة عن عز الدين الإنسان الوحيد الذي تحرك له قلبها.

أما تلك البرغوثتان الكبيران اللتان تتطفلان على جسد نادين وتمتصان دمائها رغما عنها بكلامهم عنها ونظراتهم التي تنهش من صحتها ونفسيتها، كانتا مغتاظتين جدا، فهن أردن أن يعرفن طبيعة العيش الذي ستعيشه نادين هناك في كنف زوجها، هما تعرفان أنه ثري إذا بيته سيكون شبيها بجنة الله في أرضه، لكن فاتن ضيعت عليهما تلك الفرصة، وبددت كل أمالهما.

وأما عن بسمة فقد كانت ورغم الحالة التي عليها نادين فهي كانت ترمقها بنظرات تشع غيرة والحسد منها، أوليت الناس يدركون أنه ليس هنالك سعادة كاملة، قد ترزق المال والزوج الثري، ولكن لابد وأن يؤخذ منك شيئا مقابلها فنادين قد حرمت صحة البدن في مقابل ذلك ألا يكفي، لكن الحاسد لا يرى سوى ما ينقصه فقط، متغاضيا عن أي شىء آخر.


أما سمر فكانت وكأنها تغادر حزءا منها بعيدا عنها، لذا سقطت دموعها تنساب على وجنتها كزخات مطر لا تتوقف

__

ركب الجميع في سيارة حمزة، وسارت بهم بينما بزغت شمس الأصيل، فكشفت اللثام عن سماء صافية خالية من السحب الملبدة، فجميعها قد شدت الرحال؛ لتنطلق نحو قلب نادين تصحب ذاك الحزن القابع في قلبها، فهي تسير معهم بلا أدنى إرادة، اتبعهم طوال الطريق رياح خفيفة كانت تلمس خدي نادين وكأنهما يدين حانيتين تربت على وجنتاها، علها تربط على قلبها المأخوذ بقهر.


__

أما هناك وعندما اتصل حمزة بأبيه وأخبره أنه أصبح على مشارف البلدة، استعد الحج عيسى ووقف في إستقبالهم هو وزوجته.

أما نوارة بالرغم من تشديدات حمزة عليها بألا تغادر غرفتها إلا عندما يصعد إليها هو، لكنها لم تستطع أن تقف مكتوفة الأيدي هكذا فخرجت لترى تلك التي هي تبغضها بشدة رغم مرضها القاسي ذاك.


وصلوا إلى بهو الدار فأحسن عيسى إستقبالهم، وسعد أحمد وفاتن بذلك الإستقبال كثيرا فهم عرفوا أنه ترحيب يخرج من القلب وليس مجاملة أو مصطنعا لذا اطمئنوا على ابنتهم في كنفه لكن ما كان يعكر صفو فاتن، هي تلك الزوجة الأولى لحمزة"نوارة" ؛ فهي بالتأكيد لن تعامل نادين بشكل لطيف فهي بالطبع معزورة ففي نظرها نادين قد سلبت زوجها منها، لذا أخذت بهية لتحادثها جانبا وهي تقول بتخوف

_مش هوصيكي على نادين يا ست بهية، انت عارفه نادين مريضة ومجاتش هنا تاخد حمزة من مراته.


فهمت بهية أن فاتن تريدها أن تحمي ابنتها من بطش نوارة إن وجد، لكنها طمأنتها كما تظن أن نوارة لن تفعل بنادين شرا، فهي تعهدها امرأة جيدة طيبة القلب، لكنها لا تعلم أنه اذا ما وصل الأمر لحد الغيرة وخاصة بحبيبها فتتحول لوحش كاسر، يجرح كل من يحاول التعرض له، حتى لو استدعى الأمر لتهشيمه بين يديها فلن تتوانى أبدا.

__

ما إن دلفت نادين لداخل الدار حتى شعرت بإنقباضة قلب شديدة لا تدري مصدرها، وبدأت تتنفس بقوة شديدة وكأنها في سباق مع الزمن، ففتحت فمها بتعب وأنفاس متلاحقة محاولة أن تتحدث فخرج صوتها خافتا غير مفهوما

_عايزه ...أرتاح.

ما إن قالتها حتى كادت أن تسقط أرضا لولا أن الجميع معها فلحقوها في الوقت المناسب تماماً.

لتهتف فاتن بخوف على ابنتها

_شكلها تعبت من السفر ولازم ترتاح.

ليهتف الحج عيسى مشيراً للأعلى

_الغرفة الخاصة بها بالأعلى.


ليهم نبيل بحمل أخته لتستريح في غرفتها، لكن حمزة استوقفه قائلا بجدية

_خليك انت،أنا هشيلها لحد اوضتها.


ما إن تراه نوارة التي في الأعلى تشاهدهم في خلسة خوفا من أن يراها حمزة الذي أكد عليها ألا تخرج من غرفتها، حتى اشتعلت الغيرة تدب في أوصالها وقالت باشتعال

_اهي بدأت الحية تبخ سمها، وتحيك أول خيوط لؤمها على جوزي، لكن لا وألف لا يا نادين مش هاسمحلكِ أبدا بكده ، فحمزة ليه لوحدي.

قالتها وأعينها تشتعل غضبا وجحيما سينصب على نادين قليلة الحيلة التي لا تدري لم الجميع متفقون ضدها وهي المسكينة التي لا حيلة لها من أمرها.

قالتها والتفت لتغادر المكان منطلقة نحو غرفتها قبل أن يصعد زوجها بنادين ويراها.

__

صعد حمزة بنادين إلى غرفتها وصعدت خلفها أمها وبهية، بينما جلس أحمد ونبيل في المضيفة يتحدثان بشأن نادين وكيفية التعامل معها ومع علاجها، كان عيسى يستقبل التعليمات بصدر رحب وكأنها ابنته التي سيرعاها.


على الدرج أشارت بهية لأم الخير، ففهمت على الفور وأطلقت هي زغرودة عالية بدلا من بهية فهي لم تشأ أن تفعلها حتى لا تحزن منها نوارة فوق حزنها وتظن أن كل من بالدار ضدها أو تكاثروا عليها.


في الغرفة وضع حمزة "نادين" على الفراش فتمسكت نادين بأمها بوهن، تخشى أن تتركها وترحل، ففهمت فاتن أن نادين تريدها معها، فأومأت لها بأعينها وقبلت ناصيتها وقالت 

_هافضل معاكي هنا كام يوم، ده بعد إذن جوزك طبعا.


ابتسم حمزة بترحاب شديد وقال

_اكيد يا خاله الدار داركم في كل الأوقات.

قالها ثم انحنى بجسده تجاه نادين الممدة على فراشها وتجرأ وقبل ناصيتها وهو يقول بابتسامة حانية فهي بالفعل زوجته 

_نورتي بيتك الجديد نادين، الكل هنا فرحان بوجودك.


استسلمت نادين لتعبها وغفت بعد أن أعطتها أمها دواءها، فدثرتها بهية جيدا في الفراش وطبعت قبلة على وجنتها فهي بالفعل رق قلبها لتلك الفتاة كثيرا وشعرت بالحزن على زبول أوراقها بسبب ذاك المرض اللعين.


__

أتى للدار كما أخبرها، فأظلم المكان بوجوده، وكأنما عندما يحل، يحل الخريف معه، فتتكاثر الغيوم في السماء، وتكثر الريح الشديدة المحملة بالبغض والكره والشحناء.


كان خالد قد شفي قليلا من الكسور التي به وبدأ يتحرك في أنحاء الدار بحركات محسوبة ليعتمد فيها على نفسه لقضاء حاجته بنفسه دون الإستعانة بأحد.


كان يجلس مقابلته يرمقه بنظرات كلها غضب وكره ويتمنى لو يطرده من داره ولأنه يعرف الأصول جيدا لم يفعلها، لذا بقي صامتا يكرم ضيفه الذي في بيته، لينهض هو بانفعال من مكانه عندما يسمع جلال يقول

_اني جيت النهارده عشان اخطب زهرة بنت عمي، وجبت الذهب اللي هشبكها بيه وكمان كل طلباتكم مجابه وهاجبلها حاجات ماكنتوش تحلمو بيها في يوم

لينتصب خالد في وقفته متناسيا كسور جسده ويقول بحدة وكأنه رجل كبير بالغ، مسؤل عن أخته وولي أمرها

_بتجول ايه انت ، احنا مش هنجبل بالحديت ده أبدا، ارجع من موطرح ماجيت، معندناش بنات للجواز.


طالعه جلال بشرر يود لو استطاع اقتلاع عنقه الصغير الذي يدسه في حديث الكبار لذا قال كي يحرجه 

_ده حديت ناس كبار، ملكش صالح بيه انت روح انت إلعب مع اللي في سنك يالا.


لتغتاظ أم خالد من سخرية جلال منه وتقول بوجه جامد لتقف بجوار رجلها الصغير

_ولدي خالد هو راجل البيت برغم صغر سنه لكنه عجله كبير وبيفهم كل اللي بيدور حواليه كويس، وانا عاطياه اذن التصرف في شأن أخته.


ليشعر جلال وكأنه قاب قوسين أو أدنى من فشل خطته، فهو متأكد أن خالد لن يوافق به مهما كان السبب، ظن أنه سيستطيع زغللة أعين أم خالد بالمال لكنها على مايبدو أن المال هو أخر شىء تفكر به هي، قال في نفسه يالا تلك العائلة الغريبة فهل هنالك أحد لا يحب المال ولا يسعى ورائه بشتى الطرق والوسائل؟

لذا قرر أن يستخدم أسلوبه المعتاد عليه في إجبار الناس على فعل ما يريده هو، أسلوب الابتزاز هو أسلوبه المتبع دائما مع الآخرين، فلا أحد يحبه لذا لا يستجيبون له؛ فيسخدم هو هذا الأسلوب المجدي من وجهه نظره، فنظر نظرة ذات مغزى لزهرة التي كانت تجلس بائسة دون أن تنطق ببنت شفة، وبعدها قال

_بس زهرة موافجه على طلبي، وجالتلي على رأيها مش إكده يا زهرة 


قالها وأشار لها خلسة نحو عنقه، فازدرد تريقها برعب مما قد يفعله بأخيها، لذا قررت أن توأد نفسها في سبيل حماية أخيها وأمها، وهزت رأسها بخفوت دون أن تنطق.


لتتسع ابتسامة جلال ويقول 

_ها وصلكم ردها، هي بس مكسوفه .


ليقول خالد بوجه غاضب وصوت هادر وجهه كله لأخته زهرة التي كادت أن تبكي قهرا مما فعلته بنفسها، فكيف تضع نفسها بين براثن ذلك البغيض الذي لا يطاق

_ايه، أنتِ موافجه عليه بجد؟ أنا مش مصدج موافجه على ده؟ 

نهض جلال من مكانه وقال بشراسة ذئب مفترس

_الزم إحدودك يا خالد، هأتغاضى عن فعلتك دي بمزاجي ، أنا دلوقتي هبجي جوز اختك احترمني احسنلك .


قالها ثم أخرج العلبة التي تحوي الذهب ووضعها على الطاولة أمامهم، وقال بوجه مستاء

_ده دهبك يا زهرة، كان نفسي البسهالك لكن اخوكي عكر مزاجي، اني ماشي.


قالها وانطلق مغادرا المكان بحنق فهو لولا خطته، الذي لم يطلعها لأحد قط ما سكت لخالد وإهانته لحظة واحدة لكنه لم يشأ أن يفسد الأمر.


لينهض خالد من مكانه ويمسك زهرة من ذراعها بحدة وهو يقول

_ازاي عملتي بنفسك كده؟ هترمي نفسك في النار بإرادك ؟


لم ترد عليه زهرة فيكفيها ما بها من ألم.


ليهتف خالد بحنق

_اداكي ايه مجابل موافجتك دي؛ اشتراكي بالدهب بعتي نفسك بسبب الفلوس يا زهرة؟


وجدتها زهرة مبرر جيد لذا قالت

_اإيوه احنا بحاجه ومش هنفضل في الفقر ده على طول ايه مش عايز نعيش حياتنا زي باجي الخلج ولو لمرة واحدة.

صرخ بها خالد وهو يقول بعدم استيعاب حديث أخته ولا يتخيل أن هذا الحديث يخرج منها هي

_ ايه اللي بتجوليه ده ، الفقر أرحم من جنة جلال واللي هي هتكون نار تلفح جسدك بكل تأكيد، فين عجلك لما وافجتي ؟، أنا مش مصدج.


نظرت له زهرة ببؤس وغادرت نحو غرفتها وأغلقتها خلفها وبدأت تنتحب وحدها دون أن يدري عنها أحد من أهل البيت شىء.


أما خالد فظل بالخارج يستشيط غضبا وكأنما يجلس فوق موقد يحرق بدنه...



بقيت نادين في غرفتها في بيت الحج عيسى تراعاها أمها وبهية أيضا، فلقد مكثت معها عائلتها لعدة أيام، لحتى تألف نادين المكان وتعتاده ولا تشعر فيه بالوحشة من دونهم، كان حمزة لا يبرحها أبدا هو الآخر، قبل أن يغادر لعمله يطل عليها، وبعد أن يعود يتوجه لغرفتها ليسألها كيف حالها، وأثناء تواجده بالدار لابد وأن يذهب لرؤيتها هل تحتاج شيئا أم لا، رأته نادين رجلا حنونا رقيق القلب، فشعرت وكأنما هو أخيها وليس زوجها، كانت ورغم صفاته الجميلة وحسن معاملته لها، إلا أنها تراه كأخ حاني، وليس زوجا أبدا، ربما لو كان غير متزوجا، أو لو كانت هي لم تذق طعما للحب قبله، لكن ويالا حسرة قلبها، فإن طعم الحب مازال في فمها تشعر بمذاقه حتى بعد أن تزوجت بحمزة، كان في السابق طعمه حلو كالعسل التي باتت تدمنه في الأونة الأخيرة، لكن بعد أن أبعدت عز الدين عن طريقها عمدا أصبح مرا علقما.


__

ظلت نوارة في غرفتها لا تخرج منها كما طلب منها حمزة، ألا تظهر وأهل نادين موجودون بالدار؛ حتى لا تشعر بالضيق أو قد تسمع أو تُسمعهم حديثا غير مرغوب فيه، فيدب الحزن في قلبها، حمزة كان حريصا عليها وعلى سعادتها وكل شىء قد يؤثر في نفسيتها المتهالكة في تلك الفترة، كان يوميا يحضر لها الهديا والأشياء التي تحبها لحتى يعوضها عن الحزن الذي أدخله في قلبها رغما عنه، لكنها ورغم أنها ترى زوجها ما زال هو لم يتغير أبدا عن زي قبل ، ولم ينقصها حقها يوما، إلا أنها لا تستطيع دفع ذاك الغضب المؤجج في قلبها بسبب زواجه من نادين وإحضارها لتعيش معها في الدار الكبيرة، كانت تحاول إقتناص الفرصة للإنقضاض على نادين في مخدعها لكن الفرصة لم تواتيها بعد، فوالدة نادين لا تبرحها أبدا، تجلس معها كظلها الذي لا يختفي حتى ولو غربت الشمس، لكن هذا اليوم قد اتتها الفرصة أخيرا وعلى طبق من ذهب.


فلقد قرر أحمد العودة بأسرته إلى القاهرة من أجل أن يتابع عمله الذي أخذ هو أجازة منه ولابد له من العودة سريعا، فهو اطمأن على ابنته مع زوجها وعائلتها الجديدة أو هكذا ظن، سيغادرون على وعد بالمجىء لها أسبوعيا في سيارة سيرسلها له الحج عيسى لتحضرهم إلى هنا لرؤية ابنتهم، حزنت نادين كثيرا لفراقهم ولأنها عاهدت نفسها من ألا تبكي ولأن تكون قوية، صمدت كجزع نخلة حزين معطوب دب الإهتراء في أجزاءه، وظل ليلها كنهارها في غرفتها لا تبرحها، وسمر صديقتها لا تبرحها أبدا، تحادثها يوميا وبصفة مستمرة، سواء مكالمات صوتية أو مكالمات فيديو، تعرف أخبارها وتشد بأزرها كما تفعل دائما.

__

نزل حمزة مع أمه وأبيه لتوديع عائلة الحج أحمد بالخارج أمام الدار، فاستغلت نوارة الفرصة وتسحبت على أطراف أصابعها حتى لا يشعر بها أحد ودلفت غرفة نادين حتى بدون استئذان.


أما بالأسفل أمسكت فاتن بأيد حمزة وقالت باكية وهي بالكاد تصلب طولها، فظهرها انحني لما تعانيه أبنتها فليس هنالك كالأم، هي من تشعر بالوجع مرتين، تشاطر أبناءها وجعها وتشعر به بين جنباتها وكأنها هي من تعاني المرض وليسوا هم، فحين تتكلم عن عمق الحب فانظر إلى مكانة الأبناء في قلب أمهم

_حمزة،مش هاوصيك على زهرتي اللي بقت تحت رعايتك، أنا متأكدة من أنك هتحفظ الأمانة على أكمل وجه.

ضيق حمزة عينيه بابتسامة هادئة ليعرب لها فيها عن وعده بمحافظته على الأمانة التي في يده جيدا.


أما أحمد فاغروقت أعينه بالدمعات وهو يوصي حمزة على قرة عينه ومدللته الصغيرة التي جار عليها الزمن بنوائبه فأخذ من صحتها وعافتيها، فأصبحت ضعيفة هشة لا تقوى على شىء، بعد أن كانت طموحاتها وآملالها ومرحها يصل لعنان السماء وقال

_كانت بنتي بتلونلي ألوان السعادة، وما زالت، كنت لما يضيق بيه الحال ابص في وشها فتشرق شمسي ويطل قمري في سماء قلبي، ولأني عارف أن دي سنة الحياة ما كنتش هاسيبها أبدا، خليك خليفة بعدي لها واتق الله فيها.


عند تلك اللحظة لم يستطع حمزة التحمل أكثر فتلك الأسرة المنكوبة على أمرها أحزنت قلبه بالفعل على ابنتهم، لذا رق قلبه لهم وقال متأثرا

_هي في عينيه ماتجلجوش.


ليأتي الحج عيسى ويشدد من عناق صاحبه وهو يقول

_ماتجلجش هتكون بخير مش واثج فينا لا ايه.

سقطت دمعت أحمد وهو ينظر لشرفة ابنته الذي هو متأكد من أنها حزينة جدا لمغادرتهم 

_لولا أني واثق فيكم مكنتش سيبتها ومشيت .

___

دلفت إليها بكل ما تحمله في قلبها من غيظ لتصبه فوق رأس نادين صبا.


استغربت نادين من تلك المرأة التي دلفت إليها هكذا دون أن تطرق الباب، لكنها استطاعت أن تعرف من تكشيرة وجهها وذاك الغضب القابع على قسمات وجهها من هي، لذا اعتدلت نادين في جلستها واستعدت لعاصفة مليئة بالزعابيب المحرقة، لكنها تنهدت بضجر، فهي ليست حمل ذاك الآن، فيكفي ما تعانيه.

اقتربت منها نوارة وقالت بكل غضب

_انا مش فاهمه المفروض اللي في حالتك دي يحاول يبجي جريب من ربنا عشان يشفيك مش انك تفكري في الجواز وتخطفي جوزي مني.


اتستعت أعين نادين فهي لم تفكر في هذا أبدا


لتردف نوارة قائلة

_جايه عشان تقهريني على جوزي وتنغصي حياتي مش إكده؟ لكن لا مش هاسمحلك بده ابدا .


ازدردت نادين ريقها وبدأت دموعها تنساب حزنا على ما تشعر به نوارة فهي لم ترد هذا أبدا، ظنت نوارة أن نادين تبكي خوفا من أن تفرق هي بينها وبين حمزة، لذا اقتربت منها وأمسكت نادين من ذراعها بحدة لم تستطع نادين تحملها ولأن جسدها ضعيف ليس حمل تلك الضغطة عليه، خرجت آه ألم من فم نادين، بينما تصيح بها نوارة

_حمزة ليه لوحدي ومحدش هيشاركني فيه انت فاهمه، هأدهسك تحت رجلي إن حاولتي تجربي منه اني مش ناسيه اللي عملتيه اول مارجلك خطت الدار وخلتيه يشيلك ".


تحدثت نادين بوجع لا من ضغط نوارة على ذراعها، وإنما لقهر نوارة على زوجها وذاك الحب الذي يقطر من عينها، هي تعرف معناه جيدا، لذا تشعر بمعاناتها ومقدرة لحالة الهياج التي أصابتها وتلك الحدة التي تعاملها بها، لذا لا تلومها أبدا، لكنها لم ترد أن تكن لها نوارة العداوة أبدا

_انا. مجتش هنا.. اخد جوزك منك ولا إن اقاسمك فيه ظروفي هي اللي خلتني اتواجد هنا.. سامحيني.


ابتعدت عنها نوارة قليلا بعد أن تركت يدها وقالت وهي على نفس حدتها معها

_دموعك مش هتأثر في، اسمعي إن كنتِ رايده اني اسيبك في حالك اسمعي اللي هاجولهولك .

تنهدت نادين ونظرت لها بوهن

_سمعاكي.


_حمزة، ماتخلهوش يجرب منك بأي شكل من الأشكال، أقسم لك أني هأقتلك إن سمحتيله بده.

قالتها نوارة وهي تكز على أسنانها بغضب شديد حتى استمعت نادين لإصتكاك أسنانها ببعضها


هتفت نادين بوجع يملأ صدرها حتى شعرت أنها ستنفجر، فهي لا تريد أن تكون زوجة لغير عز الدين 

_حتى لو كنت بكامل صحتي، ما كنتش هافكر في كده أبدا.

طالعتها نوارة بتشكيك من قولها 

_مش مصدجاكي لكن اللي مطمني انك بحالتك دي ماتصلحيش لأي حاجه اتمنى تفضلي كده دايما.


قالتها نوارة وانطلقت مغادرة غرفة نادين قبل أن يعود زوجها ويراها عندها، لم تظن نوارة بأنها ستكون يوما بتلك القسوة، لكنها تظن أن نادين هي من فعلت بنفسها ذاك بل وتستحق.

أما نادين ألقت بجسدها على الفراش تبكي بقهر، لا تدري كيف تسكن ألمها بسبب تلك الحوادث التي تتعرض لها أولا مرضها وبعدها بعدها عن حبيبها ثم زواجها بآخر غيره ومن ثم بعدها عن أهلها ثم نوارة وعدائها واتهامها لها بأن أتت لتأخذ زوجها منها، يالا حيرة قلبها الذي لم يعد يعرف طعما للراحة.


صعد حمزة لأعلى فوجد نوارة تفتح باب غرفتها وتخرج منه لتقابله وتلقي بجسدها بين ذراعيه، ضمها إليه بحنان ومن ثم أبعدها عنه وهو يقول 

_هاروح اطمن على نادين الأول واجيلك .


فتحت فمها وهي ترفع حاجبها لأعلى لاستنكار ما تسمعه من زوجها، أيقول أنه يتركها ليذهب بحجة الاطمئنان على نادين؟

عرف ما تستهجن منه فابتسم مداعبا شعرها وقال

_شايف الغيرة هتنهش في جلبك صاحبة العجل الكبير بجت جدامي كنها عيله صغيره؟

مازادتها كلماته تلك إلا إشتعالا وانفعال ألا يريدها أن تغار، الغيرة هي حياة الحب، إن لم تغار فهي بالطبع لا تحبه، فالغيرة للحب كالماء للوردة، طالعته بحب رغم غضبها وكأنه أعينها تقول 

إني أغار من النسيم إذا سرى، بأريج وجههك خشية من ناشق.

أخذ حمزة نفسا عميقا وقال محتفظا بابتسامته الهادئة فهو قد درب نفسه جيدا على التحكم في إنفعالاته لحتى يستطيع قيادة الموقف بنجاح

الغيرة، عدسة تكبر الأشياء الصغيرة، فلا تدعينها تتحكم بك أو تقودك، فما أحسن من الغيرة في وقتها وما أقبح الغيرة في كل وقت.

لم يروقها كلماته فهي تراه غير مهتما بها ولا بقلبها الذي كاد أن يتحول للقحط الشديد من شدة قسوة ما يعانيه، رغم أنه يشعرها دائما بالحب ولا يبخل عليها بكلماته التي يغدقها به، إلا أنها لن تشعر بالراحة بوجود نادين أبدا، تلعن نفسها كل لحظة عندما قبلت في بادىء الأمر، لم تدرك أن الغيرة ستحولها لوحش مفترس هكذا.

لكن حمزة أراد أن يكون حازما قليلا مع نوارة، لذا تركها تقف تتآكل من الغيرة، وذهب إلى حيث غرفة نادين.


 طرق الباب بخفة ثم انتظر قليلا وبعدها دلف ليجد نادين منخطرة في البكاء، فظن أنها تبكي لفراق والديها، فذهب وجلس جوارها ومد يده نحو يدها وربت عليها بحنان

_ متزعليش نفسك ، أنا معاكي مش هسيبك.


انتفضت هي إثر لمسته تلك ونظرت للباب بزعر خوفا من أن تراها نوارة فينكسر قلبها بذلك، وهذا الذي لا تتحمله أبدا، فهي لن تقبل لأن تكون سببا لوجع إحداهن فلقد زاقت من الوجع أنواعا عدة وكل وجع أشد مرارة من الآخر.

ليصدق حسدها فلقد سمعا طرقا على الباب فينظر حمزة تجاه الباب ليرى من الطارق ظنا منه أنها أمه، لكنه وجدها نوارة تقف عند الباب وتنظر بلهفة بعينها عن مكان زوجها مع نادين، لتجده يجلس بالقرب منها، فابتلعت نادين ريقها بخوف، لكن نوارة لم تبدي أي ردة فعل واكتفت برسم تعبيرات جامدة على محياها وقال بنبرة جافة

_جيت اشوف نادين يا حمزة.


ابتسم حمزة وعرف في نفسه أن زوجته ما جاءت لهذا السبب أبدا فهي لا تريد أن ترى نادين من الأساس، وإنما جاءت لتعرف ماذا يفعله هو مع نادين، وكيف هي تعامل نادين معه، لكنه قال

_تعالي يا نوارة، دي نادين بنت عمك، خليكم أصدقاء .


اقتربت منهم نوارة ووقفت أمام زوجها وتضع يدها على كتفه وكأنها تثبت ملكيته لها وحدها وقالت مدعية أنها لم تر نادين من قبل بينما تحرك جسدها بعصبية شديدة

_أهلا بيكي.


نهض حمزة وأحاط عنق زوجته نوارة بذراعه وقال باسما

_نادين حزينة بسبب رجوع أهلها القاهرة، ومتعرفش أنها هنا في بيتها الثاني مش إكده يا نوارة؟

قالت نوارة شاردة

_ها، اه طبعا طبعا .


بعدها سحبت نوارة يد زوجها لينهض واقفا لتقول هي 

_حمزة تعالى معايا رايداك في حاجه مهمه.

أومأ لها حمزة بأعينه وسار معها بعد أن قال لنادين 

_هعدي عليكي في وقت تاني ، رايده حاجه جبل ماامشي؟


أومأت له نادين برأسها بالنفي، لتدلف أم الخير في تلك اللحظة بعد أن طرقت الباب وتقول بإبتسامة واسعة وهي تمسك في يدها طبقا ما

_طبقك المفضل يا بنتي، أمك جالتلي أنك متعوده تاكليه باليل .


نظر حمزة لما في يد أم الخير باهتمام فهو يريد أن يعرف كل ما يخص نادين فهو يعد نفسه المسؤل الأول والأخير عنها

_طبق ايه ده يا أم الخير؟ 

_طبق العسل.


ابتسم حمزة بتعجب فهو اكتشف أن نادين تحب العسل كعز أخيه


لتهتف أم الخير

_سبحان الله طلعت بتحبه زي ما بيحبه عز.

6 تعليقات

  1. يامرك يانادين
    ياغلك يانواره
    حمزه راجل بجد وافق أبوه رغم أنه عارف أنه بيحارب الحبيب قبل العدو وأنه في مهب الريح

    ردحذف
  2. روووووعة 🌹🌹🌹

    ردحذف
  3. روعه شكلنا داخلين على أيام عنب

    ردحذف
  4. روووعة بجد

    ردحذف
  5. جميلة جدا جدا احسنت

    ردحذف
أحدث أقدم