رحيق العسل المالح الجزء الثاني بارت ٤

 حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي
رواية عسل مالح




البارت الرابع
الجزء الثاني

فغرت فاهها على وسعه عندما استمعت لما قالته لها نادين، ما قالته لم تستطع استساغته أبدا، ولا حتى أن تعقله، كيف لها أن تخبرها أنها وافقت على حديث أمها وإصرارها عليها بأن تتزوج  من ابن الحج عيسى، وماذا عن عز الدين وعن حبها له؟ وتأكدها من أنه أيضا يحبها، بل وطلبه لها كثيرا بالزواج وأصر على ذلك ومازال مصرا، كيف تتخلى عن عز الدين بتلك السهولة؟
لذا كانت تشعر بالغيظ الشديد فقالت وهي في حالة انفعال، عندما جاءتها إلى بيتها لتقضي معها بعض الوقت ففتحت لها نادين هذا الموضوع لأنها بالطبع لا تخفي عن صديقتها وكاتمة أسرارها شيئا 
_نادين إنتي بتقولي إيه، وافقتي إزاي يعني؟ 
رغم الوجع الذي كان يثقل كاهن نادين؛ بسبب تخليها عن من أحبت"عز الدين"  إلا أنها أجابت بكل برود
_وافقت عادي، زي ما أي بنت بتوافق على عريس يا سمر، إنتي مستغربة ليه؟
كزت سمر على أسنانها فهي لم تستطع أن تكتم ضيقها مما فعلته نادين فبحكمها صديقتها المقربة توجب عليها نصحها وإثناءها عن الطريق الذي تود الدلوف فيه، فتتيه بقلبها وتضيع وسط دواماته المهلكة، فيتعلق حبها بالرماد
_وبتسألي مستغربة ليه! وعز يا نادين وعز اللي مستنيكي!
ضمت نادين شفتيها بأسى؛ فهي كانت تصارع الحب داخلها، والحب يصرعها، لكنها أبت إلا أن يتحكم عقلها على قلبها فلا يغلبها هواها في ذاك الأمر تحديداً لذا قالت بجمود
_موضوع عز الدين وحبي ليه، كان صفحة وانتهت، وبالتالي فمكانش عندي حل إلا إني أوافق ماما على اللي بتقوله، ما هو أي عريس وخلاص، لأن طبعا قلبي اتقفل وعز جواه ومش هيتفتح لحد غيره، فمش فارقة بقا أي حاجة تانية، وطالما أهلى مصرين عليا بالجواز فمش هتفرق أي حد والسلام.

اختلج صدر سمر بالهم وقالت بنبرة بائسة، فصديقتها قد وأدت حبها في صحراء خالية من الحب وليس فيها إلا ذرات آلام متبعثرة في كل مكان
_كان عندك حل يا نادين ، ليه مكلمتيش عز وطلبتي منه إنه يتقدملك! وما دام أهلك عايزينك تتجوزي، فعز أولى بيكي وبقلبك يا نادين.

امتد بصر نادين للفراغ وناجت نفسها دون أن يخرج صوتها فهي تشعر أن العالم أصبح قفرا مظلما، وأن حياتها استحالت إلى شىء غريب لا تعرفه ولا تفهم فيه شيئا، تسير إلى حيث يسيرون دون تنبه أو فهم، فقط تفعل مثلما يريدون وكأنها تسير معهم بلا روح، متعبة تناشد روحها المفقودة منها، لا تحاول حتى البحث عنها هنا أو هناك، كيف تطلب منها أن تخبر عز الدين بمصابها؟ ألا تدري أن المحب يتألم آلاف المرات لحبيبه؟ ألا تعلم أنها إن فعلت لن يرتاح قلبها بل سيتعذب مئات المرات، لرؤيتها لعز مغتم بمصابها، هزيل القلب عليل البدن من أجلها؟ هل ستكون هي سعيدة بجمعها بحبيبها وهي تراه يتعذب لتعبها؟ كلا هي ستتعب فوق تعبها تعبا، ولن تحيا سوى الشقاء لها وله، أما إن تزوجت بغيره فلن تحمل سوى الشقاء لقلبها هي، وهو الأمر الذي إختارته فهو أقل الأمرين سوءا، شقاء قلبها لا شقاء قلب حبيبها، وغفلت هي عن أن حبيبها ما أن يعلم بأمر زواجها لغيره ،فسيشيب قبل أوانه، ويذبل قلبه في ربيعه وقبل موعده.
استاءت سمر لصمت نادين المطرد وأعادت قولها مرة أخرى
_نادين اتكلمي، مش عز أولى؟ 
لم تجد نادين مفر من إجابتها ثانية رغم أنها أوضحت لها هذا الأمر قبلا، لذا زفرت بانزعاج قائلة
_سمر أنا قلتلك مقدرش أتحمل أني أشوف عز زعلان علشاني، أنا متحملة زعلكم عليا بالعافية، إفهمي لو الأمر عليا أنا بس مكانش هيكون عندي مشكلة، لكني مش هتحمل تعبكم علشاني.

ألقت سمر على نادين نظرة بائسة مكتئبة رغم نبرة الصدق الذي يحمله صوتها 
_علشان بنحبك زعلانين عليكي يا نادين، هتلومينا علشان بنحبك؟

كانت نادين تحارب مرضها بقوة واستبسال، لكن أكثر ما كان يهز قوتها تلك واستبسالها هو رؤيتها لذاك الحزن القابع بين عيني والديها ومن أحبوها، فذاك الأمر لم يكن يزيدها سوى سوءا وبؤسا، أن ترى نظرة الحزن والعطف والشفقة ولو ممن يحبونها، شىء عسير عليها تحمله، لذا هي لن تزيده ببؤس عز الدين من أجلها، لذا قررت أن تبتعد عنه وللأبد، ولا يدري عن مرضها ومعاناتها شيئا 
_مش بلومكم أبدا، لكنه بيتعبني، تفتكري سهل عليا أشوفكم زعلانين كدا، حتى لو بتحاولوا تخبوا ده عني، أنا عارفة وحاسة بيه، علشان كدا عز استحالة يعرف باللي حصلي، وأنا دلوقتي هفتح الفيس وهطلب منه ينساني، لأ وهقوله كمان إني خلاص ارتبطت بغيره علشان يمحي صفحتي من قلبه من الأساس.

شهقة مصدومة صدرت من فم سمر صحبتها بوضعها ليدها على فمها لبرهة ثم أعادتها مرة أخرى جانبها وهي تقول بحنق
_كمان! لا أنتي بتموتي نفسك بالبطىء، مفيش كدا أبدا.

استندت نادين بيدها على خشبة الفراش، لتجلس بتؤدة عليه، بعد أن تملك التعب بقلبها قبل بدنها وقالت ولا تدري أهو استسلام أم رضا
_الدنيا مش على مزاج حد يا سمر، وانتي بنفسك أهو، بتحبي حد واتخطبتي لغيره، ليه جاية تلوميني دلوقتي؟
ألقت سمر بثقل جسدها على الفراش جوار نادين وقالت بعد أن نازع اليأس قلبها نزعا إلى أن أطاح بسعادتها، وقالت بهم
_وعلشان جربت مرارته مش عايزاكي تجربيه، أنا استسلمت لإن مكانش فيه قدامي أي فرصة للمحاولة، لكن أنتي الفرصة لسه قدامك، اوعي تضيعيها عافري يا نادين، بالله عليكي.

أغمضت نادين أعينها هنيهة وقالت بعد ان اتخذت قرارها الآخير
_لما يكون الخيارات اللي قدامنا كلها مرة فبنختار الأقل منهم مرارة، وهو موافقتي على ابن عمو الحج عيسى.

زفرة طويلة أصدرتها سمر مخرجة بهواء الزفير المحمل بالهم، الذي حلّق على قلبها فلقد نفضت يدها من الأمر تماما، فنادين من الواضح أنها لن تتراجع في قرارها، وكأن قلبها تيبس وأصبح لا يبالي، من كثرة الصدمات التي تعرضت لها دفعة واحدة

رأتها نادين على هذا الحال، فابتسمت ابتسامة تكاد تكون ملحوظة أبى وجهها أن يرسمها على قسماته، فجميع أعضاءها وخلاياها غير راضية عن قرارها، ولكن العقل هو المتحكم الأول والآخير لذا قالت بجمود
_ هوني عليكي، محدش عارف الخير فين، ولا بكرة فيه إيه! 
___

هاجت كقط شريد جائع وأخذت تجول في أرجاء المنزل بأكمله ذهابا وأيابا وهي تصيح قائلة وهي تحاول كتم غضبها 
_اااه منك يا عز، بقى تعاود القاهرة وتسبني! كنك عايز تخلص مني وربنا هأچيلك وأقرفك أهناك، وربنا لأطلع همي كله فيك يا عز.

شاهدتها تلك التي تحب مناغشتها دائما فاقتربت منها وقالت بغية إثارة غضبها الذي يسليها 
_ هرب منيكي يا حلوة، اعترفي كنتي بتعملي فيه إيه علشان ميتحملكيش سبوع واحد بس!، فيچيبك إهنه ويعاود من غيرك.

ركلت فاطمة الأرض فقدمها وقالت بغيظ
_اكتمي يا نوارة مش ناقصاكي هيا، أنا على أخري من عاملة عز خوي.

واصلت نوارة ضحكاتها على فاطمة وحالة الضيق التي اعترتها، ولا تدري أنها بعد قليل، ستعتريها نوبة هياج لا آخر لها وذاك عندما تعلم بأمر زواج زوجها.

لمحت فاطمة أخيها" حمزة" قادم من الخارج ويدلف لباب الدار الداخلي فقالت بضجر 
_حمزة يا خوي، تعالى خد مرتك من إهنة بالله عليك قبل ما اتغابى عليها.

لم يزد سماع نوارة لكلمات فاطمة إلا المزيد من الضحكات، وكأنها تنهي مخزونها من الضحكات الآن، لأن ربما قلبها لن يفرح بعدها.

هتف حمزة بوجه جامد وبملامح متيبسة كئيبة شعر بها قلبه فترجمها عقله على ملامح وجهه ونبرة صوته
_همليها يا نوارة وتعالى عايزك.

كفت نوارة عن الضحك، وتوجهت من فورها خلف زوجها الذي قال كلماته وصعد سريعا ليقصد غرفته، فعلمت أن هنالك أمر هام يشغل تفكيره ويعكر باله، فراعها أن تراه على هذا الحال، لذا قررت أن تخفف عنه قدر ما تستطيع ومثلما تفعل في كل مرة تراه مهموما، لكن ربما هذه المرة، قد تفشل في مهمتها، بل ربما قد تزيد هي عليه الأمر سوءا وعشرات الأضعاف.

تتبعته بصمت تام، وعاونته على تبديل ملابسه بأخرى نظيفه وانتظرت إلى أن اتكىء بجسده مائلا على الوسادة الموضوعة على الأريكة المبطنة لتجلس هي إلى جواره وتمد بيدها الناعمة الحانية على كتفيه لتدلكهما له بكل حب وتقول باهتمام
_إيه اللي هامك يا حبيبي، إشكي لمرتك حبيبتك.

ربما لا تستطيع أن تبعد ذاك الحزن الذي يعشعش فوق رأسك كالطيور عندما تتخذ بيتا لها فوق الأشجار، لكنك تستطيع أن تجعل شمس سرورك تستطع، فعندها ستنزاح تلك الأحزان من فورها.

إلا أن نهار حمزة أبى أن يطل وظل قلبه مقبعا في الليل الحزين وقال
_هتتحمليني يا نوارة؟
ظنت نوارة أن همه بخف ريشة تستطيع إدراكه وحمله، ولم تكن تدرك أن همه ما هو إلا مغارة ستزج هي بها دون وجود مخرج نجاة، أو حتى فُتحة تهوية
_وإن ما اتحملوش من غيري هيتحمله؟.

جعلته كلماتها أن يتشجع ويقول ما عنده دفعه واحدة، أو ربما كان يحاول التخلص من تلك الكلمات الثقيلة التي حِملها كان بمثابة صخرة تزن أطنانا كثيرا على قلبه، وقص عليها ما أخبره أبيه به، كله ولم يخفي عنها شىء.

هل تدرك ذاك الشعور عندما تكون جالسا تصتك أسنانك ببعضها من شدة البرودة في ليلة شتاء قارسة، ويأتي أحدهما ويلقي على رأسك المجردة من غطاء يحميها، دلوا من قطع الثلج المجمدة؟ 
كان هذا شعور نوارة بعدما استمعت لقول زوجها، كانت تجلس دافئة هانئة فأتى هو ليلفحها بعصيب قوله، لتتشنج بالكامل من وعورة وقوع ما قاله على قلبها.

أصبحت على النقيض تماماً من حالة الهدوء والسكينة إلى الإضطراب والفزع، من المرح والضحكات إلى الكمد والبؤس، من الأمن والسلم إلى الثورة والتوعك.

فهاجت وماجت كأمواج بحر تتلاطم في حدة وضرواة، مبتلعة معها كل ما قد يعترض طريقها أو يحاول أن يقاومها.
حاول حمزة أن يحتويها، أن يحيط بغضبها ذاك، لكنه فشل حتى في تطويقه فعلت صرخاتها أرجاء الدار إلى أن وصلت إلى مسامع أبيه وأمه في غرفتهما بالأسفل 
لتفز بهية من مرقدها بعدما تنظر لزوجها بلوم دون إضافة كلمة واحدة، بينما هو يخفض رأسه بأسى وتحلى بالصمت والذي هو أساس الحكمة في ذاك الموقف
خرجت من غرفتها بغية أن تصعد إلى غرفة ولدها، علها تحاول تهدئة الوضع قليلا، فتقابلها فاطمة التي كانت تجلس في الردهة تعبث بهاتفها على مواقع التواصل الإجتماعي، والتي قالت بوجه قلق عندما رأت أمها 
_أما هو في أيه، نوارة مالها إكده بتصرخ، أني اتفزعت!

لم تجد بهية كلمات تقولها، فنوارة معها كل الحق ولا تستطيع لومها، فعلى غرار الحب تكون الصدمة، لذا خرجت كلماتها حادة لابنتها إثر الغمة التي أصابتها
_ملكيش صالح إنتي يا فاطنة، شوفي كنتي بتعملي إيه، ومتدخليش في اللي ملكيش فيه.
رفعت فاطمة حاجبها باستغراب واضح، فما الذي يحدث في هذا الدار.

أما بهية فصعدت إلى غرفة ولدها وطرقت الباب بهدوء، وكأن نوارة كانت نتنظر أن يطرق بابها أحد تستنجد به، فأسرعت بفتح الباب سريعا لتجدها والدة زوجها، فقالت بكل أنين وهم
_تعالي يا خالة، شوفي المصيبة اللي حطت على راسي.

نظر حمزة لأمه ليستنجد بها هو الآخر، علها تستطيع إخراجه من ذلك المأزق الذي وُضِع به 

فأخذت بهية "نوارة" بين ذراعيها بحنان، بينما استغل حمزة ذلك الأمر، وانسل للخارج فهو لا يتحمل رؤية ثوران زوجته لهذا الحد.
لتهتف بهية قائلة بحنان
_يا هبلة بتعملي كل ديه ليه؟ ما هو حمزة قالك اللي فيها، داي حالة إنسانية وهتعملي خير فيها.

هتفت نوارة بغلب 
_وأنا معيزاشي الخير بالطريقة داي يا ناس، حسي بيا يا خالة، أنتي ترضيها لفاطنة بتك!

_لاه ومرضهاشي ليكي إنتي كمان يا بتي، بس هنقول إيه، الظروف حكمت بإكده.

وضعت نوارة كلتا يديها على رأسها تندب حظها، ودمعاتها تغرق وجهها البائس، وقلبها الغارق في حزنه، كيف لها أن تتحمل كمية الضغط النفسي ذاك، تشعر وكأنها ستُجن قريباً، زوجها وقرة عينها ها هو يخبرها بأنه سيتزوج بغيرها، حتى ولو كان مجبرا، حتى لو كانت تلك التي سيتزوجها مريضة كما أخبروها، هي لن تتحمل أبدا، فلتذهب كل وعودهم ومبرراتهم للجحيم، استعر قلبها أكثر وزاد نواحها لتزرف أعينها بالمزيد من الدمعات.

كانت بهية تعلم أن وقع الأمر مرير عليها، وأنها ستحتاج للكثير من الوقت لحتى ترضى بالأمر الواقع، لذا كانت صابرة ومتحملة لتصرفاتها الرعناء والتي كانت لن تقبلها أبدا في موقف مغاير لذلك الموقف.

___
وقفت متحيرة، تريد أن تعرف ما يحدث بالأعلى مع نوارة ولمَ تصرخ وتزمجر هكذا، وعندما رأته يهبط الدرج حتى اقتربت منه سريعا؛ لتسأله ما الأمر الذي يجري معهما، لكنه لم يجيبها ولم ينظر لها من الأساس بل لم ينتبه على وجودها جواره، كان يخرج من المنزل وكأنما يفر من وحشا يطارده، بل هو كذلك فعلا، ذاك الأمر الذي هو بصدده، بمثابة وحش يطارد حياته وحياة زوجته وإستقرارهما، لكن السؤال هنا، هل سيستطيع التخلص من ذاك الوحش والتغلب عليه؟ أم سيظل يخيفه ويبدد راحته وأمنه للأبد؟

استغربت ما يحدث في هذه الدار ووقفت محلها لا تفهم شيئا مما يدور حولها فما كان منها إلا أن هاتفت أخيها  عز الدين ورغم إنزعاجها منه إلا إنها لجأت له لتعلم ما الأمر فهي متأكدة أنه لن يَخفى عليه شيء من أمرهم.
__
كانت الشمس قد زلفت عن كبد السماء، فاستغل الأمر للخروج للتنزه قليلا، علّ خرير الماء ودوي الريح، ونسيم الهواء الطلق، ينفث عنه غضبه، ويريح باله المغتم، ويبعث الأمل في نفسه، لكن قطع وصلة هدوءه ذاك اتصال أخته به.
زفر بضيق فهو ليس في مزاج رائق الآن لأن يتجادل مع أخته، لأنه يدرك جيدا أنها ما إن يرد عليها حتى ستبدأ وصلة صراخها وتزمرها بسبب مغادرته وتركه إياها، لن تصمت هي إلا بعد ساعة كاملة تنهي فيها ما عندها من معاتبة وتأنيب وما تقوله ستعيده عشرات المرات، فيصاب هو بالصداع لا محالة، ولكنه لم يستطع ألا يرد عليها حتى لا يزيد غضبها أكثر وقال بعد أن رفع الهاتف إلى أذنه
_فاطمة، بالله عليكي أنا دماغي مش رايقة دلوقتي ها، لو كنتي متصلة علشان تعاتبيني أجليها لوقت تاني.

استطاعت أن تستشف أنه هو الآخر حزين وليس على ما يرام تماما كما رأت أخيها حمزة وأمها كذلك، إذا هي تأكدت أنه هنالك أمرا ما يحدث دون أن تدري هي عنه شيئا لذا لم تقل شيئاً لمعاتبة أخيها عز ،وأنما دخلت في الموضوع المهم على الفور وقالت بصوت مرتاب
_عز إيه اللي بيحصل في الدار، لا انت ولا أمك ولا أخوك حمزة بحالتكم الطبيعية، حتى نوارة قالبة الدنيا صراخ وعويل وأمي طلعت تهديها، وحمزة مشي وشكله مهموم وعلى أخره.

اتسعت عيني عز فهو خمن ما يحدث وقال لنفسه أمعقول أن يطلب والده من أخيه حمزة ذلك؟ هو متأكد من ذلك بالفعل، وإلا فلمَ تثور نوارة بهذا الشكل وحمزة يفر هاربا ولا يستطيع كبح جماحها ولا حتى إسكاتها، فهي معها كل الحق، أما هو فمغلوب على أمره، لن يرفض لوالده أمرا، لذا حزن من أجله كثيراً وأراد أن يهاتفه ليعاتبه على ما فعل، هو متأكد أنه فعلها رغما عنه، لأنه عاشق لنوارة متيم بحبها، يجري حبها في عروقه كمجرى الدم في الجسد، لذا هو متأكد من أنه يحترق الآن ألما من أجلها كشمعة تذوب بنيران الهوى، لذا ابتئس لما يحدث لأخيه وقال على عجل 
_طيب يا فاطمة اقفلي دلوك وأني هكلم حمزة أفهم منيه فيه إيه.

ردت هي بعدم اقتناع وقالت 
_كنك يعني عايز تفهمني إنك مش عارف فيه إيه؟
رد هو باقتضاب لينهي الإتصال سريعا ليتحدث إلى أخيه فالأمر في غاية الخطورة، هو زواج سيترتب عليه الكثير من المشكلات لكل الأطراف ولن يكون هنالك خاسرا في تلك المعركة سوى حمزة.
_قولتلك هفهم منيه أهو، اقفلي خليني أكلمه، سلام.
أغلق عز الخط لتنظر فاطمة لشاشة هاتفها وتقول بشرود
_وربنا أني متأكد أنك عارف حاجة يا عز ومخبي عني، بس أني هعرفها يعني هعرفها.

وما هي إلا دقائق حتى خرج أبيها أيضا من غرفته، فنهضت على الفور من مكانها، وركضت نحوه بوجه كله حماس لتعرف ما الأمر الذي شغل بالهم وجعل عقولهم مشوشة ،فها هي ترى أبيها على نفس حال أخيها حمزة تماما وقبل أن تنطق هي سألها أبيها
_حمزة أخوكي لساته فوق! 
_لاه يا بوي توه خرج. 
_طيب، ماشي أني كمان خارج ابقي قولي لأمك.
_حاضر يا بوي.

لم تشأ أن تسأل أبيها عندما رأته مغموم البال، فهي متأكدة أنه لن يجيبها هو الآخر، لذا فضلت الصمت، فالخبر سينجلي سره عاجلا أم آجلا وستعرفه بالتأكيد فهي معهم بنفس الدار 
__
كان جالسا على مقعد خشبي يسمونه ب"الدكة" في الهواء الطلق أسفل شجرة كبيرة بالقرب من أرضه، يراقب حركات أوراق الشجر، ويستمع لتغريد الطيور فوق الأغصان علها تسكن أوجاعه قليلا، فهو يشعر أن قلبه كقطار مزدحم سريع بهموم متلاحقة، وبينما هو كذلك يستند بيده اليسرى على ركبة رجله اليسرى المرتفعة عن الأرض والتي يسندها على المقعد، إذ على رنين هاتفه، انزعج من صوت الرنين في هذا الوقت فهو لا يريد التحدث لأحدهم الآن فليتركوه وشأنه فهو ليس بمزاج جيد لأي شىء، إلا أن الرنين استمر في الإرتفاع فاضطر لأن يعتدل في جلسته ليلقى نظرة على شاشة الهاتف كي يعرف من المتصل، فإذا به يجده أخيه عز فلم يتردد ثانية واحدة في الإجابة وقال بصوت هادىء 
_السلام عليكم 
أجابه عز رادا للسلام ثم دلف في الموضوع مباشرة
_وعليكم السلام، إيه اللي انت عملته ديه! 
لم يتحمل حمزة لأن يبقى هادئا فقال بانفعال فظهرت نبرة صوته الغاضب المحتد
_ عايز إيه يا عز ما هو كله منيك، مش إنت اللي هربت ودبستني أني فيها؟ چاي دلوك تعاتبني!!

رد عز الدين باحتدام وضيق هو الآخر
_أني مضربتكش على يدك علشان توافق، كان بإمكانك ترفض زيي والموضوع انتهى، لكن إنت اللي وافقت وجبت المشاكل لنفسيك.

ضحك حمزة ضحكة ساخرة
_ليه كنك كنت عايزني أهرب أني كمان ولا إيه؟ وبعدين أبوك كان خلاص اتفق مع الچماعة وأني لا يمكن ولو على رقبتي إني أحط أبوي في موقف يقل منيه حتى ولو على حساب سعادتي، وحياتي كماني.

ازدرد عز الدين ريقه بأسف ولوهلة شعر بالسوء لما فعله، لأنه رفض اقتراح أبيه وغادر المكان على الفور، فبالتالي لم يكن لحمزة أي خيارات أخرى سوى الموافقة والقبول، لكن عز لم يعرف سبب إصرار أبيه على تلك الفتاة، بل والاتفاق معهم دون علمهم ، لم يكن حتى يعلم بأمر مرضها فهو لم يترك لأبيه الفرصة لأن يكمل حديثه، لذا فتح فمه ليقول ومن ثم يسأل أخيه عن سبب أصرار أبيه بهذا الشكل
_أني آسف يا خوي حقك عليا، أني مكنتش أعرف إن أبوك إن لقاني مش موافق هيحود عليك، طب ليه هو مصر على الچوازة دي إكده؟

كاد حمزة أن يچيبه إلا إنه وجد أحدهم يستدعيه لأن والده يريده بالمندرة التي بالقرب من الدار، لذا أنهى الإتصال مع عز سريعا ليذهب ويلبي نداء أبيه، فكلمات أبيه سيف على رقبته لابد وأن ينفذها لا خوفا منه وإنما حبا وإحتراما وبرا.
__
توجه حمزة إلى حيث ينتظره أبوه، وحاول أن يبدو طبيعيا فلا يظهر على قسمات وجهه لا هم ولا غم، لكن هل يخفى على أبيه ما يخفيه في قلبه ولو احجبه خلف ستار تقاسيم وجهه الجادة، لذا فما كان منه إلا أن تنحنح بصوته الخشن الجاد ودب بعصاته عندما رآه وقال 
_تعالى اجعد جاري إهنه يا حمزة يا ولدي.
ففعل حمزة على الفور وقال راسما ابتسامة هادئة على محياه
_خير يا بوي، أني طوع يدك.
قالها وهو يقبل يد أبيه ببر تام.
سحب عيسى يده سريعا ووضعها على كتف ابنه بفرحة بولده البار الصالح وقال
_بجولهالك تاني يا حمزة يا ولدي علشان مكونش شايل وزرك، لو أنت مجبر او رافض الجوازة داي قولي.

رد حمزة سريعاً
_لاه يا بوي أني اديتلك كلمة وانت خلاص اديت للچماعة كلمة، فمفيش مچال للحديت ولا التراچع.

_لاه أني اللي بطلب منيك دلوك، وملكش صالح أني هتصرف.

وقف حمزة محله فهو ليس من ينتهز الفرصة لنفسه، إنما هو العاقل الرزين، إن قال فعل، وإن وعد فلا تراجع، هو مستعد لمواجهة الصعاب، صحيح إنه سيلاقي صعوبة في مواجهتها لكنه أبدا لن يتقهقر وخاصة اذا ما تعلق الأمر بوالده، لذا قال
_لاه يا بوي اني عند رأيي وهنروح للجماعة بكرة بإذن الله.
تنهد عيسى براحة ومد ذراعه يضعها على كتف ابنه وقال بابتسامة ممتنة
_ربنا يباركلي فيك وفي حكمتك يا ولدي، انت هتعرف توازن صوح بين الصالح الذاتي والصالح العام،أني فخور بيك.
نظر حمزة لأبيه بامتنان فهو من علمه أنه الإنسان يبدأ في الحياة عندما يستطيع الحياة خارج نفسه وليس لنفسه فقط، وأنه لا علاقة للنجاح بما تكسبه في الحياة أو تنجزه لنفسك، فالنجاح هو ما تفعله للآخرين.
لذا قرر أن يكون هو شعلة تحترق من أجل بقاء وسعادة الآخرين.

ليهتف أبيه بحنان أب رغم أنه يظهر صرامته أمام ولده كثيرا إلا إنه لا يستطيع أن يخفي خوفه عليه أبدا
_طب عاود على الدار وخليك جار مرتك يا حمزة 
أومىء حمزة بهدوء فهو بالفعل اشتاق لنوارته، وقلق بشأنها، لذا قرر بالفعل أن يرجع ويحاول بقدر استطاعته إحكام السيطرة على غضب زوجته باللين والحب وطيب الكلمات.

___
ظلت بهية معها في غرفتها تخبرها بحديث لا تدري هي نفسها صحته لكنها أرادت تهدئة الوضع فأخبرتها أن تلك الفتاة المخول لحمزة الزواج منها مريضة، وربما لا تصلح أبدا لأن تكون زوجة كاملة ولا بحقوق مماثلة لحقوقها، وإنما هي فقط تريد العيش في سلام تحت ظل رجل، يطمأن أهلها لحالها وأنها لن تصاب بالعنوسة بسبب مرضها، ستكون فقط زوجته بالإسم فقط وليس فعلياً، فحمزة لن يعترف بإحداهن زوجة له سواها
_ ها فهمتي بقا أنك عاملة شوشرة على الفاضي يا نوارة! لمي الدور ولمي صوتك ديه اللي وقع إزار البيت كله، الست الواعية اللي صوتها ميخرجش برا عتبة أوضتها مهما كان السبب واللي عملتيه دلوك أني مش هعاتبك عليه لإني عذراكي، لكن متظلميش زوچك يا نوارة، هو بيعمل خير لله وبس.


11 تعليقات

  1. عيني عليكم كلكم

    ردحذف
  2. روووووعة كالعادة تسلم ايدك يا مبدعة

    ردحذف
  3. تسلمى يارب

    ردحذف
  4. تسلم ايدك ياحبيبتي روعه

    ردحذف
  5. الغيره مره
    مهما كانت فقلب نواره يتمزق

    ردحذف
  6. تسلم ايدك يا سومه معلش نواره بتتحرق بنار الغيره حتي لو زوجته التانيه عمياء وخرساء
    Azza Mohamed

    ردحذف
  7. بارت روعه ياسيموا ابدعتى حبيبتي

    ردحذف
  8. روووعة بجد أبدعت

    ردحذف
  9. جميلة جدا جدا

    ردحذف
  10. روووووعة 🌹🌹🌹🌹🌹

    ردحذف
أحدث أقدم