رحيق العسل المالح بارت ١١
حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي
البارت الحادي عشر
رحيق العسل المالح
أسماء عبدالهادي
لم يضيع الحج عيسى وقتا وقدم ومعه الأموال التي يحتاجها صاحبه، كان أحمد محرج كثيرا من الأمر فهو جاء به من بلد بعيد، لكي ياخذ منه مالا.
لكن الحج عيسى كان مشغول البال على نادين حقا فهو راعه ما سمعه بشأن حالتها، لذا طلب أن يقابلها ويجلس معها لحتى يصبرها قليلا على مصابها، وحينما دلف إليها غرفتها وجدها تچلس بهدوء فراعه رؤيته لتلك الفراشة الجميلة أن يحدث لها ما سيحدث وخاصة انه عندما جاء علم بأمر عملية الاستئصال
أما هي عندما رأته ابتسمت له قائلة
_ أهلا ازيك يا عمو الحج عامل ايه؟ والله فعلا كان نفسي أشوفك.
اقترب منها عيسى بأعين تلمع بحنان
_أزيك يا بت الغالي، ألف سلامة عليكي يابتي، معلش أني عارف إني مجصر في حقكم جوي حقك عليا يابتي، ربنا يقومك بالسلامة، اصبري واحتسبي يابتي وبشر الصابرين.
هتفت نادين بهدوء
_الحمد لله على كل حال، أنا والله صابرة بس أعمل إيه لصاحبك ومراته دول، هما اللي تاعبين قلبي ياحج، يرضيك كدا مبطلوش عياط من وقتها، طب قولي يا حج هل عياطهم ده هيفيد بإيه غير انهم هيتعبوا وهيتعبوني معاهم.
نظر عيسى لأحمد وقال بعتاب
_لاه معندكش حق يا أحمد، ديه بدل ما انت اللي تقوي بتك!
صمت أحمد ولم يرد فهو بحق يكاد يموت كمدا على ابنته
ليتلفت عيسى إلى نادين ويقول باسما
_ان شاء الله هتقومي بالسلامة يابنتي، الحمد لله على كل حال، أني مبسوط منك علشان راضية بقضاء ربنا، ربنا يرضيكي يا غالية
هتفت نادين
_الحمد لله يا عمو الحج، محدش بيشوف أكتر من نصيبه واللي ربنا كاتبه هيكون.
_براوة عليكي يابتي، بنت بمليون راجل صحيح.
حان وقت إجراء العملية فكانت من أصعب اللحظات على الجميع، لم تكف فيها فاتن عن البكاء والنحيب حتى ان قدماها لم تعد تحملانها أبدا، وكذلك نادين سرت في قلبها رجفة في ذلك الوقت، تذكرت أنها ستدلف لحجرة العمليات كاملة وستخرج منها ينقصها جزءا هاما جدا من جسدها، لكن ما بيدها حيلة، طالعت الجميع بنظرة وداع أخيرة هي لا تدري قد لا تراهم ثانية لذا أرادت أن يكون آخر ما يرونه منها هو بسمتها الواسعة، لكنها كانت عصية عليها حقا في ذلك الوقت، عانقت كل منهم عناقا شديدا وودت لو لم تخرج من بين ذراعيهم أبدا.
بعد عدة ساعات قضاها الجميع ما بين دموع منهمرة وأعصاب منهارة، وبين دعاء وتوسل
ليخرج الطبيب اليهم ويعلمهم بأن العملية تمت بنجاح، فهللوا وكبروا.
مرت الأيام التي قضتها نادين في المشفى سريعا رغم ألمها الذي كان يقطع الجميع إربا بدون رحمة او إشفاق
كل تلك الأيام ولم تعلم عمة نادين بأمر استئصال ذاك الجزء من جسد نادين وما ان علمت حتى صرخت في المكان غير مراعية نفسية نادين ولا أهلها
_يالهوي، انتوا بتقولوا إيه، يعني ايه؟ نادين خسرت أهم حاجة عندها! خسرت أهم معلم من معالم انوثتها، طب هتعيش إزاي بعد كدا ولا حتى هتتجوز إزاي! يا دي المصيبة السودا اللي حطت على دماغك يا خويا.
مازادت كلمات اعتماد إلا الطين بلة، فانهارت فاتن ولم تتمالك أعصابها فسقطت مغشيا عليها إثر جلطة تعرضت لها بسبب حزنها على ابنتها
ليصيح أحمد في أخته
_حرام عليكي يا شيخة، كانت ناقصة لكلامك ده.
بقيت سمر مع نادين ولم تتركها أبدا و عندما تسأل نادين عن أمها يتعلل الجميع بأنها تقوم ببعض الاوراق الخاصة بالمشفى
كانت نادين تعلم أن أمها ليست على ما يرام لكنها لم تستطع أن تطلب رؤيتها بسبب حالتها الصحية، وايضا لانها تدري ان امها ان رأتها على هذا الحال ستتعب أكثر.
حال موعد عودة عيسى لبلده فودع أحمد بعد أن أعطاه مبلغا كبيرا من المال ليكون معه فهو يعرف أنه في الأيام القادمة سيحتاج للمزيد فابنته مازلت بحاجة إلى علاج طبيعي وكيماوي وأدوية
ليهتف أحمد بامتنان
_والله أنا مش عارف أقولك إيه يا حج عيسى، أنا هكتبلك وصل أمانة بكل الفلوس دي، وان شاء الله اردهالك ربنا يعين.
هتف عيسى بغضب
_كلام إيه الماسخ اللي هتجوله ديه، بقا عايز تحاسبني على فلوس عاطيها لبتي إياك!
هتف أحمد بمرارة فهو لا يملك من أمره شيء
_ده حقك يا حج عيسى، أنا هشوف الحج صبري لو مش هيتم البيعة هرجعله فلوسه واكتب الأرض باسمك انت بيع وشرا
هتف عيسى بحزم
_اسمع يا أحمد، الكلام ديه بدري عليه، متفرطش في أرضك وأرض عيالك، ومتفكرش في كلام من ديه دلوك، المهم سلامة نادين ونطمن عليها، أنا عايز ادخل أسلم عليها قبل ما أعاود الدار
أشار له أحمد إلى الغرفة وقال
_ اللي تشوفه يا حج ربنا يباركلك، تعالى اتفضل ادخل.
_اديهم علم چوا الأول يمكن جالعين راسهم.
فعل أحمد ذلك وبعدها دلف عيسى إلى نادين وقال بصوته الحاني وكأنها ابنته
_ حمدا لله على سلامتك يابتي، تقوميلنا بالسلامة ان شاء الله، شفاك الله وعافاك، اصبري وليكي الأجر عند ربنا.
أجابت بتعب
_الحمد لله رب العالمين، شكرا لحضرتك يا عمو
_عتشكري أب خايف على بته إياك، انتي مش عارفة معزتك عندي!
_عارفة يا عمو الحج والله، ربنا يخليك لينا.
_ان شاءلله يخليكي يابتي ونفرحوا بشفاكي التام ان شاء الله، أني چيت أسلم عليكي قبل ما أعاود البلد علشان مصالحي وإن شاء الله هچيلك تاني
_متتعبش حضرتك يا عمو الحج، كفايا على الأقل بالاتصال مش عايزة أشغل حضرتك عن بيتك وشغلك.
_ربنا يكملك بعقلك يا بتي، يلا فتك بالعافية وكمال الصحة.
_مع السلامة يا عمو، تسلم يارب.
__
عدت الأيام وبدأت نادين تعود لبيتها من جديد كما انها ستبدأ في جلسات الكيماوي _عافانا الله وإياكم_
لتبدأ معها أولى أيام الدراسة أيضا والتي بالطبع لن تحضر نادين تلك السنة بسبب تعبها
في تلك الفترة أصبحت سمر تعود لبيتها لتبيت هناك وتأتي إلى نادين في الصباح
كان نبيل يسير مع بسمة ليوصلها إلى بيتها فقالت بضيق
_نبيل الوضع اللي إحنا فيه ده بقا أوفر اوي، انت مبقتش حتي تتكلم معايا ولا فاكرني أصلا، ده حتى كلام على الواتس مش بتعمل ده
تنهد نبيل بضجر وهو يقول
_بسمة، السؤال ده مكنتش اتوقعه منك في وقت زي ده، انتي شايفة الظروف والحالة النفسية عاملة إزاي! كلام إيه وبتاع إيه دلوقتي.
_ يا سلام معنى كدا إنك هتنساني تماما طول الفترة دي والله أعلم لحد إمتا
_أنا عمري ما نسيتك يا بسمة وانتي عارفة انا بحبك قد إيه بس قدري الظروف اللي أنا فيها، وبعدين نادين بنت خالك مش شايفك زعلانة عليها
هتفت هي بخداع فالأمر لا يعنيها في شىء
_لا إزاي طبعا زعلانة عليها، بس عايزني أعمل ايه اقعد جنبها وأعيط مثلا.
زفر نبيل بحنق فهو لا يرى ذلك أبدا لا منها ولا من عمته، وأثناء التفاته شاهد سمر تخرج من العمارة التي تقطن فيها فهتف على عجل تاركا بسمة في منتصف الطريق
_بسمة يلا اطلعي على البيت مبقاش إلا كم شارع
أصيبت بسمة بالغيظ وخاصة عندما أبصرت تلك التي توجه نبيل إليها فلحقت به على الفور
استوقف نبيل "سمر" قائلا
_سمر صباح الخير، ها لقيتي العلاج اللي كنا بندور عليه.
ابتسمت له سمر بهدوء
_اه الحمد لله لقيته، زي ما قلتلك خالوا صيدلي ووصى عليه وهيجي النهاردة بالليل وأول ما يبعته هجيبه اطمن
تنهد نبيل براحة وقال
_الحمد لله رب العالمين، أنا مش عارف أقولك إيه ولا اشكرك ازاي، انتي بجد صاحبة جدعة اوي
_على ايه بس نادين أكتر من أختي، ربنا يارب يزيح عنها.
لتأتي بسمة واضعة يديها في خصرها وتقول بغضب
_بقى أنا بقولك مش بتسأل فيا تقولي ده وقته! وأول ما تشوف سمر تجري عليها وتسيبني!! هي حصلت! طب إيه رأيك بقا اني مش هكمل معاك بعد النهاردة وأدني دبلتك أهي ابقى اشبع بيها.
قالتها وتركتهم دون أن تعطي لهم فرصة للحديث حتى، وقف نبيل مشدوها مصدوما مما يحدث، وكذلك سمر التي راعها حزن نبيل لهذا الحد لذا قالت بألم
_أنا أسفة جدا والله يا نبيل، أنا والله العظيم ما قصدي اوقع بينك وبين خطيبتك بالشكل ده.
ليهتف نبيل بضيق من تصرف بسمة
_لا انتي مش ذنبك حاجة وانا اصلا اللي وقفت علشان اتكلم معاكي، اطمني أنا هروحلها بالليل لما تهدى وهرجع الماية لمجاريها، انتي كنتي رايحة لنادين، خليني اوصلك.
رفضت هي وفضلت ان يذهب خلف خطيبته
_لا الافضل الحق بسمة علشان تطفي النار بسرعة قبل ما تزيد وتمسك عليك حجة انك سبتها زعلانة ومسألتش فيها
_انتي شايفة كدا.
_اه طبعا يلا روح
وبالفعل انطلق نبيل نحو بيت عمته ليراضيها.
__
كان عائدا من عمله ليتناول طعامه مع أسرته كالعادة، وعندما رأته أنحنت بجسدها لتكون بمستوى أطفالها وهمست في أذنهم وقالت
_ يلا يا ولاد زي ما فهمتكم.
استغرب هو فعلتها ليجد أبناءه يتشبثون بثيابهم قائلين
_أبوي إحنا عايزين، نروح مصر مع عمنا وعمتنا نتفسحوا هناك.
فهم حمزة لعبة نوارة فنظر لها بغضب ثم التفت لأولاده وقال بابتسامة كي يجعلهم يكفون عن الزن ومن ثم يتوجه إلى نوارة
_ماشي ماشي يا ولاد،روحوا العبوا دلوك
قالها وهو يتوجه إلى نوارة بأعين جعلها تبدوا غاضبة بينما هي تبتعد أمسكها من ملابسها
من الخلف وهو يقول
_بقا بتسلطي العيال عليا يا نوارة علشان تحققي هدفك!!
ضحكت وقالت وهي ليست خائفة أبدا بين يديه وقالت بدلال
_لاه أني مش محتاچة إن حد يتوسطلي عنديك لإني عارفة قيمتي
عنديك إكويس.
كشر بوجهه بعد أن تركها وقال
_اومال بعتالي العيال يقولولي ليه، بدالك!
أجابت وهي تلعب بإصبعها في شالها الذي يغطي كتفها
_أني حكيت للعيال وفرحوا واتحمسوا كمان، واتفقت معاهم إنهم أول ما يشوفوك يقولولك،وداي كل الحكاية.
حك ذقنه النابتة وقال
_وانتي قولتيلي بقا عايزة تروحي فين يا أختي!
أجابت بضيق
_إيه يا حمزة كنك مش موافق! أني عايز أغير جو في مكان تاني وقلتلك بم ان عز وفاطمة مسافرين قريب وعنديهم شقة هناك نروح نغيروا چو أمعاهم كم يوم.
فتح حمزو فمه وهتف مستنكرا
_وكمان، كم يوم! لاه ده انتي داخلة على طمع بقا!
تمسكت هي بعنقه متعلقة بها وقالت
_أيوة أني طمعانة في حبك وكرمك يا حمزة، وعارفة إنك مش هترفض ليا طلب.
نظر يمنة ويسرة متلفتا وهو يقول
_نزلي يدك يا مخبولة أمي تشوفك تطين عيشتك
لم تزح نوارة يدها عن عنقه وهي تقول بدلال
_وإيه يعني، هاخدلي كلمتين في چناني من خالتي،ميضرش.
لم تنهي كلمتها حتى سمعت صوت خالتها بهية
_ابتعملي إيه ياللي تنشكي في معاميعك!
انتفضت نوارة في مكانها فظعة فاختبئت بين يدي زوجها وهي تقول
_يا لهوي بالي يا خلتي فزعتيني.
ليضحك حمزة وهو يقول
_ليه إكده يامه، البت مفاصلها سابت من الفزع.
ضحكت بهية وقالت
_تستاهل دي عايزة قطم رقابتها، انتي يابت تعالي إهنة كم مرة أقولك شغل النحنحة ديه مش إهنه يا مخبولة إنتي، انتي ناسية ان عز إهنه ولساه عاذب يا بهيمة.
هتفت نوارة بدلال وقالت
_وإيه يعني، وبعدين ابنك اللي مغرقني في حبه يا خاله ولما بشوفه بدوخ.
سحبتها بهية من بين يدي زوجها وقالت
_ياختي تعالي أقفي إهنة واتعدلي بدل ما أعمل منك مداس دلوك.
لوحت نوارة بيدها وقالت بضجر
_ يا باي عليكي يا خالة دايما إكده مكسرة مجاديفي.
ضربتها بهية على رأسها وقالت
_كنك يا مخبولة انتي مفكرة إني هستنكر عليكي دلالك على ولدي! لاه أبدا أني حتى لو كانت فاطمة بتي بتعمل أكده قدامي مع زوجها كنت هنهرها بردو، ليكم اوضتكم يتقفل عليكم بابكم تعملي كيف ما بدك،لكن طول ما انتي إهنة في بيت عيلة يبقى تراعي وجود الشباب أمعاكي، هتفهمي ولا مخك لساته اتخين.
هتفت بضجر
_ فهمت يا خالة افهمت
ليهتف حمزة بجدية
_أمي معاها حق يا نوارة، لازمن تعملي إحساب لعز جوي، أنا مجبلش أبدا يشوفك في وضع زي ديه رغم انه عادي يعني وانتي مرتي لكني مقبلوش واصل.
بدأت تظهر آثار جلسات الكيماوي على نادين وتنهش من صحتها وشكلها العام فضعف جسدها وهزل وذبل كما أن شعرها بدأ في التساقط شيئا فشيئا
لتجلس هي بتعب على الكرسي المتحرك الذي احضروه لها وذلك بسبب تعبها الشديد في تلك الفترة وتقول بحزن لسمر
_سمر أنا حزينة اوي
اقتربت منها سمر بلهفة وقالت وهي تتمنى شفاء صديقتها وتتعافى مما هي به
_من إيه يا قلب سمر؟
أشارت نادين إلى هيئتها وشعرها الذي أصبح خفيفا للغاية
_بصي شوفي منظري بقا عامل إزاي، وشعري خلاص بيقع جامد.
قبلتها سمر من وجنتها بحب وقالت
_ماله شكلك زي القمر يا روحي والله العظيم بجد ومش هزار مهما كان هتفضلي جميلة يا نادين، انتي عارفة ان كل ده فترة مؤقته وسببه العلاج وبعد ما يخلص، كل حاجة هترجع لطبيعتها وهترجعي أجمل من الاول كمان، بس الصبر يا حبيبتي ، فات الصعب واللي جاي هين بأذن الله، ربنا يقوكي ويعافيكي يارب، أنا منتظرة أشوفك تاني واقفة على رجليكي وترجعي لمرحك من تاني يااااه ده هيكون كأنه يوم عيد، وهيجي قريب والله أنا متأكدة
تنهدت نادين براحة وكأنها بحاجة لتلك الكلمات لتسترد منها قوتها من جديد وابتسمت لسمر لأنها بمرضها هذا استطاعت أن تعرف مدى صدق حب صديقتها لها
"فحتى المرض يصبح محببًا عندما تعرف أنّ هناك أشخاصًا ينتظرون شفاؤك كما ينتظرون العيد"
___
وقف في شرفة غرفته يطالع طبق العسل الذي في يده ويشرد في نادين التي لم ترد على رسالته ولم ترها من الأساس بل هي لم تفتح حسابها منذ آخر حديث بينهم، حتى انه شك أنها قامت بحظره
فبعد انتهاء الاسبوع التي اخبرته به قام بارسال رساله لها للتأكيد عليها انه سيبحث عن عنوانها وسياتي الى ابيها على الفور لكنه لم يجد منها ان رد ولا يدري عنها اي شيء ؛لذا قرر ان يصبر قليلا بعد الى ان تبدأ الدراسة وهناك لن ينتظر ثانية واحدة أخرى حتى انه قرر في لحظة تهور منه ،أن يلحقها الى بيتها ويدلف معها ويحادث أبيها فهو لن ينتظر المزيد بعد
فحُبها ومجرد تحليق صورتها في سماء مخيلته، قد أحيا قلبه، وأنساه همه وجعل ظلام وحدة قلبه ينقشع، فلقد طل قمرها الساطع على قلبه فأنار غرفاته الحالكة الظلام، وكأنها البدر التمام ضمه بلثامه حانيا، يرسل له وِدا فيكون له بلسما.
أخرج تنهيدة حارة يلوم نفسه على التأخر، على انتظاره لكل هذا الوقت فلم لم يذهب لطلبها من أبيها قبل أن يأخذ رأيها؟
فكتمان أمر حبها أمر عصي عليه، حتى باتت مشاعره تفضحه فبات سره كالعلن.
أخرجته من شروده ذاك تلك المشاكسة بصوتها الجهوري المزعج، الذي كان بمثابة ضوضاء حلت على مسامعه فأزعجته وهي تقول
_يا عز، عز يا خوي، إنت فين ، ياعز انت ياواد أبوي فينك؟
التفت إليها وقال بصوت منزعج ضَجِر
_إيه يا صداع، حرام عليكي يا شيخة نفسي يعدي عليا يوم من غير صداعك اللي بتسببهولي ديه، ارحميني، هو انتي مواركيش شغلانة غيري يا بت انتي!
ابتسمت فاطمة بسخافة وقالت بينما ظهرت صفي أسنانها البيضاء
_أني كنت چاية أسألك سؤال وتاني راچعة اوضتي.
التفت إليها عز بكامل جسده وقال
_اسألي، أني سامعك ها اشجيني.
حكت فاطمة ذقنها وقالت
_أني كنت قاعدة في أمان الله، قوم إيه نط على بالي سؤال
رد بضجر
_اللي هو!!
_عز انت مش كان فيه تقريبا صاحب ليك قاعد معاك في الشقة!!
أجاب بملل
_ايوة أحمد صاحبي، انجزي وقولي سؤالك.
_وطبعا أحمد ديه هيرحل عن الشقة لما أجي مش إكده.
زفر عز بضيق فهو لم يخبر صديقه بهذا الشأن بعد
_إكده تمام، ها فين السؤال؟
_ اصبر جايالك في الكلام، الأوضة اللي هناك اوضتين وصالة مش إكده!
ضرب بباطن يده على ظهر يده الأخرى وقال
_اللهم طولك يا روح، انچزي يا فاطمة وقولي اللي عندك مرة واحدة.
مطت شفتها وقالت بضيق
_فيه إيه يا خوي ما تطول بالك علي شوية!
_أكتر من إكده هنفجر في وشك لو ما نطقتيش
_طيب هقولك، اسمع انت دلوك كنت قاعد في أوضة وصاحبك اللي اسمه أحمد ديه في أوضة، أني بقا هقعد فين؟ ما هو أني استحالة هقعد في موطرح مكان صاحبك ديه، أو إني أنام على فرشته، إلا إذا انت غيرت عفشة الأوضة كلها من أولها لآخرها.
أعجب عز الدين بتفكير أخته وقال وهو يسحبها نحوه و يحيط عنقها بذراعه وقال
_عبيط مين ديه اللي قالك اني ممكن أسمح لأختي تقعد موطرح راچل غريب! طرطور أني إياك! يا بت جلتلك بغير عليكي من الهوا الطاير تقومي تقولي إكده.
ابتسمت هي لأخيها بحب وقالت
_يبقى هتغير لي عفشة الأوضة مش إكده.
أجاب على الفور
_لاه طبعا مش هعمل إكده
ربعت يدها بغيظ أمام صدرها وقالت
_اومال إيه هتنيمني في الصالة على الكنباي!!
ضربها بخفة على رأسها وقال
_لاه في اوضتي أني يا أم مخ تاخين.
اتسعت أعينها بدهشة وقالت
_إيه ديه عز الدين أخوي بذات نفسيه هيسمح لحد أنه يأخد أوضته! ده انت عمرك ما حبيت ان حد يشاركك حاچتك واصل.
_لاه الحالة دي تختلف، إنتي هتأخدي أوضتي وأنا هقعد في أوضة أحمد، اسمعي مش عايزك تقلقي من موضوع السكن إهناك ديه واصل أني هروق عليكي.
طالعته وهي تنظر له بشك
_اه ياخوفي من الرواقة اللي هتعيشني فيها، وربنا لو مديت يدك عليا إهناك، لأخلي أبوي وأخوي حمزة يعلقوك على باب الچامعة، وأني بحذرك يا أبو إيد طارشة إنت.
ضحك عز الدين مطولا حتى بدت أسنانه كلها جلية ومن ثم ضرب أخته على رقبتها من الخلف وقال
_ده انتي الموضوع ديه راعبك أوي ومش عارفة تنامي منيه، اطمني يا مصيبة إنتي أني هراعي إنك يا عيني لأول مرة هتبعدي عن حضن أمك وأبوكي وهتكوني كيف المسكين او العابر سبيل فهشفق عليكي.
رمقته بنظرة مستاءة وهمت لتغادر الغرفة بغيظ شديد لينادي هو عليها بينما يضحك بشدة، لكنها لم تلتف له وغادرت بالفعل ليلحق بها وهو ينادي وما زال على حالته من الضحك
_وربنا انتي مصيبة فعلا، استني يا بت إهنه
التفتت له بغيط
_بعد عن وشي السعادي يا عز، معايزاشي أشوف وشك
أمسك يدها وهو يضحك وقال
_ يا بت بهزر إمعاك بلاش تتقمصي إكده.
لاحظ أبيهم ما يحدث وحتى فاطمة ما ان رأته حتى ركضت لحضنه
ليهتف عيسى مدعيا الحزم
_مالك ومال فاكهة الدار يا عز.
ليحك عز شعر رأسه وهو يقول بضجر
_يا بوي والله ما منطط المصيبة داي علينا غير دلعك ديه.
_وماله لما أدلع بنتي وأستتها كماني، عايزني أكون زي الرچالة المتخلفة اللي معندهاش عقل اللي يقولك إكسر للبنت ضلع يطلعلها أربعة وعشرين!!
_لاه يابوي مقولتش إكده، بس ا..
قاطعه أبيه بضيق ثم أخبره ناصحا
_بس إيه يا عز، أوعاك تكون مزعل إختك! او أشوفك إمزعلها في يوم من الأيام، البنات حسنات يا ولدي، والبنون نعمة، الحسنات يُثاب عليها، والنعمة يُسأل عنها.
_فاهم يا بوي وواعي لكل اللي عتقوله كماني، بس بتك سايقة الدلال بزيادة
رد أبيها وهو يقبل جبين ابنته
_وماله تسوقه كيف ما بدها، طول ما هي في بيت أبوها تدلل كيف ما تريد، وبقولهالك تاني يا عز لو جاني من أختك أي شكوى منيك وهيه مغتربة بعيد عني إهناك في السكن، مش هعديهالك واصل.
نظرت فاطمة لأخيها عز بابتسامة متشفية وسعيدة في نفس الوقت فها هو الكبير يدافع عنها ويقف في صالحها.
ليهتف عز بهدوء شديد
_اطمن يا بوي، مش هخلف ظنك ما أختي واصل.
ليهتف أبيه بجدية
_طيب أنزل حصل أخوك وراضي في الأرض، جاعد إهنه ليه في الدار كيف الحريم!
ضم عز شفتيه بضيق من تأنيب أبيه له وقال
_حاضر يا بوي أني أصلا كنت رايح دلوك قبل ما تطلب.
قالها عز وانصرف من أمام أبيه، لتهتف فاطمة بحزن على شدة أبيها مع أخيها
_ليه تقوله إكده يا بوي، وانت عارف إن عز مهيتأخرش عن الشغل، وأنه أصلا مبيحبش قعدة البيت حتى لو موراهوش موصلحه برا.
أجابها بحكمة
_المثل بيقول يابتي، اذا كنت تحب ابنك فأجلده، وأني بربي رچال يا بتي الدلال ميناسبهمش واصل، وأني وأن كنت بشد على أخواتك فأني معرفهم قبل سابق، كيف إني بحبهم وهما مش تايهين عن إكده، فمتخافيش على أخوكي أو حتى يصعب عليكي.
ابتسمت فاطمة بأبيها وقبلت وجنته وقالت
_حبيبي يا بوي، دايما لسانك ديه بينقط حكم.
__
قدمت إليها وهي تقدم قدما وتؤخر الأخرى، فقلبها يتآكل ضيقا مما حدث معها، هي تخشى عليها فهي الرقيقة الحساسة، والهشة في ذاك التوقيت بالذات؛ لذا تخشى أن تُوجعها دون قصد، لكنها لن تستطيع ان تخفي الأمر عليها أبدا، فهي صديقتها الوفية.
ولأن نادين تعلم صديقتها جيدا، وبالرغم من تعبها ذاك إلا إنها استطاعت أن تعلم أن هنالك شيئا تخفيه سمر عنها او بالأحرى تود قوله لكنها مترددة في ذلك.
لذا هتفت نادين بتعب وإعياء شديدين
_سمر، مالك إيه اللي مخبياه عني، اتكلمي ياسمر بالله عليكي أنا مش حمل مناهدة
جلست سمر جوارها وأمسكت بيدها التي برزت فيها عروقها من شدة ما تعانيه من آلام ووجع بسبب جرعات الكيماوي اللعينة _عافانا الله وإياكم_
وقالت بصوت حاني
_مش مخبية عنك حاجة والله، أنا كنت لسه هقولك بس مترددة
_ليه! في حاجة تانية خاصة بمرضي جدت!
قالتها وتنهدت بأسى
_الله المستعان، قوليها صدقيني مش هتكون أصعب من اللي بمر بيه حاليا.
حركت سمر بسرعة رأسها وقال
_لا لا والله، الحمد لله علاجك ماشي تمام والوضع مبشر بفضل الله، بس انتي استمري بالنفسية والروح القوية دي
_الحمد لله، الحمد لله، طب ايه ايه اللي معكر مزاجك!
ضمت سمر شفتيها بأسف وقالت
_والله العظيم يا نادين أنا عارفة ان ده مش وقته بس أهلي اللي أجبروني على كدا، أنا أسفة.
هتفت نادين بقلة صبر فمرضها جعلها قليلة الصبر سريعة التعصب والغضب
_قولي بقا.
_وأنا مروحة امبارح من عندك، روحت لقيت عريس متقدملي وقاعد مع بابا، وماما بتطلب مني أجهز علشان أقابله وبس كدا والله العظيم ده اللي حصل، اتحطيت قدام الأمر الواقع ومكنش عندي أي اختيار.
تحدثت نادين بهدوء
_ومالك بتحكيلي كأنك عاملة عاملة فظيعة ليه كدا! انتي عايزة تزعليني منك يا سمر! أنا استحالة أزعل على حاجة فيها الخير ليكي او تفرحك حتى لو كنت بموت حتى.
هتفت سمر بلهفة وهي تحتضن نادين بخوف
_بعيد الشر عنك يا نادين بالله عليكي ما تقوليش كدا تاني
أردفت نادين تكمل كلامها
_اللي مزعلني بس، أني شايفة انك لسه بتحبي نبيل يا سمر، ونصيحة مني لإنك عارفة أنا بحبك قد إيه، حاولي تنسي نبيل وتشوفي مستقبلك وحياتك بعيد عنه، نبيل حبه لبسمة عامل غشاوة على عنيه والله أعلم هتنجلي الغشاوة دي أمتا، علشان كدا بقولك لو كان العريس ده مناسب وشاريكي متتردديش.
تنهدت سمر بقلة حيلة وبتفكير متخبط فقالت لكي تغير ذاك الموضوع، وفي يدها زجاجة ماء ممتلئة
_ طب يلا نعمل التمرين بتاع النهاردة، حاولي ترفعي بدراعك الإزازة دي.
كانت نادين تعبة للغاية في ذاك اليوم لذا قالت
_لا بالله عليكي يا سمر، أنا مش قادرة أجلي التمرين لوقت تاني.
ابتئست سمر من أجل نادين وقالت
_طيب خلاص، ارتاحي دلوقتي ونعمل التمرين بعدين
قامت سمر بمعاونة نادين على التمدد في فراشها ودثرتها جيدا وجلست لجوارها لتهتف نادين بألم
_ادعيلي أعدي المرحلة دي بسلام يا سمر، أنا حاسة اني فيها أضعف ما يكون.
ربتت سمر على يدها بحنان وقالت
_بدعيلك والله يا حبيبتي من غير ما تطلبي، ومعلش لو ضعفتي شوية بس مش علطول، لو عايزة تبكي ابكي وخرجي الكبت اللي جواكي
ابتلعت نادين ريقها وقالت في محاولة منها لتكون أكثر جلدا
_لا أنا مش هبكي، هحاول أتغلب على مرضي، مش هسمحله يغلبني أبدا.
ابتسمت لها سمر وقالت بفرحة
_هي دي نادو اللي أعرفها، ربنا يشفيكي ويعافيكي يا حبيبتي،يلا غمضي عينك وحاولي تنامي.
__
رأتها تشتري بعضا من الخضراوات الطازجة من السوق فتوجهت إليها على الفور وهي تسحب في يدها تلك التي تسير بتبرم واضح
لتهتف فاطمة
_ يا مساء الأنوار، أزيك يا زهرة وحشاني والله.
ابتسمت زهرة ما ان رأتها وعانقتها بحب
_أهلا يا حبيبتي، والله وانتي أكتر كيفك يا جلبي
قالتها ثم طالعت هالة أخت راضي قائلة
_كيفك يا هالة يا خيتي!
تفاجئت فاطمة وقالت بمرح
_أنتوا تعرفوا بعض من وراي ولا إيه.
لتهتف هالة بمشاكسة لها
_طبعا، أومال فاكرانا زييكي إكده مش عارف حد في البلد واصل، طب أني أعرف كل شخص في البلد إهنه نفر نفر.
دفشتها فاطمة بضجر وقالت
_وأني هعمل إيه بمعرفة كل الناس داي، ياختي اتلهي واسكتي.
قالتها ثم نظرة لزهرة التي كانت تبتسم على حديثهم وتسائلت بإهتمام
_كيفه خالد خيك دلوك يا زهرة!
_الحمد لله منيح، وخلاص رچعنا على دارنا كماني.
_ الحمد لله ربنا يكمل شفاؤه على خير.
لتهتف زهرة وهي تقول باستغراب
_بس أني اول مرة أشوفك إهنه في السوق.
ردت فاطمة بضجر
_أني مجلتكيش إن الحچة أمي قال إيه هتخاف عليا؛ علشان إكده مش بتخليني أخرچ إكتير، بس أني لما عرفت ان هالة نازلة السوق، فضلت اتحايل عليها لحد ما طهقت مني ووافقت اخرج مع هالة
وقفت الفتيات الثلاثة تسرسر قليلا معا قبل ان يفترقن.
ليراهم ذاك الذي يشبه الثعلب الماكر الذي يراقب الوضع عن كثب ويخطط للمكائد بمكر، لحتى يُوقِع فريسته في شباك خديعته الماكرة بكل سهولة ويسر
وما إن رآى فاطمة تقف مع زهرة، لم يعرفها في بادىء الأمر لذا سأل أحد رجاله الذين لا يفارقونه
_مين البت اللي واجفة مع البت زهرة والبت هالة داي، شكلها بت ناس
نظر الرجل إلى ما ينظر إليه زعيمه وقال بعد ان تعرف عليها بسهولة
_داي فاطنة بت الحاچ عيسى البكري.
لعب هو في ذاك الشعر الكثيف فوق شفته العليا
_يعني أخت عز الدين، حلو جوي جوي، والله واللعب عيكون على تاقيل يا واد البكري، وأختك كيف البدر منور، دخلت دماغي صوح، وأني ميخلصنيش، أهمل الچمال ديه كله إكده.

بارت جميل جدا احسنتى حبيبتي 👍
ردحذفروعه تسلم ايدك حبيبتي
ردحذف❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤❤
ردحذفجميله اوي تسلم ايدك
ردحذفبارت جميل جدا بس زعلانين على نادين
ردحذفجميله اوي
ردحذفانت مبدعه
ردحذفاي البارت اللي يوجع الالقب ده
ردحذفجميله اوى ابدعتي والله
ردحذف