رحيق العسل المالح بارت ٩
حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي .
الفصل التاسع
أسماء عبد الهادي
بعد أن أخذ رصيده الكافي من العسل ،دلف إلى غرفته ليرتاح من عناء السفر قليلا
أمسك هاتفه ليتصفح وسائل التواصل الاجتماعي قليلا قبل أن يغط في النوم وفجأة وجد نفسه يبحث عن حسابها الذي يعرفه جيدا، بل هو يتابعه يوميا أيضا دون أن تدري هي، تلقائيا ودون أن ينتبه وجه يده تضغط على أيقونة إرسال رسالة
انفتح الشات أمامه، فظل محدقا بالشاشة لا يدري ماذا يفعل أو ماذا يقول، هو لم يحادثها من قبل، ولم يخطر بباله أن يفعل من الأساس، لكن الآن لديه رغبة شديدة في سؤالها، يريد ان يرتاح باله وتطمئن نفسه لجوابها، لا يدري لما تأخرت عليه في الرد هكذا، هو يؤنب نفسه على الإنشغال بها والتفكير فيها إلى هذا الحد، لذا يريد ان يكون كل شىء بالحلال الذي يرضاه ربه، ود لو أرسلت إليه ردا مريحا الآن فيهدأ باله ويأخذ أبيه من فوره في اليوم التالي ويذهب لخطبتها بل يكتب كتابه فورا فلا وقت يريد أن يضيعه في شىء قد يغضب الله.
وجد نفسه يخط بيده على لوحة المفاتيح
"السلام عليكم ورحمة الله، نادين أنا عز الدين، عاملة إيه"
كتب هذا فقط وصمت،ثم نظر إلى حالة الماسنجر هل هي متصل الآن أم لا ، ليجدها غير متصل، فتنهد بضيق ثم هم ليغلق الهاتف وينام عله يستطيع ان يبعد عقله عن التفكير بها
لكنه وقبل ان يفعل استمع لصوت رسالة ماسنجر، فازدادت ضربات قلبه، وتسارعت مع بعضها البعض وكأنها في سباق مع الزمن؛ لأنه ظن أنها رسالة رد منها، فبأيدي متلهفة فتح الماسنجر، ليصدق حدسه فلقد وجد فعلا أنها ردت على رسالته
فتسائل هل عادة تفتح رسالة الأزرز دائما أم أنها تتابعه هي الأخرى مثلما يفعل هو
نفض أي سؤال قد يدور في رأسه في تلك اللحظة وفتح الشات بينهما يرى الرد فلم يجد هو إلا رد السلام فقط
" وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"
تشجع في سؤالها مباشرة فليس هو من يتحدث مع البنات او من يتسامر معهن في المحادثات يحكي في أي كلام، او حتى يدّعي أنه يطمئن عليهم او فقط هما زملاء دراسة فالأمر عادي، كلا هو ليس عاديا بالنسبة له فهو رجل شهم نبيل،أراد فقط محادثتها لأجل خطب ما وسينتهي الأمر بعضها ولا كلام أكثر
لذا كتب
" أنا آسف إني اتخذت الوسيلة دي للتواصل ما بينا، أنا مش قصدي أضايقك او أزعجك او حتى أتسلي زي ما الشباب بتعمل، أنا دخلت بس علشان أسألك عن ردك بشكل جدي لإني فعلا عايز أرتاح، أنا محتاج منك بس يا أه يا لأ، وصدقيني لو كان لأ وانتي محروجة مني او خايفة أزعل، لأ بالعكس أنا هتفهم جدا لاني متأكد إن كل شىء قسمة ونصيب وأكيد لو أنا مش من نصيبك فربنا شايلك الأحسن مني مليون مرة، أرجوك ردي عليا دلوقتي حالا علشان يهدى بالي، أنا مقدرتش استنى لبكرة الصبح"
كانت نادين تضع رأسها على وسادتها وهي تشعر بتعب، مشاعرها متخبطة، حدسها يخبرها بأن تحليلها به شيئا غير طبيعي، لذا كان التوتر سيد الموقف معها؛ لذا أرادت أن تشغل بالها بأي شىء قليلا ففتحت الفيسبوك لتنسى ما أهمها قليلا لتجد رسالة منه، لا تدري ما الذي حدث لها ما ان رأته يراسلها هي بالعادة تقرأ رسائل الأزرز من الشباب وتتجاهلها جميعها حتي لو كان يسألها عن مذكرة ما خاصة بالدراسة هي كانت تعلم جيدا أن بمجرد ردها ستفتح بابا لا يرد يتبعه المزيد والمزيد من المحادثات لذا أرادت أن تسد ذاك الباب وتغلقه من بكرة أبيه، لكن الحال اختلف مع عز الدين؛ ولأنها تحبه، ولأنها تعرف أخلاقه ردت فقط عليه بالسلام ولا شىء غيره، لتجد بعدها تلك الرسالة التي أرسلها وقرأتها مرارا وتكرارا لعدة مرات ويعلو ثغرها ابتسامه انفرجت على إثرها شفتيها وقالت
_ياااه للدرجة دي متمسك بيا وعايز يعرف ردي بأقصى سرعة!
لم تعرف أنها استغرقت ساعة منذ استلامها الرسالة قبل أن ترد عليه، فهي انشغلت بفرحتها في قراءتها عدة مرات، حتى يأس هو من ردها ومن طول الانتظار، فهمّ ليغلق هاتفه وينام، لكن آتاه ردها الذي سوف يُذهِب بكل تأكيد النوم من أعينه
"أنا أسفة لو اتأخرت في الرد، بس أنا كنت عايزة اتأكد أنا كمان منك ومن أخلاقك، وبصراحة أنا مشفتش ولا سمعت عنك إلا كل خير، بس كل ده لا يكفي بالنسبة لي، والموضوع عندي مش حكاية شاب أعجب بيا وأنا عجبني أخلاقه فأوافق علطول، لأن زي ما انت عارف في شباب كتير دلوقتي _ولا أقصد الاساءة ليك_ بألف وش ولون بيتلونوا على البنات زي الحرباية بالظبط، لكن اللي أقدر أقوله ليك، أنك اه تقدر تقابل بابا في أي وقت بس أعذرني أنا مش هقدر أعطيك رقمه حضرتك اتصرف وشوفه من أي حد، لكن عندي لحضرتك طلب، إنك تنتظر فترة لإن الوضع عندي مش مظبط في الوقت الحالي وأنا بس تعبانة شوية فكنت بقول لو قدرت تنتظر أسبوع أو كدا وربنا يسهل بعد كدا، واعذرني انا مش هقدر أرد على أي رسايل ليك بعد كدا أظن أنا ردي وصل ليك بشكل كافي،سلام"
كانت تلك الرسالة التي ارسلتها نادين لعز بمذاق عسل حلو المذاق، أخذ يقرأها ويعيد قراءتها لأكثر من مرة وهو سعيد منشرح الصدر، صدره يعلو ويهبط من فرط فرحته وحماسته بأن أتاه ردها أخيرا والآن بات بمقدوره ان يتقدم لها رسمياً، بل ويخبر أهله بالآمر أيضا
لذا أرسل لها ردا وهو يعلم أن لا رد بعدها سيصله
" اولا، ألف سلامة عليكي، ثانيا،أنا أسعد أنسان في الدنيا النهاردة ربنا يجعل لينا يارب نصيب مع بعض، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعة"
أسعدها رسالته كثيرا فهي أيضا تحبه، ودت لو أخبرته أن يأتي إلى أبيها في الحال فهي تنتظر على أحر من الجمر، لكنها تود أن تطمئن على حالها أولاً
__
في الصباح وعندما أرسلت الشمس خيوطها وكسرت بأشعتها سكون الليل الحالك
تململت نادين في فراشها بنعاس شديد لتجد يد أحدهم تعبث في خصلات شعرها بهمجية، تجاهلت ما يحدث بشعرها فهي بحاجة للمزيد من النوم، لكنه عاد للعبث بشعرها مرة أخرى
فأصدرت زمجرة قوية فهي تعلم من الذي يقوم بذاك الأمر ولا أحد غيره يحاول إيقاظها بتلك الطريقة التي تثير غضبها
_نبييييل، أرحمني أرجوك مش علشان يوم أجازتك هتزهقني كدا، سيبني أنام من فضلك.
لم يكف نبيل على فعلته وأنما شعر بالاستمتاع في مشاكسة أخته
لتصيح به نادين غاضبة
_نبيل وربنا لو ما خرجت دلوقتي من أوضتي لهمارس كل فنون القتال اللي نفسي اتعلمها عليك، أنا بحذرك
ضحك وقال بسخرية
_يا شيخة روحي انتي تقدري تقاتلي نملة ده انتي بوء في الفاضي.
شعرت نادين بالضجر منه فقذفته بالوسادة في وجهه وهي تقول
_يوووه يا أخي، يا ماما ابعدي ابنك ده عني.
حاول نبيل هزها وهو يقول بجدية
_قومي يا بنتي بقا، سمر صاحبتك قاعدة برا منتظراكي.
لم تصدقه نادين فما الذي يأتي بسمر في الصباح هكذا، لذا عاودت النوم مرة أخرى وهي تضع الوسادة فوق رأسها وقال بلا مبالاة
_اه سمر ابقي سلملي عليها يلا اخرج.
زفر نبيل بضجر من أخته ويأس من إيقاظها لذا خرج لسمر التي تجلس حقا في الردهة بانتظارها
_مش راضية تصحى أبدا، بقولك ايه ادخليلها صحيها بمعرفتك، أنا تعبت معاها.
لم تشأ سمر أن توقظها فهي جاءت لتأخذها للطبيب باكرا؛ فهي لم تستطع النوم ليلة البارحة بسبب ما عرفته عن حقيقة مرض نادين لذا أرادت أن تتعالج نادين منه على وجه السرعة
فقالت
_أنا قلتلك يا نبيل هجيلها وقت تاني وسيبها نايمة، مش عايزة اعمل ليها إزعاج
هتف نبيل باسما
_إزعاج ايه بس، ادخليلها يابنتي الساعة بقت عشرة هتنام أكتر من كدا إيه، ادخلي ادخلي.
اضطرت سمر لأن تدخل لنادين بنفسها لغرفتها وتوقظها
أما نبيل فوقف على باب الغرفة ليرى كيف ستوقظها سمر
اقتربت سمر من الفراش وما ان نادت عليها
_نادين!
حتى هبت نادين من نومها لتجلس مكانها وتقول بدهشة
_سمر!! انتي هنا بجد!، أنا فكرت نبيل بيهرج زي عوايده، أنا مش مصدقة نفسي
ضحك نبيل وقال
_لا الظاهر ان سرك باتع يا سمر، أنا لو عايز أصحيها هبعتلك علطول.
لم تستطع سمر حتى الابتسامة فما اصاب نادين يؤرقها
فلاحظت نادين شحوب وجهها وصمتها الغير معتاد فقالت بقلق
_ مالك يا سمر!
حركت سمر رأسها دون أن تتكلم ونظرت لنبيل ومن ثم أخفضت رأسها
فظنت نادين ان سمر حزينة بسبب وجود نبيل وأن حديثه معها بات يتعبها فقالت بحماس
_أنا مبسوطة انك هتقدي اليوم معايا، يلا بينا نفطر سوا.
هنا غادر نبيل لحتى تأخذ الفتاتان راحتهما معا
انتظرت سمر بعدما تناولت نادين فطورها التي لم تقربه هي فلم تجد لديها أي شهية لتضع شيئا ما بجوفها، وبعدها قررت التحدث
لتهتف نادين بشك
_سمر انتي فيكي حاجة مش طبيعية الحكاية مش حكاية نبيل مش كدا، متخبيش عليا يا سمر!
أخذت سمر نفسا عميقا ثم أخرجته بهم
_نادين إنتي لازم تروحي للدكتور دلوقتي، أنا جيت بدري علشان نروح سوى وحالا.
ابتسمت لها نادين بتفهم أنها تخاف عليها وقالت
_تمام هنروح النهاردة بس مش بدري اوي كدا، اصلا ممكن يكون الدكتور مش موجود دلوقتي.
هتفت سمر بجدية
_لا موجود يا نادين، أنا كلمت العيادة وعرفت ان الدكتور بيكون موجود بالنهار من الساعة ١١ ل ٤، وبالليل من الساعة ٦ ل ١١م.
رفعت نادين أحد حاجبيها بإعجاب
_انتي مرتبة بقا يا سمور
ترددت نادين في قولها لكنها حسمت أمرها وقالت دفعة واحدة
_نادين إحنا محتاجين عمو يكون معانا عند الدكتور.
_لا يا سمر مش هينفع قلتلك لما نشوف الدكتور هيقول ايه!
هتفت سمر بحزم
_لا يا نادين، عمو هيجي معانا بس بلاش طنط دلوقتي
بدأ الشك يتسرب إلى قلب نادين فتصرفات سمر جدية وحازمة رغم التوتر الذي يظهر على ملامحها، فقالت بريبة
_سمر في أيه!
ردت سمر بهدوء
_مفيش يا نادين أرجوك بلاش أسئلة كتير خلينا نروح للدكتور ونطمن عليكي أرجوكي
_أيوة يعني إنتي شاكة في حاجة! وضعك ده مش مطمني، انتي عرفتي حاجة انا مش عارفاها
حاولت سمر أن تتماسك نفسها من البكاء وقالت وهي تدير وجهها تجاه الباب
_نادين إلبسي وأنا هروح أبلغ عمو أحمد يجي معانا، الحمد لله انه موجود النهاردة في البيت.
لم تمهلها سمر للرد وخرجت من الغرفة سريعا، تنهدت نادين بقلة حيلة فقلبها ينبئها فعلا أن هنالك شيئا مريبا سيحدث.
وجدت سمر عمها أحمد يجلس بصحبة فاتن ونبيل
لذا تحدثت بخفوت وهي لا تدري كيف تبدأ كلامها
_اا، عمو أحمد أنا كنت عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع كدا.
هتف أحمد باهتمام
_تعالي يا سمر يابنتي انتي عارفة إنك بالنسبة ليا زي نادين بالظبط.
كزت سمر على شفتيها وأشارت للشرفة
_معلش يا عمو ممكن نتكلم في البلكونة ،أنا أسفة يا طنط فاتن.
هتفت فاتن بتفهم
_لا يا حبيبتي، خدي راحتك.
نهض أحمد من مجلسه واتجه الي الشرفة، توترت سمر قليلا وبدأت تحك في أصابع يدها لكنها حسمت أمرها أخيرا وقالت بعد أن قال أحمد
_خير يا سمر أقعدي أنا سامعك يا بنتي
_عمو، اللي هتكلم فيه بخصوص نادين
صمت أحمد ليستمع لما ستقوله سمر عن ابنته
_بصراحة يا عمو نادين تعبانة بقالها فترة بس هي كانت مفكرة ان الألم ده مجرد ألم عادي وهيروح بمسكن.
بدأت ملامح أحمد تظهر عليها التوتر لتردف سمر
_لحد ما في يوم الألم زاد عليها أوي وهي مرضتش تقولكم علشان متقلقوش، لكن أنا أصريت عليها، اننا نروح نكشف إمبارح، والدكتور طلب أشعة وتحاليل وعملنا ده إمبارح بردو لأن الدكتور طلبها على وجه السرعة
بهتت ملامح والد نادين وسأل بتخوف
_نادين بنتي بتشتكي من ألم فين بالظبط يا سمر، والأشعة والتحاليل ظهر فيها إيه!
ازدردت سمر ريقها وقالت بخفوت
_في صدرها يا عمو.
هنا نهض أحمد من مكانه بطريقة لفتت انتباه فاتن ونبيل اليهم ليهتف أحمد بزعر
_إيه!! سمر انطقي الأشعة والسونار كشفت ان عندها ايه.
كادت سمر ان تبكي في هذا الموقف الوجل
_أنا أسفة يا عمو مش قصدي أقلق حضرتك بس النهاردة معادنا مع الدكتور و نادين مكانتش عايزة تقولكم الا لما تعرف هي عندها إيه، لكن أنا شايفة ان حضرتك لازم تكون معانا في موقف زي ده.
هنا هتف أحمد بنفاذ صبر
_سمر قولي الأشعة والتقارير قالت إيه، بنتي عندها ايه!
_عمو أرجوك إهدى ممكن الدكتورة شخصت غلط، هنروح للدكتور وهيقولنا كل حاجة.
فتح فمه بتألم وهتف هو بصوت متحشرج
_سمر قوليلي بنتي عندها إيه!
اغرورقت أعين سمر وقالت
_الدكتورة قالت عندها ورم، بس طبعا ياعمو نادين متعرفش حاجة
بهتت ملامح وجه أحمد وهوى على الكرسي بأسى شديد ولم يستطع أن يمنع عبراته من الهطول
لتهتف سمر بأسف
_ان شاء الله يطلع من النوع الحميد ويتعالج بإذن الله، أنا أسفة أوي والله يا عمو، بس كان لازم أقول لحضرتك علشان تقدر تمهد لنادين لما تعرف من الدكتور.
مسح أحمد دمعته بسرعة وردد بحزم
_أنا رايح أجهز علشان ننزل حالا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقفت سمر محلها بحزم هي تدري أن وقع الأمر شديد عليه لكن كان لابد أن يعرف لحتى يستطيع ان يخفف عن نادين عندما تعلم بالأمر
لاحظت فاتن أن زوجها ليس على ما يرام وخاصة انه دلف غرفته وخرج منها سريعا بعد ان بدل ملابسه وقال لسمر بلهجة متعجلة
_يلا يا سمر، فين نادين
خرجت نادين من الغرفة وهي تقول
_أنا خلاص جهزت
لتقف فاتن وهي تقول بانزعاج لأنها لا تدري شيئا مما يدور حولها
_يلا إيه انتوا رايحين فين
هتف أحمد علي عجل بالأمر متعلق بابنته ونور عينه
_بعدين بعدين لما نرجع يا فاتن
هتفت هي بحنق
_ترجعوا منين أنتوا رايحين فين أصلا
أحاط أحمد عنق ابنته وقال
_مشوار كدا، بس سيبنا ننزل الله يكرمك.
اعترضت فاتن طريقهم وقالت وهي تنظر لتلك الشنطة البلاستيكية السوداء التي حرصت سمر على إخفاء محتوياتها جيدا
_محدس ماشي من هنا الا لما أعرف انتوا رايحين فين بالظبط، سمر في أيه، قلتي لعمك ايه خلتيه فز بسرعة مرة واحدة كدا.
فقد أحمد آخر ذرة صبر يحملها فابنته مصابة بما كانت أمها مصابة به الأمر جلل بالنسبة له لذا قال بحدة
_فاتن قلتلك لما نرجع ومش عايز كلام كتير، يلا يا بنات
لكن ولقوة شخصية فاتن قالت بحدة أيضا
_أحمد قلتلك محدش هيمشي من هنا الا لما أعرف فيه ايه، نادين بنتي مالها، سمر قالتلك ايه عنها شقلب كيانك كدا وأخدها بين إيديك وبتبص عليها بأسى بالشكل دا، فهموني فيه إيه!
قالتها وهي تصيح بصوت عال
وقف نبيل لتهدئتها
_ماما من فضلك اهدي،محصلش حاجة لعصبيتك دي
_لا يا نبيل أنا لازم أعرف في إيه
نظرت الفتاتان لبعضهن البعض بصمت
بينما قال أحمد بقلة حيلة
_فاتن قومي البسي بسرعة وتعالي
قالها وجلس على الاريكة ينتظرها
نظرت له بريبة وعلمت ان هنالك أمر مريب فتوجهت سريعا نحو غرفتها تبدل ملابسها
ليهتف نبيل بجدية
_أنا كمان جاي معاكم.
لم يعلق أحمد وانما جلس واضعا رأسه على يده بهم
لتهتف نادين معاتبه لسمر
_مش قلتلك هيقلقوا يابنتي، كان لازمتها ايه!
ضمت سمر شفتيها بأسى وطالعتها بصمت.
___
استيقظ من نومه متأخرا على غير عادته، أخذ حماما منعشا ومشط شعره ونثر عطره الخاص به وهبط للأسفل يطلق صفيرا بنغمات سعيدة، وبسمة لا تفارق ثغره.
هبط إلى أسفل ليجد نوارة تضع الطعام على الطاولة فقال بابتسامة
_صباح الخير يا نوارة، كيفك وكيفهم العيال!
طالعته ببسمة صافية
_اصباح الخير يا عز، إحنا كلنا كويسين الحمد لله كيفك انت يا خوي!
_الحمد لله تمام، أبوي فين علشان نأكل أنا نفسي مفتوحة على الوكل جوي.
أشارت له أن أبيه يجلس على المقعد في الردهة منتظرا انتهاءها من رص الطعام على الطاولة لحتى ينهض لينضم إليهم ويشاركهم طعامهم
توجه إليه مباشرة وقبل يده وهو يقول
_صباح الخير يا بوي، كيفك يا غالي النهاردة
هتف أبيه بهدوء
_صباح الخير إيه يا عز جول مساء الخير، أول مرة تتتأخر في النوم النهاردة.
ابتسم عز وقال وهو يجلس جوار أبيه
_أني النهاردة نايم سعيد وفرحان جوي يا بوي علشان إكده نمت قرير العين ومحستش بالدنيا اول مرة فعلا أنام كتير إكده.
لتهتف أمه الذي أتت ووقفت جوارهم
_امبارح كنت تعبان من السفر يا ولدي، ربنا يعينك ،ويسعدك ويريح بالك.
نهض عز الدين من مكانه وقبل يد أنه
_صباح الخير على ست الدار وست جلوبنا كلياتها، أيوة يامة كتري من دعواتك الحلوة داي اللي تشرح الصدر
قالها ثم استقام في جلسته وقال
_أني كنت عايزك في موضوع أمهم يا بوي هيفرحكم جوي.
استبشرت أمه خيرا وهتفت بسعادة
_الله يفرح قلبك ويچبر بخاطرك يا ولدي، ها جولي مين هي العروسة وأنا أروح طوالي دلوك أخطبهالك.
ضحك عز الدين ونظر لأمه باندهاش
_الله يامة كيف اعرفتي، وأني لسه منطقتس بكلمة!
طالعته أمه بمكر وقالت باسمة
_اهيه مبجاش أمك إن معرفتش اللي بتفكر فيه جبل ما تنطقه، ربنا يمطر على قلبك سحائب رحمة وسعادة يا ولدي
قالتها وهي تربت على صدره بحنان.
ابتسم عز الدين لأمه ثم نظر لأبيه وقال
_ها يا بوي إيه رأيك يا كبيرنا؟
حرك عيسى رأسه وقال بهدوء وهو يقبض على عكازه
_زي ما تحب يا ولدي، انت راچل ومفيش حاچة تعيبك، تخطب وجت ما تحب، وألف مين يتمناك، الله يهنيك يا ولدي.
تنهد عز الدين براحة وانشرح صدره لأن يخبرهم عن الأمر
لتتسائل أمه
_ها ياولدي أخترت البنت اللي تريديها ولا تحب أني اللي أختارلك بنفسي!
هتفت عز الدين بهدوء
_لاه اطمني يا أمه، أني خلاص أخترت اللي ارتضيها تكون ليا زوجة وحبيبة وشريكة حياة كمان
أطلقت بهية زغرودة عالية وقالت بفرحة
_يا ألف نهار أبيض، يا سعدك يا بهية ابنك الغالي هيتجوز هو كمان
نظر عز إلى أمه بسعادة واقترب من أبيه قائلا
_أسبوع إكده يا حچ ونروح نتقدم، بس أني كنت حابب الأول أدخلهم أني أتكلم معاهم يعني هما إهناك في القاهرة مش عوايدهم زينا إكده.
تفهم عيسى ما يقوله ابنه فهو يثق به وباختياراتهم ويعرف أنه أدرى بمصلحته وقال
_ماشي يا بني، أني متأكد انك عارف موصلحتك إكويس، أني اموافجك على كل اللي عايز تعمله، بس لازمن نسأل عليهم ونطمن.
_عارف يا بوي هقولكم عنيهم كل حاجة وهتسأل عن اصلهم وفصلهم كمان رغم إنك عارف ان ديه ميهمنيش، بس علشان تكون مرتاح، بس كله بأوانه يا بوي
_أعمل كيف ما بدك ياعز، أني مخلف راچل وعارف إنه هيقدر يتصرف صح.
قبل عز الدين رأس والده وقال بامتنان
_وأني ممتن لثقتك داي يا بوي.
هنا جاءت نوارة وقالت بفرحة
_خير يا خالة كنتي بتزغردي ليه، اوعي تكوني چايبة لعز عروسة
ابتسمت بهية وقالت
_هو إكده فعلا، يابت زغردي
اطلقت نوارة هي الأخرى الزغاريد فرحة بالأمر وقالت
_مبروك يا عز يا خوي، والله فرحتني جوي
هتفت عز الدين بفرحة
_الله يبارك فيك يا مرت الغالي، ها الأكل جهز ولا لسه هموت من الچوع.
ضحكت نوارة وقالت
_أيوا بجا نفسك اتفتحت على الوكل دلوك ها، يلا اتفضلوا الأكل چاهز على السفر....
قطعت كلامها عندما أحست بحركة خفيفة عند الباب لتركض هي قبل أن تكمل كلامها فهي أدركت أن زوجها قد
عاد فذهب لاستقباله بشوق
استغرب عز الدين فعلتها ورفع حاجبه وقال
_الله، مالها داي!
مطت بهية شفتيها وقالت بضجر
_مفيش عرفت ان جوزها رجع فركضت عليه، مفيش فايدة فيها أبدا مش هتعجل وتركز إكده زي النسوان العاقلة.
ضحك عز الدين وقال
_وماله بس يا ماي، سبيها تحب زوجها كيف ما هي عايزة.
فتح حمزة الباب ليجد زوجته في وجهه تتطالعه بأعين تترقرق حبا واشتياقا
لتتسع ابتسامته ويبادلها النظرات العاشقة وقال وهو يقبل رأسها بحب
_نوارة جلبي وحياتي كلها، وحشتيني يا عمري كله!
ظلت لا تحيد نظرها عنه وقالت
_جوي جوي يا حمزة، كني كنت في صحرة لوحدي تايهة، ودلوك اول ما شفتك رجعت لعزوتي وناسي، ربنا يخليك ليا يا جلبي وأبو عيالي وحياتي كلها.
أتت بهية وقالت مدعية الضيق
_ما بكفياكي نحنحة يا نحنوحة انتي، وهملي چوزك يقعد حتى، بدل ما هو واجف على حيله إكده.
قبل حمزة يد أمه وقال
_كيفك يا ماي!
_أبخير بشوفتك يا ولدي.
لم تتحرك نوارة من مكانها وظلت ترمق زوجها بنظرات هائمة لتلكزها بهية في كتفها
_اتحركي يا مضروبة إنتي، إيه يا خواتي بنات اليومين دول المسهوكين على نفسيهم دول.
فتفيق نوارة وتقول بضجر
_يووه يا خالة، بلاش أحب زوجي ياعني.
_حبيه ياختي هو أني أكره إكده.
هتفت نوارة باستغراب وضيق
_طب إيه بجا!!
ابتسمت بهية وقالت وهي تلكزها ثانية
_يابت انا بنكشك، ربنا يسعدكم يا بتي، بس بلاش تندلقي علطول اكده قدامنا.
قبلت نوارة يد حماتها وقالت
_هو أني بعمل إكده قدام حد غريب يعني يا خالتي، ربنا يباركلنا فيكم يارب.
_ويبارك فيكي يابتي، يلا روحي ويا چوزك حضريله هدمته علشان يلحجنا على الوكل
ابتسمت نوارة وشبكت ذراعها بذراع زوجها وقالت بحب
_حاضر يا خالة.
اجتمع عز الدين مع أبوية على سفرة الغداء، لتهتف بهية بضجر
_اه ياني نسيت أجول لنوارة تصحي المصيبة اللي فوق، اللي لو سبناها نايمة هطبق لتاني يوم عادي.
ابتسم عز ونهض من فوره وقال بمكر
_سيبيلي أني المهمة داي، مش هعوق عليكم
تأخر عز الدين لمدة خمس دقائق فقط وعاد لمكانه بهدوء يتأكل طبق العسل خاصته
ليسمع الجميع صوت صراخ فاطمة من الأعلى وهي تصيح باسم أخيها عز
ضيقت بهية أعينها ونظرت لابنها باستغراب
_هو في إيه عملت في أختك إيه!
نهضت من فراشها وهبطت الدرج سريعا حتى سارت أمامهم وقالت بغضب وهي تشير لملابسها
_شااايف يابوي عمايل ابنك، والله دي ماهي تصرفات واحد عاقل أبدا.
انفجر حمزة الذي نزل لتوه مع زوجته التي شاركته الضحك أيضا على هيئة نوارة المبتلة بالكامل
ليقول حمزة
_يخرب بيت شيطانك يا عز، غرقت أختك إكده!
هتف عز ببرود
_مالك يا بنتي حد جيه يمتك!
صاحت به أخته فاطمة وقالت بحنق
_والله واللي انت عملته ده اسمه إيه
أجابها ببرود
_وأنا مالي انتي اللي عبيطة، وبدل تمسكي الفون بتاعك، مسكتي الحبل المتوصل بجردل المية فاندلقت فوقك، أنا إيه ذنبي.
ضربت فاطمة في الأرض بقدمها وهي ترمق أخيها بغيظ
لتهتف نوارة وهي تضحك لتخفف عنها
_معلهش يا فاطنة ، كان بيطري عليكي في الحر ديه، عديها.
نظرت نوارة لأخيها بتوعد ومن ثم صعدت مرة أخرى لتبدل ملابسها بأخرى غير مبتلة.
أما عيسى فقال لأخيه
_كبرت يا عز وعلى وش جواز ولسه بردك مش عايز تعقل وتسيب أختك في حالها.
ضحك عز وقال
_يا بوي الهزار ديه ملوش عمر ولا وقت معين، داي أختي ونور عيني إن ماكنتش أطلع عنيها مين هيعمل إكده قولي
رمقه حمزة بحنق
_لاه منطق جوي ياخوي، قولي يابني جواز إيه اللي بتحكي عنه ديه، قر يالا واعترف
نظر عز الدين لنوارة بضجر
_لحقتي سربتي الخبر يا نوارة، ماشي.
هتف حمزة بحزم
_ملكش صالح بنوارة، وانطق يابني وكيف أني آخر من يعلم!
_لا اول ولا آخر من يعلم ولا حاچة الموضوع كله لسه كلام، ادعي لأخوك انت بس لأحسن أنا جلبي متوغوش بسبب الموضوع ديه، رغم فرحتي بيه.
عسل مالح
أنهت تبديل ملابسها وهبطت مرة أخرى للأسفل، لتلحق بهم أثناء تناول الطعام
وما إن رآهاا عز حتى فتح أعينه على وسعهما وقال مازحا بغية أن يشاغب أخته
_يا سبحان الله انت مين يا بنتي هو انتي اللي كنت واجفة معنا إهنة من شوية!
رمقته فاطمة بضيق شديد وقالت
_ليه يعني، فيا إيه متغير!
_فيكي إيه! كنك مشفتيش وشك في المراية اول ما صحيتي من النوم! شعرك منعكش وواقف على حيله زي المجانين.
رمقته أخته بنظرة نارية وهي تجلس إلى جواره بصمت
ليميل نحوها ويهمس ساخرا
_عندي حق مش إكده مش عارفة تنطقي.
هتفت فاطمة بضيق شديد
_وربنا يا عز لو ما ستكتش لهزعلك أنا بس ساكتة عاملة حساب أبوي وأخوي، أما شعري المنعكش ديه فده بسبب عمايلك، قومتني مفزوعة بسبب الماية عايزه يكون كيف يعني!
ضحك عز على هيئتها المتبرمة والساخطة منه وقال
_اشربي عسل اشربي علشان شعرك المعجد ديه ينام.
قالها وهو يشرب الطبق الثالث من العسل
لتهتف فاطمة وهي تتحسس شعرها بغرور
_شعري كيرلي يا جاهل وديه الموضة اليومين دول إيش فهمك انت.
رفع هو شفته العليا غير مقتنع
_ياشيخة!!
لتهتف أمه باستنكار
_في إيه يا عز يا ولدي، ديه ثالث طبق عسل تشربه!
أخفض طبق العسل ووضعه أمامه والتفت لأمه باستغراب
_إيه ياماي وفيها إيه!
_فيها إنها إكده هتشبع يا ولدي، كلك لجمة تصلب بدنك وتقويك.
هتف عز متلذذا بالعسل
_أني لو فضلت طول عمري أگل عسل بس، هيكفيني وكفى بيه نعمة وزاد، ومعايزشي غيره.
_العسل مفيد يا ولدي مجلناش حاچة، لكن لازم اتنوع في الوكل علشان چسمك يستفيد.
قالتها وهي تضع جوزين من الحمام المحشي أمامه في طبقه
ليقسم عز الدين الحمامة نصفين ويبدأ في أكل نصف منها
_حاضر يا أماي، أهو يادوب أقدر أكل داي.
رمقته بنظرة حادة مغتاظة
_مش قلتلك هتشبع وهيسد نفسك!
ابتسم لأمه وقال بهدوء
_المهم الشبع يا ماي مش مهم كلت إيه ولا قد إيه، الحمد لله على النعمة، ربنا يجعله عامر يارب.
__
وصلوا إلى الطبيب وجلسوا جميعا في الانتظار وعندما حان دورهم
طلب أحمد من ابنه
_نبيل، أقعد مع أمك هنا لحد ما نخرج
الا أن فاتن نهضت من مكانها وقالت وهي تنظر له بإصرار
_لأ أنا داخلة معاكم جوا.
زفر بحنق وأشار لها بيده لكي تتقدم أمامه
وعندما هموا جميعا بالدلوف فاعترضت الممرضة طريقهم وقالت
_مش هينفع غير مرافق واحد للمريض يافندم
الا أن فاتن صاحت فيها وقالت
_هو إيه اللي مش هينفع غير واحد وبس، ابعدي كدا!
حاولت الممرضة منعها الا أن فاتن دلفت عنوة,
وعندما رأى الطبيب نادين تذكر مرضها فأشار للممرضة بأن تتركهم يدخلون
_خلاص مفيش مشكلة يا هبة، اتفضلي إنتي، أهلا وسهلا بحضراتكم.
جلست نادين وأبيها أمام الطبيب
بينما بقيت سمر وفاتن ونبيل على الاريكة الجلدية على جانب الغرفة
هتف الطبيب وهو يخرج الأشعة ليراها
_ها يا أنسة نادين عاملة إيه النهاردة؟
هتفت نادين بهدوء
_الحمد لله كويسة.
نظر الطبيب للأشعة والسونار ومن ثم التحاليل.
فتغير لون وجهه فما كان يتوقعه قد حدث فعلا
فصمت قليلا يرتب كلماته
ليهتف أحمد بخوف
_خير يا دكتور، طمنا.
بدأ الطبيب كلامه محاولا بث فيهم روح الصبر عند المصيبة فقال
_طبعا حضرتك يا أستاذ أحمد تعرف أن المرض والصحة كله بأمر الله وملناش يد فيه، وإن الصبر هو مفتاح العلاج، وربنا بشر الصابرين ووعدهم بالجنة، علشان كدا مفيش قدامنا غير اننا نرضي بقضاء ربنا ونصبر ونحتسب.
علمت نادين أن تلك المقدمة خلفها خبر بمثابة المصيبة لقلوبهم
أما أحمد فازدرد ريقه وشحب وجهه وقال وهو ينظر لابنته بإشفاق بينما يمسك يدها مشددا عليها، أما فاتن فكانت تجلس على أعصابها ويحيطها نبيل بيديه ليهدىء من روعها
_الحمد لله رب العالمين كل قضاء الله خير، بنتي مالها يا دكتور؟
هتف الطبيب متحاشيا النظر لنادين
_للأسف الانسة نادين مصابة بأورام في الثدي ومنتشر بشكل كبير في كلا الجانبين.
شهقات سمعت من الجميع شقت الصمت السائد في المكان ليرتفع صوت فاتن التي تركت مكانها وركضت لتسكن نادين بين ذراعيها وهي تقول ببكاء
_يا حبيبتي يابنتي، يا حبيبتي يابنتي.
حاولت نادين تهدئة أمها وقالت وهي تربت على كتفها
_ يا ماما أهدى لما الدكتور يكمل كلامه.
ليتحدث أحمد بألم ينهش في عظامه
_كمل كلامك يا دكتور، الورم ده حميد ولا حاجة تانية؟
أخفض الطبيب رأسه بأسف وقال
_للأسف التقارير اللي قدامي مش بتقول إنه ورم حميد، ويؤسفني إني أبلغ حضرتك إنه لازم نعمل عملية في أسرع وقت ممكن قبل الورم ما ينتشر في بقية الجسم.
علت أصوات بكاء فاتن وكذلك سمر أما نبيل فلم يستطع أن يكبت دمعاته هو الآخر
ليهتف أحمد بفجعة
_لا حول ولا قوة الا بالله، لله الأمر من قبل ومن بعد، عملية إيه دي يا دكتور!
ليهتف الطبيب بعملية شديدة
_استئصال، لازم نستأصل الجزء المصاب بأقصى سرعة علشان نحصر الورم ونقضي عليه
هنا لم تستطع فاتن التحمل
_إيه، لاااا بنتي حبيبتي
وسقطت مغشية عليها قبل أن تسمع المزيد من الكلمات
ترك الجميع ما في أيديهم وحاولوا افاقتها مع استمرار دمعاتهم التي تهطل كالشلال ويعلوا صوت نحيبهم،
إلى أن فاقت أخيرا وجذبت نادين إلى حضنها وهي تقول
_يا حبيبتي يابنتي، ان شاءالله أنا وانتي لا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لتهتف نادين بهدوء فهي الوحيدة التي لم تفزع من الخبر صحيح انها انصدمت عند سماعها بمرضها وحزنت، لكنها كانت متقبلة تماما ما يحدث معها
_بعيد الشر عنك يا ماما يا حبيبتي، الحمد لله لعله خير.
بعدها التفتت للطبيب وقالت بنفس راضية صابرة
_دكتور لو عملت العملية دي كدا الورم هيروح مش كدا، يعني كدا هخف من المرض ده؟
هتف الطبيب بأسى من أجلها فهو رآها تلك الفتاة القوية الصلبة
_أيوة طبعا نسبة الشفاء بالكامل كبيرة جدا بعد العملية، وكمان هنحتاج نعمل جلسات كيماوي وجلسات علاج طبيعي علشان نمنع انتشار المرض ونقضي عليه
هتفت نادين بجمود وقوة
_تمام يا دكتور أنا مستعدة إمتا نبدأ العملية!
تعجب الطبيب لقوة تلك الفتاة والصبر واليقين التي تحمله في قلبها فهتف بهدوء متمنيا في قلبه لها تمام الشفاء
_أول ما نعمل التحاليل المطلوبة وحضراتكم تجهزوا المصاريف لانها مكلفة شوية وتطلبوا نبدأ هنبدأ بس ياريت منتأخرش أكتر من كم يوم.
ليهتف أحمد على عجل وهو يأخذ نفسه بصعوبة من وجعه على ابنته
_لا هنعملها من بكرة الصبح أنا مش هستخسر في علاج بنتي حاچة لو هبيع الهدوم اللي عليا، المهم انها تخف وتكون كويسة، المهم أشوف بنتي قدامي بالصحة والعافية، المبلغ كام يا دكتور وأنا هحاول ادبره متقلقش، هدبره مهما كان
اقتربت نادين من أبيها وعانقته بعد ان انسلت من بين يدي أمها التي تنوح بوجع، وقالت
_يا حبيبي يا بابا ربنا يخليك ليا يارب، هكون كويسة بإذن الله علشانك وعلشان ماما وكل اللي بيحبوني أنا متأكدة، الحمد لله انها جت على قد كدا.
هتف أحمد بأسى وصوت مختنق
_الحمد لله الحمد لله على كل حال.
قال الطبيب من أجل أن يهون عليهم الأمر
_أهم حاجة في الشفاء هي الحالة النفسية للمريض ودرجة تقبله لمرضه، وأنا شايف الآنسة نادين اللهم بارك قوية وراضية، وده مؤشر قوى جدا انها تقوم منها بالسلامة، ربنا يشفيها ويعافيها يارب، ربنا بيبتليكم بيختبر صبركم علشان يعلي منزلتكم في الجنة فابشروا ان شاء الله خير.
غادرت نادين عيادة الطبيب وهي تمشي بين والديها الذين تمسكا بها وأبيا تركها وكأنهما يخشيان فقدها،
بينما سارت سمر خلفهما ومعها نبيل اللذان كانت حالتهما لا تختلف كثيرا عن حالة والدي نادين.
عادا للمنزل والصمت سيد الموقف، الجميع صامتون لكن داخلهم نيران تتأجج من اشتعال الحزن في قلوبهم، أصوات بكاءهم بلا استثناء يعلو في أرجاء المنزل.
وبدلا من أن يقومون هم بمواساة نادين، هي كانت من تواسيهم وتصبرهم
_يا جماعة في ايه بس ما أنا قدامكم اهو كويسة الحمد لله، ايه يعني مريضة ، الدكتور قال هعمل العملية وهرجع كويسة، أي نعم عملية صعبة بس هرجع معاكم من تاني ده مش كفاية!!
لتهتف فاتن بانهيار وهي تنظر لزوجها
_أنا مش مستعدة أخسر بنتي زي ما خسرت أمها بنفس الطريقة ونفس المرض، مستحيل!
أغمض أحمد عينيه فنفس السيناريو ونفس الشريط أيام مرض زوجته، يتكرر أمام أعينه ثانية ليعيش نفس المشهد بنفس قساوته ووجعه مرتين.
اقتربت نادين وربتت على ذراع أمها بحنان
_يا حبيبتي، كل واحد فينا له أجل، لو مكتوب ليا أموت هموت مش شرط بقا مريضة ولا صحيحة.
أخذتها فاتن بين ذراعيها وهي تقول بلهفة وبكاء
_لا بعيد الشر عنك، متقوليش كدا، هتعملي العملية وهترجعيلي بالسلامة، هترجعيلي يا نادين بالله عليكي متعمليش زي أمك، لأاا بالله عليكي يا نادين لو جرالك حاجة هروح فيها.
سقطت أدمع نادين فلم تستطع تحمل الموقف، رغم انها صابرة راضية الا انها لم تستطع ان تمنع ذاك الخوف الذي دب في أوصالها، فنحن بشر نصاب بالخوف مهما تظاهرنا بالقوة يعترينا أحيانا لحظات خوف وضعف وانكسار
ظل الجميع على وضعهم لبعض الوقت إلى أن أفرغ الكل كل ما في جعبته من دمعات حتى تعبوا.
حل المساء وتأخر الوقت فاتصلت سمر بأهلها لتخبرهم انها ستبقى هذه الليلة مع نادين فأمها منهارة تماما ولن تستطيع ان تلبي احتياجات المنزل ولا حتى الاهتمام بنادين.
بعد أن قصت حالة نادين سريعا على مسامع أمها وأخذت منها الاذن بالمكوث معها، نهضت لكي تعد لهم طعام العشاء ووضعته على الطاولة فلم يقترب منه أحد فلا شهية لأحد منهم
الا أن أحمد والد نادين قال
_أعمليلي كوباية شاي يا سمر من فضلك، راسي هتنفجر من الصداع.
نهضت سمر على الفور
_حاضر يا عمي.
شربها أحمد ثم نهض من مكانه وطلب من نبيل أن يسند أمه لغرفتها فهو يريد أن يتحدث معها عن كيفية تدبير المال وأوصى سمر بالاعتناء بنادين حالما يعود.
دلفت فاتن لغرفتها مع زوجها وأجلسها على الفراش
ليهتف أحمد بينما يخرج اوراقه الخاصة من دولاب ملابسه ويقول
_المبلغ اللي كنت عاينة لجهاز نادين، هضطر أستخدمه كله، وحتة الأرض الورث بتاع أختك قولي لأخوكي يشتريها ويبعتلك فلوسها بكرة ضروري، هو كان طالبها من زمان ومستعد يدفع نقدي كمان بس إحنا اللي كنا رافضين نبيع.
هتفت فاتن بلوعة فهي تود لو تستطيع ان تضحي بحياتها أيضا من أجل نادين
_وورثي كمان هبيعه علشان خاطر نادين بس تقوملي بالسلامة
ليهتف أحمد بيقين وأعينه تلمع أملا في الله
_هتقوم ان شاء الله نادين الحمد لله قوية ومتحملة وراضية، انما أمها اللي ضيعها الخوف والجزع وأنها مقدرتش تتقبل مرضها، شوفتي ازاي كانت في حالة فزع اول ماسمعت بمرضها، علشان كدا متحملتش والعملية فشلت وماتت، نادين ربنا يحرسها جدعة وراضية، ان شاء الله خير، وورثك لا سيبيه يمكن نحتاجه في الفترة الجاية محدش عارف بكرة فيه إيه، أنا هحاول أطلب قرشين كمان من أختي سلفة، والله المستعان.
أسرعت فاتن بالاتصال بأخيها الذي هو خال نادين وقصت له ما حل بابنة أخته فقال
_لا حول ولا قوة إلا بالله، كان على عيني والله بس انتوا لما رفضتوا تبيعوا الأرض، روحت اشتريت بكل الفلوس اللي معايا أرض تانية وخلاص هبدأ في البنا فيها ووالله ما معايا في جيبي ألف جنيه على بعض كله راح في مصاريف المقاولة والبنا وشرا الأرض.
أرخت فاتن يدها عن الهاتف بانهيار تام وقالت ببكاء
_سمعت أخويا قال إيه! هنعمل إيه وهنتصرف إزاي!!، بنتي هتروح مني يا أحمد لازم نلحقها وبأي طريقة.
هتف أحمد وهو يحاول أن يعصر رأسه بتفكير
_هنحاول نلاقي حل، في حل ان شاء الله، هكلم أختي أسألها.
اتصل احمد بأخته اعتماد وطلب منها أي مبلغ تقدر عليه من أجل عملية ابنته لكنه لم يخبرها أي عملية ستجريها فجاءه الرد
_ والله يا أحمد الفلوس اللي معانا كلها جبنا بيها جهاز لبسمة ولسه كمان محتاجين علشان نكمل شوارها، بقولك إيه حاول تاخد قرض من البنك بمبلغ العملية وأنا جايلاك بكرة أقولك على كل حاجة.
جلس أحمد جوار زوجته بهم وهو يضرب كفا بكف
_لا حول ولا قوة إلا بالله، الفلوس فجأة اتمنعت كدا مرة واحدة، انتي ياما أخوكي اتحايل علينا نبيع وهيدفع كاش، وأختي ياما قالتلي أخد الفلوس اللي معاها أعينها ليها بعيد عنها علشان متصرفهاش، وأديها أهي اتصرفت قبل ما تجيبها أعينها، كانوا فكوا زنقة دلوقتي.
ليزداد نحيب فاتن خوفا على نادين
طرق نبيل الباب ليشارك والديه في التفكير في كيفية تجميع المبلغ المطلوب ليقص عليه أبوه كل ما حدث ليقول هو
_بسيطة يا بابا نبيع الأرض لأي مشتري مش هتفرق المهم نجمع المبلغ
ليهتف أبوه بأسى
_حتى لو ده حصل مين اللي هيجيب لي المبلغ ده كله بكرة او حتى بعد يومين، هيجيبوا على الأقل في شهر او اسبوعين، واختك مش عايزين نتأخر على عمليتها، استحالة أخسر بنتي زي ما خسرت أمها، ياااارب دبرها من عندك.
أغمض نبيل عينيه بأسى وهو بات مستعدا ليفعل أي شىء ليساعد أخته لكن ما باليد حيلة بعد دقيقة قال
_بابا اكتبلي هنا أسماء الناس اللي تعرفهم اللي ممكن يشتروا الأرض وأنا هتواصل معاهم وربنا يسهل
هتف أحمد وهو ينظر لساعته
_بكرة الصبح ان شاء الله هتكلم مين دلوقتي الوقت اتأخر، يكون أنا كمان عصرت دماغي وافتكرت حد يديني المبلغ كامل.
تسائل نبيل باهتمام
_بابا هو سعر الأرض هيغطي تمن العملية!
رد أحمد بأسى
_لا يابني، دي حتة أرض صغيرة وكمان أرض زراعية مش مباني مهتجبش حاجة، كنت عامل على اني استلف من أختي ،بس الظاهر كدا هبيع الحتتين، بس ألاقي مشتري في الظروف الصعبة اللي بتمر بيها البلد دي
اقترب نبيل من أبيه ليهون عليه
_هتدبر ان شاء الله بابا، ربنا مبينساش حد.
__
في الخارج صنعت سمر لنادين ساندويتشا وكوبا من الحليب فهي لم تأكل شيئا منذ الصباح وقالت محاولة ان ترسم ابتسامة على شفتيها
_اتفضلي يا قمري، كلي ده علشان خاطري مش هينفع تفضلي طول اليوم كدا
أخذته منها نادين وهي تقول بهدوء
_متحرمش منك أبدا يا سمر
ضمت سمر شفتيها بأسى وقالت
_ان شاء الله هتخفي وترجعيلنا بالسلامة
تنهدت نادين بهم
_ان شاء الله
بعدها أنهت طعامها توجهت إلى المرحاض فتوضأت لتصلي وتتضرع لله لأن يشفيها ويخرجها مما هي فيه.

قمة الوجع😭
ردحذفبارت النهارده كان صعب جدا
ردحذفشي مولم بجد احساس انك تفقد حد شي صعب جدا الفراق وحش اوي
يا ربى على الوجع
ردحذفروعه ياقلبي ويارب نادين تعمل العمليه وتخف وربنا يشفي كل مريض يارب
ردحذف