رحيق العسل المالح بارت ١٢ للكاتبة أسماء عبد الهادي
حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي
الفصل الثاني عشر
فتحت باب الدار لترعى الطيور في العشة الموجودة في الباحة الأمامية للدار الصغير.
أنهت وضع الطعام للطيور وانتظرت إلى أن ينهوا طعامهم ؛حتى تحكم غلق العشة جيدا عليهم ومن ثم تدلف للدار مرة أخرى، وبينما هي كذلك إذ لاحظت حركة ما غريبة بين تلك الشجرة المزروعة جوار عشة الطيور والتي تلقي بفروعها فوق العشة مباشرة، اقتربت من الشجرة رويدا وبحرص شديد لتبصر ماذا هناك، وإذا بها تجد يدا غريبة تمتد نحو فمها تكمكمه بقوة، ففتحت أعينها على وسعها بزعر شديد، بعد أن دب الخوف في أوصالها وخارت قواها وكادت تتحول قدماها من الصلابة إلى الليونة فلم تعد قادرة على حملها، في تلك اللحظة شل عقلها عن التفكير في أي حل سوى الزعر، الزعر فقط.
لكنها سرعان ما سمعته يقول
_أنا هشيل يدي وحسك عينك أسمع خشمك، والا هطخك عيارين يصفوا دمك، مفهوم!
من شدة خوفها لم تستطع التعرف على الصوت وكل ما فعلته هي انها أصدرت همهمة خافتة وهزت رأسها بطاعة
بدأ يبعد يده رويداً لتبتعد هي سريعا عنه، تحاول اللوذ بنفسها لكنه أمسكها من يدها قائلا بحدة
_تعالي إهنة، رايحة فين!
رفعت يدها لتبصر ذاك الحرامي كما كانت تعتقد، لتجده هو فتجفل مكانها وتقول بصوت حاد غاضب
_ هو انت؟ بعد يدك داي عني، وقولي چاي إهنه ليه وعايز إيه؟ بعد عملتك الشينة داي في أخوي، امشي غور من إهنه.
أحكم قبضته على عنقها وهو يقول بتحذير
_ اوعاك تغلطي تاني وإلا هخلص عليكي دلوك ولا يبانلك صحاب.
حاولت هي التملص من قبضة يده على عنقها وهي تقول بخوف
_بعد عني انت جاي إهنه ليه وعايز ايه؟
أجابها رامقا إياه بوجه حاد غليظ ومخيف
_اخفضي صوتك معايزش حد يحس بالحديت اللي هقوله ليكي.
أجابت بنفور وهي تهم بالرحيل من أمامه
_لا إحنا مفيش أي حديت بيناتنا، روح لحال سبيلك يا واد عمي.
ليقبض هو على حجابها بقوة حتى كاد يخلعه في يده
_اقفي أهنه يا بهيمة واسمعي أني چاي أقولك ايه.
حاولت هي إعادة لف حجابها وقالت بقهر
_قول وخلصني يا واد عمي، ياللي جاي تتشطر على الحريم.
رد فظاظة
_قولتلك، بلاش تغلطي علشان أني زعلي عفش جوي، وأظنك شوفتي اللي حصل لأخوكي خالد لما زعلت منيه.
تمتمت هي ببغض شديد له وقالت
_حسبنا الله ونعم الوكيل فيك، ربنا ينتجم منك.
ليهتف هو قائلا بجدية، فهو لم يسمع ما تمتمت به
_اسمعي خليني أعاود من موطرح ما جيت أنا هقولك ايه.
نفخت بصوت مسموع ووقفت تنتظره لأن يتحدث علها بذلك ترتاح من وجوده المنفر ذاك
ليقول بتساؤل ماكر
_مين اللي كنتي واقفة معاها في السوق النهاردة؟
رفعت حاجبها باستغراب وقالت
_كنك بتراقبني كمان، انت عايز مني إيه؟
أجابها مقتربا منها بأعين دنيئة وهو ينظر لها بنظرات غير مريحة من رأسها لأخمص قدمها
لتبتعد هي بخوف فيقول هو بفحيح كالحية
_أني لو عايز منيكي حاچة هاخدها وقت ما أحب.
ازدردت ريقها بارتياع من تلميحاته الغير مطمئنة وأنى لها من التصدي لمثله.
ليهتف هو مدعيا الجدية بعد أن وجّه لها رسالة غير مباشرة بأنها ليست بمأمن منه وأنها قد لا تسلم من شره وفي أي وقت شاء.
_بس لا أني مش هعمل أكده، انتي مهما كان بنت عمي بردك، أني يا بت عمي كنت ماشي إكده في مشوار تقضية مصالح، فشوفتك واقفة مع البت أخت راضي داي، وواحدة كماني أني اول مرة أشوفها.
أجابت بأسنان تصطك ببعضها، خوفا على فاطمة هي الأخرى من جلال وشره
_مالك بيها سيبها في حالها.
أجابها هادرا بحدة
_لما أسالك سؤال تردي عليا زين يا بت عمي أحسنلك، وبعدين متخافيش أني مش رايد منيها حاچة عفشة، هي عجبتني ورايد اتچوزها على سنة الله ورسوله.
هتفت باستنكار
_من أول مرة تشوفها فيها عايز تتچوزها!
هتف بلا مبالاة
_وإيه يعني، أني راچل وأعمل كيف ما بدي، المهم كل اللي أني عايزه منيكي إنك تچبيلي أصل وفصل الحرمة داي، يعني بتحب إيه وايه اللي بيعچبها، ومش بس إكده، أنا عايزك تصاحبيها وتكوني زي كاتمة أسرارها إكده.
هتفت زهرة بامتعاض شديد من كلامه
_وليه كل ده؟ رايدها روح اطلبها من أهلها وعلى سنة الله ورسوله وانت تعرف كل ديه لوحدك وبسهولة.
كشر بوجهه وقال غاضبا
_ملكيش صالح انتي يا بهيمة، كل سبوع هأجي أخد أخبارها منيكي وياويلك لو معملتيش اللي هقولك عليه.
أجابته بابتسامة متشفية
_هي أصلا من إهنة ورايح مش هتقعد إهنه هتسافر القاهرة وهتقعد إهناك.
تبرم وجه جلال بضيق فخطته ستفشل هكذا، صمت قليلا ثم قال وهو يحك شاربه بمكر فهو ينوي التوجه إليها هناك إن أمكن
_وماله ، أعملي انتي اللي قلتلك عليه في الفترة اللي هي فيها إهنه وحسك عينك حد يشم خبر باللي طلبته منيكي، ساعتها هتلاقي رقبة أخوكي هي اللي مكسورة، وزي ما شفتي محدش قدر يفتح حنكه معايا بكلمة.
قالها وتركها ورحل من حيث جاء، لتتابعه هي بعينها ببغض شديد، لتدمع أعينها بقهر وقلة حيلة ومن ثم تدلف إلى فرشتها وتنام بغلب.
فما أقبح الفقر حين يصحبه قلة الحيلة والهوان على الناس، وما أبشع الفقر حيث يمثل عجزا لصاحبه.
__
بعد يومان عاد ذاك العريس المتقدم لسمر ثانيا وهذه المرة أحضر لها خاتما جميلا لتعبير منه على أنه يريدها بالفعل، وأنه يؤكد على رغبته في الزواج بها، ووسط إصرار أهلها عليها بذلك، ووسط ذاك التخبط التي هي به وكمدها من أجل صديقتها، وليقينها بأن نبيل ليس لها يوما، وافقت.
وافقت على من أرادها وحاول أن يظهر لها الحب، وكأنها تطبق المقولة المعروفة بالعامية المصرية" خد اللي يحبك، متأخدش اللي تحبه"
فرضيت بالأمر الواقع وخاصة انها تثق في قرارات والديها، ومر أمر خطبتها على خير، فارتدت الخاتم بهدوء وفي أجواء عائلية بسيطة، مراعاة لتعب نادين التي أصرت على سمر ألا تُوقِف حياتها من أجلها وباركت لها الخطبة باتصال منها وهي تقول بفرحة
_مبروك يا حبيبتي، والله بدعي ربنا أنه يكون الزوج الصالح ليكي، وإن مكانش كدا يبعده عنك قبل فوات الأوان.
بكت سمر بحزن وقالت
_الله يبارك فيكي يا حبيبتي، كان نفسي ده يحصل في ظروف أفضل وانتي جنبي وسنداني زي عادتك.
بكت نادين تأثرا هي الأخرى
_أنتي اللي علطول جنبي وسنداني، ولولاكي بعد ربنا ،أنا مكنتش زي ما أنا دلوقتي ،ربنا يهنيكي يا حبيبتي.
__
حان الموعد لأن يسافر عز وأخته فاطمة إلى شقتهما في القاهرة من أجل الدراسة فها هي الجامعات تفتح أبوابها أمام الطلبة والطالبات من جميع أنحاء مصر بل وخارج مصر أيضا لتلقي العلم بين جنباتها وفي أحضانها، وأيضا حان وقت توديع الأحبة بشوق وحنين.
كما استعدت نوارة أيضا للذهاب معهم بصحبة أبناءها وزوجها، الا أن حمزة اشترط عليها المكوث هناك يوما واحدا بليلته فوافقت مرغمة على ذلك.
قاد عز السيارة بأخته
بينما حمزة قاد سيارته بزوجته وأطفاله، فنوارة سعادتها ليس لها مثيل.
وصلوا جميعا للشقة لتطالعها فاطمة باهتمام ولكن سرعان ما عبست لتقول بضيق
_ايه ديه أنا هقعد في الزريبة داي!
طالعها عز بحنق
_الشقة اللي مش عاجباكي داي أحسن مليون مرة من أفضل سكن طالبات ممكن تسكني فيه، فاحمدي ربنا ومش من أولها ها!
ابتسم حمزة لأخته وقال موجها كلامه لعز
_داي صدمة البدايات بس، تلاقيها كانت راسمة في راسها شكل وتصور تاني خالص عن إهنه، وهتأخد بسرعة على الوضع متقلقش.
أما نوارة ما ان حطت بقدمها على أرضية الشقة حتى تحركت من فورها تنظف المكان من الأتربة والغبار وهي تقول بضيق
_ده إيه كل التراب ديه يا عز انتوا مكنتوش بتنضفوها ولا إيه!
ضحك عز الدين وحك مؤخرة رأسه وقال
_ شقة وكان ساكن فيها اتنين شباب عايزاها تكون كيف يعني؟ إنتي تحمدي ربنا إننا كنا بنضفها من فترة للتانية أصلا، وبعدين داي مقفولة بقالها أكتر من أسبوعين، عايزاها كيف يعني!
لتهتف هي بينما تقذفه بشرشف الطاولة فتلقفه بسرعة
_طيب ومن غير كلام إكتير الكل يساعدني علشان ننظفوا المكان أني مهقدرش أجعد أكده بحالتها داي.
لتهتف فاطمة بتبرم مشبكة ذراعيها أمام صدرها
_إيديكي بتأكلك على النضافة جوى! ده إحنا لسه تاوك واصلين وحيلنا مهدود ننضفوا إيه! خليكي لبكرة، ربنا يحلها.
لتصيح بها نوارة وهي تقول
_إياك أسمع اعتراض يا فاطمة، الكل هيشتغل بدون استثناء حتى حمزة چوزي، عايزين نشهلوا أوام أوام علشان ننام مرتاحين.
نظرت فاطمة لأخيها بغيظ، ليومىء لها بأعينه بأن تسمع ما تقوله نوارة وتفعله، فتنهدت فاطمة ومن ثم تحركت من مكانها تنظف المكان بضجر شديد.
وقفت نوارة على رأسهم جميعا إلى أن انتهوا من كل شىء سريعاً وبعدها ارتمى الأخوة جميعا على الاريكة بتعب، لتذهب نوارة وتفرغ الطعام التي جلبته معها في الأطباق والتي قد أعدته لهم سابقا في البلدة ووضعته أمامهم وهي تقول
_يلا كلوا بالهنا والشفا، علشان ندخل كلياتنا نريح من السفر وبكرة الصبح من النجمة ننزل نتفسح يا حمزة ها!
ابتسم بها حمزة بخفوت وتعب
_أيوة طبعا إن شاء الله.
ليهتف عز الدين بلهفة للقاء نادين
_روحوا انتم واتفسحوا واستمتعوا بوقتكم وفاطمة معاكم، وأنا هروح الجامعة أكده أجيب الجدول وأشوفلك النظام يا فاطمة وهقولك.
هتفت فاطمة بلا مبالاة فالمهم عندها الآن أن تذهب مع أخيها للاستمتاع بوقتها.
_ايوة ايوة شوفلي انت النظام إهناك.
تناول الجميع طعامهم ثم خلد الجميع في النوم.
__
في اليوم التالي كان الجميع متحمساً للخروج لكن كان لعز سبب آخر لتحمسه وهو مقابلة نادين بالطبع.
في الجامعة
جال في وجوه الفتيات جميعهن يبحث عنها بينهن لكنه لم يستطع أن يلمحها ،كاد اليوم الأول أن ينقضي، بل إنه بالفعل انقضى ولم يبصرها البتة ولا حتى صديقتها سمر، علل الأمر أنهن ربما لا تأتين أول أيام الدراسة كعادة معظم الطلبة، ظل يبحث عنها في اليوم التالي والذي يليه لكن لا وجود لها هناك.
في ذاك التوقيت غادر حمزة بأسرتة الصغيرة عائدين إلى بلدهم، والفرحة تعلو ثغر نوارة فحمزة لم يدخر جهدا في إسعادها و عمل كل ما تحبه وتريده.
وفي اليوم الرابع تحديدا، أخيرا ظهرت سمر أمامه والتي قررت أن تحضر محاضراتها وتلتزم من أجل مساعدة نادين حين ينجلي مرضها؛ حتى لا تضيع عليها تلك السنة الدراسية هباءا.
توجه نحوها من فوره وقال بلهفة وقلبه يهفو إلى عسله، بأشواق تتدافع، فلا تبرح أن تتجدد
_سمر، إزيك؟ كل سنة وانتي طيبة.
تفآجئت سمر بوجوده أمامها، فهي لم تضع في حسبانها مقابلته، أو أمر نادين أنساها ذاك الأمر بالفعل، لذا ردت باربتاك
_ اا، أهلا يا عز.
هتف عز بحرج واعتذار
_ معلش أنا أسف أني وقفت كدا في نص الطريق ،بس أنا كنت عايز أسألك عن نادين، مش ظاهرة من يوم ما الدراسة بدأت
ابتلعت سمر ريقها بتوتر وقالت
_اه، نادين فعلا مش حضرتك الأسبوع ده.
هتف بلهفة وحماسة
_طيب معلش أنتي أكيد معاكي رقم باباها، ممكن تعطيهوني من فضلك، إنتي أكيد عارفة إن غرضي أني أتقدم لها رسمي وكدا.
فتحت سمر فمها بتوتر وارتباك شديدين وحاولت أن تبحث عن سبب لتخبره إياه لذا قالت
_اه، بس نادين سافرت!
هتف بوجه مصدوم
_ايه سافرت فين!
لترد سمر وقد عجبتها تلك الكذبة
_اه ايوة سافرت مع كل أهلها، محدش فيهم هنا ، باباها جاله شغل برا وقرروا يقضوا فترة معاه هناك، فأنا شايفة انك تستنى لما يرجعوا.
أعاد عز الدين يده إلى جواره بخيبة شديدة وضغط عليها بضجر
_يادي الحظ، الله المستعان.
هتفت سمر بتوتر
_معلش هي الظروف اللي جت كدا.
طالعها عز الدين ووجهه يعلوه الهم والضيق الشديد ومن ثم اعتذر لها وغادر، لم يبتعد عنها فحسب وانما خرج من الجامعة بأكلمها وصعد لسيارته ليركبها بغم ومن ثم قادها إلى شقته، وفي منتصف الطريق تذكر أخته التي ربما هي تنتظره الآن فقاد سيارته بأقصى سرعة، عائدا مرة أخرى إلى الجامعة.
ليجدها تنتظره في مكانهما المتفق عليه هناك، فوقف بسيارته أمامها، فركبت على الفور
لاحظت هي صمته وعبوسه فسألته
_عز مالك إكده ضارب بوز،انت اتعاركت مع حد ولا إيه؟
أشار لها عز بإصبعه الذي وضعه أمام فمه، لأن تصمت ففعلت لأنها تعرف أخيها جيدا عندما يغضب
الحياة كالمد والجزر، ليست كلها صبر دائم ولا جزع دائم، قد ينجلي شاطىء الصبر حين يكون الجزع هو المسيطر، أما ان تمسكت بقارب الحب والأمل فستنجلي غيوم قلبك المعتمة.
كانت نادين متمسكة بذاك القارب جيداً، فهو قارب نجاتها الوحيد مما تمر به ،لكن ما إن أخبرتها سمر بشأن سؤال عز الدين عنها، وهو الأمر الذي تتهرب منه ويؤرق عليها حياتها، حتى حزنت بشدة وقالت والدمعات تترقرق في أعينها
_برافو عليكي يا سمر، خير ما عملتي، عايزاكي لو سألك عليا بعد كدا تاني تقوليله ينساني خالص واني مش هرجع تاني.
حزنت سمر لقول نادين وضمت شفتيها بأسى
_ليه يا نادين بتقولي كدا! انتي ان شاء الله هتخفي وهترجعي زي الأول وأحسن كمان، وساعتها ترجعوا لبعض من تاني، أنا قلتله ينتظرك لما ترجعي من السفر، تكوني خفيتي بالسلامة.
حركت نادين رأسها بخفوت وقالت وهي تنظر لهيئتها بالكامل في المرآة أمامها
_أنا مش هكون أنانية يا سمر، انتي شايفة الوضع عامل إزاي، ليه أخليه ينتظر لأجل غير مسمى, الله أعلم هيستمر قد إيه، علشان كدا بقولك قوليله ينساني يا سمر، أنا وعز الظاهر مش مكتوبين لبعض.
اقتربت منها سمر ووضعت يدها على كتفها برفق
_نادين أنا ليه شايفاكي بدأتي تستسلمي كدا!
_لا يا سمر أنا كل الحكاية إني متفهمة الوضع اللي أنا فيه كويس، ومبحبش أبدا أبني أحلام وردية لحاجات مش ممكن تحصل في الحقيقة وبالتالي أتعب أكتر، عز إنسان طيب ويستاهل كل خير، علشان كدا مش عايزاه يضيع حياته في انتظاري، خليه يعيش حياته وينبسط، وصدقيني أنا هكون فرحانة ليه جدا.
طالعتها سمر بأسى لتهتف نادين بدموع جرت على خدها كالشلال
_اعملي اللي بقولك عليه يا سمر.
بكت سمر هي الأخرى وقالت
_طب إنتي بتعيطي ليه دلوقتي؟
هتفت نادين مدعية الجمود
_عادي يعني لما أبكي، ماهو أنا لو مبكتش ممكن أنفجر يا سمر، سيبيني أخرج كل اللي جوايا على هيئة دموع يمكن ارتاح.
احتضنتها سمر بقوة وظلت الفتاتان على وضعهما لبعض الوقت إلى أن رأت سمر أن نادين بحاجة للراحة، فساعدتها على النوم ودثرتها جيدا في فراشها، ومدت يدها مسحت تلك الدمعات العالقة بين أهدابها.
وقررت العودة لمنزلها والعودة لنادين في اليوم التالي
__
كانت تجلس مع نبيل بشرفة المنزل المفتوحة على الردهة
تشرب العصير التي صنعته بنفسها لها ولنبيل بطلب من أمها لأن تقوم بذلك، وقالت باستمتاع عجيب
_نبيل تعرف إني فرحانة النهاردة أوي.
كان نبيل شاردا ينظر أمامه يشاهد المارة لكنه لا يبصر منهم شيئا فتفكيره منصب على أخته وتبدل حالتها للمرض بتلك الطريقة وفي غمضة عين.
لذا قالت بسمة بإنزعاج
_نبيل أنا بكلمك!
التفت إليها نبيل وقال بتيه
_ايه يا بسمة معاكي.
لتهتف بسمة راسمة على وجهها ابتسامة مرتاحة
_تعرف إني ارتحت أوي لما سمعت ان سمر اتخطبت.
انتفض نبيل في مكانه ونظر لبسمة بإنزعاج
لتهتف هي بخبث كي تُوقِع بين سمر وأهل نادين فهي يغيظها حبهم لها
_بصراحة أنا مشفتش في بجاحتها أبدا، وقال إيه عاملة إنها بتحب صاحبتها وقاعدة معاها ليل ونهار، وهي رايحة تتخطب وتلبس دبل وتعمل حفلة في الظروف دي، لو كان عندها دم كانت استنت على الأقل لما نادين تخف شوية من اللي هي فيه، لكن نقول ايه.
قالتها كلماتها التي أشعلت فتيل النار والغضب بداخل نبيل والذي لا يدري سبب غضبه بهذا الشكل، وبعدها استمعت لأمها تناديها كي تغادرا عائدتين للمنزل
_ بسمة، يلا علشان ماشين.
نهضت بسمة من مكانها مسرعة دون حتى أن تودع نبيل، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة كي تغادر
_حاضر يا ماما، حالا جاية.
أما نبيل فظل متسمرا في مكانه وقسمات وجهه المتعكر مما سمعه ظاهرة جليا على محياه.
وما هي إلا دقائق منذ أن غادرت عمته ومخطوبته، حتى شاهد سمر تخرج من غرفة نادين متوجهة نحو خارج المنزل فانتظرها إلى أن خرجت من البيت ولحق هو بها على الدرج.
كانت تهبط هي بهدوء لتسمعه يقول بعصبية مفرطة
_سمر استنى عندك.
التفتت له لأنها عرفت من مصدر هذا الصوت، واستندت بيدها على ترابزين الدرج وقال بهدوء
_ نعم يا نبيل، خير في حاجة؟
نظر هو لما في يدها وقال بغضب وساخرا في نفس الوقت
_هيه! انتي اتخطبتي مبروك، مش كنتي تقوليلي علشان أباركلك أو أحضر الخطوبة كمان بنفسي أنا ونادين!
ارتبكت سمر وحاولت اخفاء ذلك الخاتم الذي يزين إصبعها، فهي أدركت أنه استاء لفعلتها في تلك الظروف وهذا الأمر التي كانت تخشاه حقا، لذا قالت على عجل كي تغادر
_الله يبارك فيك ،عن اذنك أنا لازم أمشي علشان اتاخرت.
ليوقفها هاتفا وهو على نفس نبرة الاستهزاء
_ويا ترى نادين تعرف بالخطوبه دي! انا مش فاهم جالك قلب ازاي تعمليها وصاحبتك في الوضع ده, انت ايه معندكيش دم ولا ما بتحسيش!.
احتقن وجهها إثر سماعها لتلك الكلمات المهينه منه
لذا قالت بغضب
_ نبيل ايه الكلام الفارغ اللي انت بتقوله ده ،طبعا نادين تعرف كل حاجة وموافقة عليها كمان، ومش هاقولك ان هي اللي شجعتني أعمل ده، انت ايه مشكلتك.
قال على نفس هيئة الغضب التي هي عليها
_ طبعا كانت هتوافق وطبعا كانت هتشجعك ،أُمال عايزاها تقول لك ايه! العيب من عندك انتي، انت لو كنتي صاحبتها بجد زي ما بتدعي مكنتيش ابدا هتقدري تفرحي وهي في الحالة دي، لكن انتي بنت أنانية مش بتحبي الا نفسك وما يهمكيش أبدا ظروف ولا أحوال غيرك حتى لو كان الشخص ده هو أعز اصدقائك ،وممكن كمان باللي عملتيه ده تكوني وجعتيها أكثر، لأ وعلطول داخلة طالعة عندها وبتشوف الدبلة في إيدك أكيد بتموت في اليوم ألف مرة، للأسف إنتي خيبتي أملي فيكي ومكنتش أتوقع أبدا انك تعملي ده.
اتسعت أعين سمر ومن ثم قالت وهي تبكي حزنا بسبب كلامه الذي لم تتحمله هي، فهي بالفعل لم تكن تريد تلك الخطبه وفي ذلك التوقيت لكن أهلها من وضعوها أمام الأمر الواقع ولم يكن بيدها شيئ لتغير ما يحدث لذا كانت كلمات نبيل شديدة جدا عليها ولكنها قالت وهي مغتاظة من افتراءه عليها
_ انا مش بادعي اني بحب نادين ،لأني فعلا بحبها أكثر من نفسي وربنا اللي يعلم، ومش هارد على كلامك اللي كله افترى عليا ده، لكن هقولك حاجة واحدة أنت لو هتعتبر إني أنانية زي ما انت بتقول فأنت كمان أناني، في الوضع اللي أختك فيه ما زلت لسه بتخرج مع سمر، ما زلت لسه بتزورها في البيت وبتمارس حياتك عادي جدا، ليه جاي تلومني أنا علشان مارست حياتي عادي أنا كمان!! ورغم خطوبتي كانت على الضيق جدا مجرد لبسنا دبل وبس.
قال هو بانزعاج شديد فخرجت كلماته قاسية
_ ايه ما لك انت زعلت ليه! هو انا كلامي وجعك للدرجة دي؟ مش كل كلمه انا بقولها حقيقية! يا ريت تظهري على حقيقتك لأن خلاص حقيقتك انكشفت قدامي،اللي هي إنك واحدة حقودة وغيورة من اختي وأول ما شفتيها وقعت حبيتي تكملي عليها مش كده!
لم تستطع سمر تحمل كلماته فنزلت دموعها تهطل كأمطار غزيرة في يوم قارس البرودة وقالت
_ مش حقيقي الكلام اللي انت بتقوله ده ربنا وحده اللي يعلم نادين بالنسبة ليا إيه، وإني بتمنى ليها الخير من كل قلبي، فلو أنت شاكك في ده فدي مش مشكلتي، المشكلة عندك إنت، واوعدك إنك مش هتشوف وشي في بيتكم ده تاني أبدا، أما نادين أنا مش هتخلى عنها علشان تفكير عقيم زي تفكيرك، وهفضل أدعمها وأتواصل معاها فون ومش هسيبها ابدا.
قالت كلماتها تلك وهي بحالة منهارة جدا ثم هبطت الدرج ركضا بل طوال الطريق المؤدي الى بيتها حتى وصلت إلى غرفتها وارتمت على فراشها وهي تبكي بتأثر شديد وبحرقة كبيرة لتأتي أمها وتقول بخوف عندما تراها على تلك الحالة
_ سمر في ايه؟ نادين جرى ليها ايه؟ طمنيني بالله عليك.
لم تجد أمها منها أي رد
لذا أعادت أمها سؤالها مرة أخرى
_ سمر انت كدا وقعت قلبي على نادين، طمنيني بالله ايه اللي حصل لها؟
اعتدلت سمر في جلستها وقالت وهي تنظر لأمها رغم انها لا تراها جيدا بسبب كثرة دموع عينيها
اطمني يا ماما نادين كويسة الحمد لله
رمقتها أمها بتعجب
_ الله طب، إنتي بتعيطي ليه كده بقا؟
حاولت سمر تهدئة نفسها من كلمات نبيل الموجعة وقالت لأمها مخفية الحقيقة
_ ابدا يا ماما أصلها صعبانة عليا وانا ما اتحملتش اللي بتمر به ربنا يكون في عونها يا رب.
تنهدت امها وقالت و هي تدعو لها _لا حول ولا قوه الا بالله ربنا يعافيها ويعفو عنها يا رب ويخفف ألمها ويزيح عنها ان شاء الله، معلش يا بنتي لازم تكوني أقوى من كده علشان تدعمي صحبتك مش تتعبيها أكثر، بلاش تعيطي كده قدامها أو تظهري انك حزينة حاولي تتعاملي زي ما كنت بتتعاملي معاها زمان اوعي تخليها تشوف نظرة الشفقة او العطف في عينيك علشان اللي زي حالتها دول مش بتحملوا نظرة الشفقة دي ابدا، بتكون موجعة قوي بالنسبة ليهم
أخرجت سمر تنهيدة حارة وقالت بوجع
_حاضر يا ماما ان شاء الله.
اقتربت منها أمها وضمتها لصدرها وهي تقول
امسحي يا حبيبتي دموعك ويلا قومي غيري هدومك، ؤانا هقوم أحضراك العشا.
في اليوم التالي
حاولت سمر تجاهل ونسيان ما قاله نبيل في حقها، فهي مهما حدث لن تترك صديقتها أبدا وخاصة وهي في تلك الظروف.
لذا ارتدت ثيابها وقررت الذهاب إلى الجامعة
هو في أثناء فتره الراحة بينما كانت تجلس مكانها في المدرج لم تتحرك كبقية زملاءها ،بل كانت تفكر في نادين، اذ وجدت عز الدين أمامها وهو يقول
_ سمر معلش من فضلك هاخذ من وقتك ثواني, ممكن أسيب معاكي رسالة توصليها لنادين لو سمحتي ؟
حركت سمر رأسها بمعنى نعم
فقال هو بصدق استشعرته سمر في حديثه
_ممكن تقولي لها اني هافضل منتظرها طول العمر, انا بعت لها الكلام ده على فيسبوك بس اعتقد ان هي مش بتفتح او ده اللي اعتقده يعني ،فاتمنى تبلغيها كلامي ويا ريت لو جالي اي رد منها تبلغيني بيه، أنا أسف لو كنت بازعجك بس ما فيش طريقه تانية للتواصل معاها غيرك، أنا أسف مرة تانيه للإزعاج.
هتفت سمر بهدوء
_ لا، لا إزعاج ولا حاجة ,حاضر هبلغها بكل اللي بتقوله ان شاء الله.
شكرها عز الدين وابتعد من أمامها ليلحق بصديقه الذي كان ينتظره على إحدى الطاولات بساحة الكلية
وما ان رآه أحمد حتى قال مازحا
_اه ياني علي اللي بيحصلي من غيرك يا عز ،أنا متبهدل من غيرك ،بقى كده تبيعني عشان خاطر أختك وتسيبني مع العيال القلاديش دول! خليني كدا قاعد أنوح وأقول يوم من أيامك ياعز.
كان احمد ينتظر من عز الدين ان يضحك على كلامه لكنه لم يفعل
لذا قال أحمد بجدية
_ عز مالك شكلك متضايق ومهموم ليه؟
تنهد عز بحزن وقال باقتضاب
_ مفيش حاجة متاخدش في بالك.
ليرد احمد بحنق
_ ما فيش حاجه ده ايه يا راجل أمال، بوزك دي إيه، قر واتكلم في ايه!
هتف عز الدين شاردا في تلك التي أرقت عليه نومه با وأصبحت هي بطلة احلامه والسراج المنير لنوافذ قلبه
_العسل بتاعي مدوخني قوي ومش عارف أراضيه فين ولا أتلم عليه منين! كل لما أقول اني خلاص قربت منه وهمسكه بين ايدي ألاقيه أتحول لميه ويفلت من بين صوابعي، كل لما أقول قربت لحلمي خطوة ألاقي الحلم يبعد لآلاف الأميال مبقتش عارف أعمل إيه.
قال أحمد بجديه لكي يهون عليه
_ مهي سمر قالت لك أنها مسافرة يا ابني ومسيرها ترجع يعني هي هتروح فين؟ وإن شاء الله أول ما ترجع تكلم باباها دغري، اطمن كل تأخيره وفيها خير، ربنا يجعلها من نصيبك ان شاء الله.
قال عز الدين بخوف يغزو قلبه
_خايف تروح مني خايف ما تكونش من نصيبي، ساعتها هحس إن قلبي انشق نصين .
ليضع أحمد كفه يده على أرجل عز الدين ويربت عليها قائلا
_تفاءل خير يا صاحبي تفاؤل خير.

روعه تسلم ايدك
ردحذفروعه
ردحذفابدااااع ياسيمو
ردحذفجميله جدا
ردحذفهي نادين هتعيش في الوجع ده كتير
ردحذفبارت جميل جدا احسنتى حبيبتي
ردحذفاحسنتي ياقلبي♥♥♥♥♥
ردحذف