رحيق العسل المالح الجزء الثاني بارت ٦

 حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي 




البارت السادس 
من الجزء ٢
لم تهتم بحمزة ولا بشكله ولا بتعدد صفاته والتي توسمت فيه خيرا منذ أن رأته وأستمعت لكلامه، ولم تهتم أيضا بأنه متزوج ولديه أطفال، بل ما أثقل كاهلها هو أنها كانت تخطط لأن تخبره أن جوازهما يبقى على ورق فقط، فهي لا تتخيل نفسها أن تكون زوجة لغير عز الدين، لذا كانت الفاجعة بالنسبة لها أن يخبرها أنها ستكون زوجة حقيقة، الأمر الذي لم يكن في حسابنها ولم تتحمله، لذا شعرت بالإختناق وبدأت تسعل بشدة، تفاجىء حمزة بما حدث لها وانقلاب حالها هكذا، فتقدم منها بسرعة يسألها بخوف مابها، ليأتي أبيها وعيسى على صوت سعالها، بينما يركض نبيل الذي يجلس مع بهية بسرعة ما إن رأي أخته تختنق هكذا.
ليهتف أحمد بسرعة موجها حديثه لابنه
_بسرعه يا نبيل ادخل اوضه اختك هتلاقي علاجها جنب السرير  .
ليهتف حمزة بارتباك فهو يعرف انه السبب في تعبها
_أنا آسف ياعمي ،مكنتش اقصد اضايقها .

كان أحمد متفهما حالة ابنته جيدا لذا هز رأسه بابتسامة خفيفة بمعنى أنه لا عليك.
__
أما في المطبخ وعندما جلست سمر بهم جوار فاتن، كانت فاتن صامتة لا تتفوه بشىء ولا يصدر عنها أي حركة غير أنها تسند رأسها بيدها بشجن، ولكن فجأة اعتدلت برأسها سريعا ونظرت لسمر بفزع وقالت
_ ياربي، نسرين واعتماد جايين بعد شويه خايفه يعرفو الحكايه .
خافت سمر أيضا على نادين من تلك المرأتان ومن وخز كلماتهما وتأثيرها على نادين التي بالطبع لن تتحمل الصواعق التي سيرشقونها بها إن علمتا بالأمر، لكنها على أي حال كان عليها أن تطمئنها فقالت
_متقلقيش مش هيعرفو حاجه مين اللي هيقولهم؟.
كادت فاتن لتفتح فمها لتعرب عن أساها بما تمر به ابنتها فحتى الزيجة التي تمنتها لابنتها لم تكن كما تمنت أبدا، كيف لها أن تتمنى أن تكون ابنتها زوجة ثانية، فيقال عنها بأنها تأخذ رجل من زوجته وأولاده، أو سارقة الرجال كما يقولون، لامت الحج عيسى وظنت أن ابنه الأخر ترفع عن قبول ابنتها، لأنها مريضة، فقرر أن تكون زوجة ثانية، أو كدمية توضع في ديكور منزل ابنه الأكبر، لكنها قبل أن تتحدث وتخرج شكواها ومكنون قلبها لسمر صديقة ابنتها، حتى استمعت لأصوات مضطربة بالخارج، فنهضت من فورها لتطمأن على ابنتها فلربما قد  أصابها مكروه.

لتجد أحمد يحمل ابنته برفق شديد ويتجه بها نحو مخدعها، لتصيح فاتن وتنهض من مكانها كالمجنونة حتى كادت أن تتعثر في سجاد المطبخ، لتساعدها سمر على السير مرة أخرى، فتنطلق هي نحو ابنتها مهرولة.

كانت فاتن وسمر هم أكثر الأشخاص دراية بعلاج نادين وما تحتاجه، لكن نظرا للحالة التي كانت عليها فاتن، لم تستطع تقديم المساعدة لابنتها، أما سمر فحاولت التجلد من أجل مساعدة صديقتها وقالت
_نادين محتاجه لجلسة تنفس صناعي، أرجوك يا نبيل ساعدني على تركبيه.

وبالفعل فعلت سمر ذلك لتضع القناع على أنف وفم نادين، وبعدها ببضعة دقائق كانت فاتن وبهية تضعان فيهما يديهما على قلبيهما من القلق، إلى أن هدأت نادين وبدأت تتنفس براحة وبشكل طبيعي وهدأ السعال تدريجيا، ليأتي في ذاك الوقت الطبيب الذي هاتفه أحمد على الفور لإنقاذ ابنته ولم يكذب الطبيب خبرا فجاء بأقصى سرعة
وقام بفحص نادين ثم قال
_هي كويسه دلوقتي مافيش داعي للقلق كويس انكم اسعفتوها بسرعه .

لترمق فاتن "سمر"بامتنان وتتنهد براحة فلقد استردت روحها بعد أن علمت أن ابنتها بخير وهي تحمد الله على ذلك
لتهتف بهية لتشد على يد فاتن
_الحمد لله، يارب ماتشوفيش فيها حاجه وحشه .

خرج الجميع ليتركوا نادين لتنال قسطا من الراحة، وبقيت سمر معها، ليجلس حمزة على الأريكة بهم فهو شعر بالأسى تجاهها وراعه أن يكون سببا في تعبها.

ليطلب الحج عيسى التحدث إلى أم نبيل بعض الكلمات الهامة، فتوجهت معه تجاة الشرفة وهي تحاول أن تحيد ببصرها عنه حتى لا تفضحها نظراتها الغاضبة والمستاءة منه، لكنه يعرفها بالطبع ويشعر بها أيضا لذا كان يتوجب عليه أن يقول قوله هذا
_عايزك تفهميني  يا أم نبيل، طبعا جي على بالك دلوقتي اني خليت نادين تبقى زوجه تانيه   لحمزة، استحقار من شأنها أو بسبب مرضها، حاشا والله مش كده ابدا.

لم تستطع فاتن أن تخفي غضبها مما حدث فقالت بصوت بدى فظا قليلا
_أيوه وانا زعلت فعلا لما ماطلبتهاش لابنك الصغير عز على الاقل هو  مش متجوز .
_ايوه لكن قلبه مش خالي هو بيحب ومكنش قدامي غير الحل ده  حمزه لو اتجوز اربعه مش هيظلم واحده فيهم ، ده مش مدح فيه علشان هو ابني لكنه دي شهادة حق هتحاسب عليها قدام ربنا ، أضمن لك أن بنتك هتعيش حياة سعيدة مع حمزة،ممكن مكنتش تقدر تعيشها  مع عز بقلبه المشغول ، ولأنها زي بنتي أخترت لها الأفضل.
كلمات الحج عيسى تلك أراحت قلب أم يلهث وراء راحة ابنتها وهناءها، فقلوب الأمهات شمس لا تغفو.

ارتاح الحج عيسي لرؤيته الراحة في عيني فاتن، فتنهد بسلام.
_
أما ذاك الذي ظل يدور بسيارته يتهادى هنا وهناك، وكأنه شريد ضل طريقه للتو، أو هاويا يهوى قيادة السيارات لكنه لا يجيد ذلك، فكان يسوق بحماقة شديدة وكأنه لا يبالي بشىء، لا بالسيارات أو المارة، ولم يكف أحمد صديقه عن الصراخ به لأن يبطىء السرعة قليلا، لكنه كان كالأصم لا يسمع، ومع ذلك كان أحمد يكرر قوله مرارا
_بالراحه يا عز، هتموتنا يا أخي.

وعلى حين غرة أبطأ عز الدين السيارة ،ليصطدم أحمد بزجاج السيارة بحدة، لكنه لم يبالي برأسه التي آلمته وهبط من السيارة سريعا خلف ذاك المتهور الذي هو على يقين أنه فقط عقله للتو.

وجده يقف عند مقدمة السيارة ويركل عجلاتها ركلا بكل أسف واضعا ذراعه اليسري على خصره واليمنى واضعها على ناصيته، ومطأطأ رأسه وكأنما فقد إنسانا عزيزا عليه للتو، هو بالفعل كذلك فلقد خسر نادين للأبد فهو كان يعدها، الأقرب لقلبه، لذا كان فقدها شديد الوطىء على فؤاده 
ويردد كلمة واحدة طوال الوقت وبكل غيظ
_ليه ! ليه!
ليقترب منه أحمد ليتحدث معه بجدية فهو يرى أن ما حدث لا يستحق كل ذلك منه، فمن باعك لا تبكِ عليه، ومن تنازل عنك فلا تلقِ له بالا فهو الخاسر ولست أنت
_ماتخسرش نفسك يا صاحبي، سيبها تبكِ على ضياعها ليك  بكامل إرادتها.
ارتكن عز الدين بجسده على مقدمة سيارته وقال بانكسار
_كنت بحبها اوي، انا غلطت في كده؟
_الحب مش بإدينا متندمش على  مشاعر جميله كانت جواك لحد لكن ماتعملش في نفسك كده محدش يستاهل
_الكلام سهل لكن التنفيذ صعب.
_أنت هتقدر ياصاحبي.
قالها أحمد صديقه وهو يقف جواره ويضع يده على كتفه، مشددا من أزره.
___

أستعادت روحها ثانية ولم تعد بحاجة لقناع الأكسجين ذاك، فنزعته عن وجهها، وطلبت من سمر أن تعاونها على الجلوس مرة أخرى، ففعلت سمر من فورها وبدت نادين أمامها بخير الآن لذا قررت أن تسألها سمر بإهتمام عن سبب تعبها المفاجىء
فردت نادين مبتعدة على السؤال كثيرا وكأنها لا تفكر سوى في عز الدين
_قوليلي شوفتي عز النهارده!

نظرات متشتتة منحتها سمر لنادين، تحاول أن تفكر في كيفية التهرب من إجابة السؤال فماذا عساها ترد أو تقول ونادين في حالتها تلك، هل تزيد من وجعها أكثر، فكل وقع يهون إلا وجع القلب، ونادين تعاني الأمرين معا.

 كانت نادين متأكدة أن عز الدين لم يمرىء أمر الرسالة على خير، ولابد له أن يفعل شيئا ليعبر عن ثورته، كانت تنتظر أن يرسل لها برسالة عبر حساب آخر، يعاتبها فيها لكنه لم يفعل، لذا أستطاعت أن تستشف من نظرات سمر الزائغة وحيرتها في أمرها، أن عز الدين قد حادثها بالفعل بشأن ذلك بل هي تظن أنه ترك لها رسالة أيضاً وبالطبع هي رسالة مؤلمة بكل تأكيد، لذا تبدلت قسمات وجهها من الهدوء إلى الأسى وقالت
_متخبيش عليه يا سمر، متقلقيش مش هتأثر مفيش وجع اكتر من اني اتجوز حد غير عز 

تلك الأحلام الجميلة التي كانت تقضيها نادين كل ليلة، تتنقل بطلاقة وبخفة فراشة جميلة بين أزهار أحلامها، وتسبح في بركة الحب وهي تتخيل حياتها مع عز الدين، بعد أن تزوجا وتم جمعهما تحت سقف واحد، يعيشان حياة هنيئة وهادئة، جميعها قد تبددت وطارت مع الرياح، هنا وهناك إلى أن تلاشت جميعها وفي غمضة عين، بعض تلك الأحلام طيرتها رياح المرض والعجز، وما تبقى من فتات تلك الأحلام قد طار اليوم بزواجها من حمزة، فلم يتبقى لها سوى الذكريات، الشىء الوحيد الذي لا يموت ولا شىء يستطيع تبديده أو منعه، فهي فوق القلب وفوق المشاعر لهذا هي لا تنسى، ذكريات أحلام كانت كيرعات نابتة، تأمل في الظهور لكن الظروف كانت أقوى منها فاقتلعتها من جذورها بقسوة وضرواة
_اتكلمي يا سمر أرجوكِ.
أغروقت أعين سمر بالدمعات ولم تستطع أن تمنعها من ألا تسيل على خدها كالشلال.
لتفجع نادين وتحاول القيام من مكانها على عجل فشعرت بآلام في صدرها لكنها قالت
_عز حصله حاجه؟ 
شهقات متتالية صدرت من سمر بينما تهز رأسها لتنفي ما ظنته نادين بشأن عز الدين، فنادين خشيت أن يكون قد أصابه مكروه، لذا قالت سمر
_هو انفعل جامد لما قرأ رسالتك كنت حاسه انه هيفقد عقله ، كان بيحبك بصدق يا نادين، كان هيحارب معاكي مرضك، لكن للاأسف تمت كل حاجه بسرعه، وكأن القدر مصر انه يبعدكم.

أقصى أنواع الوجع أن تكابر وأنت مازلت تريد، وأنت في قلبك ألف غصة وغصة
_هينسي، وهيعيش حياته، أتمناله من كل قلبي حياة سعيدة هاديه،  لكن حياتي فيها مشاكل كتير مش هتحمل اشوفه وهو بيتعذب عشاني.
__
قرر عيسى بعد أن ارتاح لأن فاتن تفهمت ما فعله، أن يأخذ عائلته ويعود لبلدته، على أن يعودوا مرة أخرى عندما تتحسن حالة نادين أكثر، إلا أن حمزة رفض التحرك من مكانه قبل أن يحادث نادين بالشىء الذي أرق عليه مجلسه، لذا نهضت فاتن ومعها بهية وتوجهتا لغرفة نادين لتجدانها تجلس مع سمر في صمت تام وكأن على رأس كل منهما الطير
لتبتسم بهية بوجه بشوش وقالت
_عروستنا الجميلة الف سلامه عليكي يابنيتي.
رمقتها نادين ببسمة صافية، فهي وجدتها سيدة طيبة القلب فكان عزاءها الوحيد أنها ستكون بين أناس طيبين ، فالطيبة لا تراها الأعين لكن القلب قادر على أن يتلمسها بصدق، أستطاعت أن تشعر بأنهم لا يحملون في قلوبهم سوى الرحمة والإنسانية حتى حمزة استشعرت فيه ذلك. 
لتهتف بهية
_حبيبتي جوزك عايز يتكلم معاكي قبل ما نرجع لبلدنا.

"زوجك" يالا لهذه الكلمة الكبيرة الأثر في نفسها، شديدة الوقع على قلبها، هل هي بالفعل تزوجت، هل أصبحت ملكا لرجلا بات هو جنتها ونارها، لم تكن مستعدة لذلك الآن أبدا، بل ولرجل تراه لأول مرة ولم تتحدث معه سوى بضع دقائق فقط، وفي ضعفها وتعبها هذا، رغم دومات التيه الذي كان قلبها فيه إلا أنها نفضت ذلك سريعا عنها وقالت بخفوت 
_مفيش مشكله . 
لذا خرجت سمر مع فاتن وبهية لخارج غرفة نادين، ثم دعت فاتن "حمزة" لأن يدلف لغرفة نادين، فتوتر حمزة فكيف له أن يدلف لغرفة امرأة غير نوارة ، لذا تسمر في مكانه لبعض الوقت وشعر بالتوتر قليلا.
ظن أحمد أنه يستحي أن يفعل ذلك فقال مشجعا
_اتفضل يا بني ادخل ماتتحرجش، هي دلوقتي بقت مراتك .

تشجع حمزة وأخذ نفسا عميقا ثم توجه نحو غرفة نادين، طرق الباب هنيه وعندما استمع لصوتها الخافت، دفع الباب برفق ودخل 
لتقول نادين 
_اتفضل .

سحب حمزة الكرسي وجلس على مقربة من الفراش الذي كانت نادين تجلس عليه وتغطي نصفها السفلي بملاءتها القطنية 
_كيفك دلوقتي؟ 
_الحمد لله على النعمة
_أدامها الله عليك، كنت عايز  أتكلم معاكي
_اتفضل.
رأى حمزة أن نادين تعبت عندما أخبرها بأنه ينوى أن يكون زواجهما حقيقيا، لذا أراد أن يسألها هل هي تريده بالفعل أم مجبرة على ذلك وما سبب إجبارها أو حتى رفضها لذا قال
_عايزك تصارحيني يا نادين، كنت شايفك   راضية عن جوازنا، لكن اول ماعرفتي انه هيكون  حقيقي تعبتي زي ماكلنا شفنا ممكن اعرف السبب ؟

كيف لنادين أن تخبره أنها قد وعدت نفسها أنها إن لم تكن لعز فلن تكن لغيره، لذا أدعت الأمر بأنه متعلق بمرضها وقالت
_انت شايف اللي في حالتي  تصلح للزواج؟
ارتاح حمزة عندما أكدت له بكلامها أنها لا تمانع في الزواج منه وإنما هي ترى نفسها لا تصلح للزواج بسبب مرضها والذي هو لا يعرف حقيقته حتى الآن لذا قال ليبثها الثقة في نفسها
_وايه المشكله فكده، عايزك تتأكدي أني مش هقصر في مساعدتك عشان تتخطي المرحلة دي بسلام.
اتسعت أعينها وهي تقول
_يعني افهم من كلامك أننا هنتجوز  بالفعل وأنا في حالتي دي ، مش هتستني لما اخف حتى.
_ هتيجي معايا  بيتي لحد ماتستردي   صحتك كاملة،  ماتقلقيش فأنا مش  هاطلب منكِ حاجه قبل ما تتعافي كليا.

تخضب وجهها من تصريحاته المباشرة، لكنها سرعان ما تذكرت أنها أصبحت زوجته بالفعل، لذا لا حرج عليه في التحدث بشكل جاد في سير أمورهما فيما بعد
لكنها قالت بحزن
_لكن انا عايزه افضل مع بابا في الوقت ده مش عايزه ابعد عنهم ، أرجوك.
ابتسم لها وقال
_متقلقيش مش هتروح بيت جوزك غير لما احضرلك حفله تلييق بيكي هتفضلي هنا لحد ماخلص كل التجهيزات هناك، وبعدها هاجي اخدك  كويس كده ؟

تنهدت بقلة حيلة وهزت رأسها بخفوت
لكنها أرادت أن تسأله
_ممكن اعرف ايه اللي جبرك تتجوز تاني وواحده بحالتي عارفه ان عمي اجبرك.

أجابها بحزم لتكن عن قولها ذاك
_ليه أنتِ  مصره انك تقللي من نفسك المرض شىء طبيعي ومؤقت ، وربنا أحل لنا بأربع زوجات يعني اللي بعمله مش حاجه  غريبه.

صمتت نادين ولم ترد، فماذا عساها أن تقول لذا قال حمزة
_عارف انك مكنتيش تحلمي بجواز مستعجل زي اللي حصل وكمان اكيد في حاجات كنتي عايزاها تبقى فزوجك، لكن كل اللي عايز اقولهولك اني هاعمل كل اللي في وسعي عشان اسعدك وهاتقي الله فيكي أن قد مااقدر والله على ما أقول شهيد.

طالعته بصمت وبوجه خال من التعابير، ليبتسم لها بحنان، فعلى الرغم أنه لم يشعر نحوها بأي عاطفة قط فنوارة،قد ملكت قلبه كله، إلا أنه ارتاح لها، ووجدها فتاة بريئة، نقية.
  نهض من مكانه ومد يده في جيبه وأخرج بعضا من النقود كان قد جهزها ليعطيها لها، ثم وضعها جوارها بهدوء وهو يتبسم لها
_خليهم معاكي جيبي اللي انت عايزاه فأنا مش عايز حد يصرف  زوجتي، حتى لو كان والدها، أو حتى وأننا ما زلنا في مرحلة العقد ، ما تتردديش في الإتصال بيه لو احتاجتي اي حاجه  يالا اشوفك بعدين ، أستودعك الله.
لو كان قلب نادين خاليا، لكانت وقعت على الفور في حب ذاك الرجل الحاني، يالا لتلك الحنية التي تقفز من قلبه ويترجمها لسانه، وترسمها تعابير وجهه، كيف لا وهو ابن الحج عيسى لذا فليس من الغريب أن يكون ابنه لا يتخير عنه في كل الصفات الصالحة.
___
في تلك اللحظة جاءت اعتماد وابنتها ،واخو فاتن ومراته"" فشكلهم رتبو انهم يجو مع بعض   اتعرفو على عائلة الحج عيسى ولما سألو فين العريس وعرفو انه جوه في اوضه نادين بصو لبعض  نظرات ذات معنى، نظرات كلها استهجان للأمر، فكيف يترك أحمد ابنته وحدها مع زوجها الذي تم عقد قرانهما فقط؟

لتعرف فاتن ما الذي يدور بخلدهما فقالت بنبرة جافة وكأنها تود أن تقتلع أعينهما 
_حمزة لما تعبت نادين مقدرش يمشي قبل ما يطمن عليها .

لتقول بسمة في نفسها
_يالهوي عالخبث عملت نفسها تعبانه علشان يدخلها الاوضه ده الشيطان نفسه مايفكرش في كده دي طلعت مكاره .
لذا أرادت أن تفسد على نادين مخططها وقررت أن تذهب لتقتحم خلوتهما كما ظنت،
وقامت من فورها لتتوجه نحو غرفة نادين على الرغم من أن فاتن أخبرتها أن زوجها معها بالداخل.

لم ترتاح فاتن لنظرات بسمة تلك، لذا قامت معها خوفا من أن تفعل شيئا بنادين، لتجدان حمزة يفتح الباب ويخرج منه وما إن رأى فتاة غريبة لا يعرفها حتى غض بصره على الفور، أما بسمة ما إن رأته حتى فغرت فاها فلقد وجدته وسيما، ملفتا بشكل يسلب العقل فحقدت على نادين لزواجها من مثل هذا الرجل صاحب الحضور الطاغي.

وجدت فاتن أن سمر تطيل التحديق بحمزة فلن يعجبها نظراتها تلك وزفرت بحنق من أن نبيل لم يفعل ما طلبته منه ويترك تلك الفتاة، لذا قررت أن تعيد طلبها منه ثانية وفي وقت لاحق.

عادت سمر لتجلس مرة أخرى مع صديقتها، بينما عادت بسمة أدراجها لتجلس مرة أخرى مع أمها ليتسنى لها رؤية حمزة.

نهض عيسى يستأذن بالمغادرة حتى لا يجن عليهم الليل في طريق  عودتهم، حزنت بسمة أنها لم تلحق ان تمكث مع حمزة قليلا بل حتى لم تسمع صوته بعد، لكنها سرعان ما اتسعت ابتسامتها وهي تسمعه يودع كل من أحمد ونبيل قبل أن يغادر مع أهله.



____

أخذت تجوب الردهة ذهابا وإيابا وكأن جسدها يشتعل بحمم من نار تأكل في  لحمها، لذا ظلت تروح وتجىء علّ النار التي تستعر داخلها تخمد، لكن أنى لها ذلك، كيف تطفىء ذاك اللهيب، وهناك أخرى ستقاسمها، زوجها الذي هو روحها كله، فهل هناك من يستطيع أن يجعل أحدهم يشاطره روحه، لعنت نفسها ألف مرة على موافقتها عما يحدث ولامت نفسها أنها لن تعرب أكثر عن رفضها، لكن ماذا تفعل أكثر من هذا هي تعلم أن زوجها مضطر لفعل ذلك طاعة لأبيه، وإن ثارت أكثر فستغضبه، وعدها أنه لا ولن يرى غيرها، لكن رغما عنها تغار، تتآكل من الداخل، حتى لو كانت تلك التي يتحدثون عنها قعيدة لا تتحرك، أو حتى عمياء لا ترى، فهي تغار على زوجها من نسمة هواء مرت جوار رأسه فاصطدمت بشعره، فكيف يقنعوها أن تقبل زواجه، أي عقل هذا الذي يستوعب ما يقولون.
لتشفق عليها تلك التي تتابعها بأعينها في كل حركة تقوم بها لذا قالت بأسى
_اقعدي نوارة، انا تعبتلك.
هتفت نوارة بحنق 
_اقعد ازاي قوليلي، حاسه ان في  خطاطيف بتنهش في  جسمي لو قعدت .
_بس انت واقفه من الصبح والله تعبتلك اوي .
وضعت نوارة يدها على رأسها وقالت وهي تشير لفاطمة بألم
_ سكتي الولاد دماغي مصدعه من دوشتهم .

نظرت فاطمة حولها وقالت باستغراب 
_ولاد مين؟ العيال نايمين من ساعه والدار هاديه جدا.

اتسعت أعين نوارة باستغراب إذن فلم تشعر بأن هنالك مدينة كاملة مستيقظة بداخل رأسها، لذا قالت
_يا ربي شكلي هتجنن قريب.

اقتربت منها فاطمة وعانقتها بأسى من أجلها
_هوني على نفسك وماتعمليش في نفسك كده ياحبيبتي .
صاحت نوارة بشدة وهي تمسك رأسها وتنحني بجسدها للأمام مخفضة رأسها
_صدااااع، صداع شديد، ألحقيني يا فاطمة بأي مسكن أرجوكي.
انتصبت فاطمة في وقفتها ونظرت حولها في وجل وقالت
_حبيبتي سلامتك، حالا هاجببلك مسكن تعالي بس استريحي هنا لحد ماجي. 
_بسرعه يافاطمه.

عاونتها فاطمة لأن تجلس على الأريكة لترتاح ودلفت مسرعة نحو غرفتها لترتدي جلبابا وخمارا كي تذهب لإحضار المسكن من الصيدلية القريبة من الدار.
ألقت نظرة أخيرة على تلك التي تمسك رأسها وتتألم بشدة فهرولت هي للخارج بسرعة، تخطت الساحة الأمامية للدار وهمت لأن لتخرج من البوابة الرئيسية للدار فاستوقفها ذاك الذي كان مرابضا أمام الدار يحرسه كما طلب منه صديقه، يتخذ من جزع شجرة قديمة مقعدا، يستريح عليه منذ الصباح، لم يتحرك من مكانه أبدا حتى صلاته افترش سجادة وصلى مكانه، أما الأكل فأرسلته له نوارة مع الخادمة التي رحلت لبيتها منذ عدة دقائق بعدما أنهت عملها في الدار لهذا اليوم.
وقال بصوت محتقن غاضب، فهو مصدوم حزين مما سمعه منها، فهي قد سدت بكلامها كل طرق الوصول إليها حتى في أحلامه، فهو لم يلبس في حياته قط غير الجلباب التقليدي المتعارف في بلدتهم، بإمكانه أن يرتدي الكاجوال كما تحب هي؛ لكنه غير قابل لأن يغير من عاداته من أجل إحداهن، من تريده تقبل به كما هو وإلا فلا،  والذي كان غافلا عنه أيضا أنه لم يحصل على تعليم عال مثلها، يالا غباءه عندما أحب من ليست مناسبة له، ولا هو مناسب لها، لكن الحب يقع في القلب دون اسئذان، لام نفسه عندما فرح برغبته في الزواج بها بل وصرح به لأخيها، وها هو يلوم نفسه على تسرعه
_رايحه فين ياغبيه ؟ 
استغربت لم يحادثها بتلك الطريقة الفظة، لذا خرج صوتها غاضبا هي الأخرى
_راضي! ليه بتلكمني بالطريقه دي اروح ماطرح ماروح انت مالك بيه ؟ 
أغتاظ هو من ردها بتلك الطريقة الذي ظهر في طياتها الغرور والخيلاء وقال
_أنا هنا بطلب من أخوكي، أستأمنني عليكم لحد مايعاود.
حركت رأسها بعدم فهم أيضا لما حادثها بتلك الخشونة
_ماشي متشكرة ممكن تبعد؟ 
_قولتلك رايحه فين مارديتيش ليه ؟
_وانت مالك ؟ أنت هنا حارس خليك زي مانت وسيبني اعدي.
ازداد غضبه وعلى صوته وقال هادرا
_أجنيتي إياك ! ازاي بتكلميني إكده؟!
_اسمع أنا باتكلم معاك بالطريقه اللي انت بتكلمني بيها ليه غضبان اوي كده  أ؟! ودلوقتي وسع من طريقي انا مستعجله.
قالتها بكل غضب وضيق
أخذ هو نفسا عميقا ليهدىء من عصبيته فهو فعلا المخطىء هو من ابتدء بالإساءة؛ لكنها السبب في عصبيته تلك، لذا قال بهدوء هذه المرة
 _ ازاي هخرجي الدار وأهلك مش إهنه؟
تنهدت بحنق
_مش هبعد من فضلك سيبني ياراضي .
هتف بإصرار وعند
_لا، جوليلي انت رايحه فين  ؟

نفخت بحنق وقالت
_ماشي ياراضي انا رايحه الصيدليه اجيب مسكن   للصداع  ارتحت دلوقتي، مككن امشي؟ 

ارتاح عندما علم أنها ليست ذاهبة للتسكع أو ما شابه، لكن ملامحه انكمشت عندما أدرك أنها تعاني من الصداع فقال بلهفة
_سلامتك، كيفك أنتِ ا، انت كويسه؟ 
_لا دي  نوارة مش أنا، أرجوك حالتها وحشه اوي.
_شافاها الله وعافاها، خلاص ادخلي انت وانا ابعت حد يجيب المسكن حالا .
تنهدت بهدوء واستدارت لأن تعود إلى الداخل فقال 
_لما تعوزي حاجه بلغيني على طول ، .
قالها بصوت عالى حتى تسمعها لأنها عادت أدراجها للداخل
_تمام.
قالتها وابتعدت متوارية خلف باب الدار.
ليقف راضي مكانه ويحك شعر رأسه ناظرا للفراغ وهو يقول
_يا ربي،ليه بتعملي إكده يا فاطمة، ليه حطيتي  بيني وبينك ألف سور وسور، ليه لما بشوفك   بيتجدد الحب جوايا؟ رغم أني بحاول أن أغض بصري قدر المستطاع، يارب أعني على حالى.

قالها وفاق لنفسه لينادي على أحد الرجال ليحضر له ما أرادت فاطمة.
__
أما عز الدين وعندما استطاع استدراك نفسه وبعد عدة ساعات قرر أن يبتعد عن أنانيته تلك، طالما من عصي أبيه من أجلها قد هجرته وأختارت الارتباط بغيره، فلا داعي لأن يتهرب من طلب والده بعد الآن، ولا داعي لأن يضحي أخيه حمزة بسعادته وسعادة زوجته من أجل خطبة تلك الفتاة، فليخطبها هو ولينقذ أخيه من مرار قادم لا محالة، طالما أن حبه وأدته نادين تحت أطلال التخلي.
لذا أخرج هاتفه سريعا وطلب أخيه حمزة ليطلب منه ألا يتسرع في الأمر وأنه قادم لخطبة تلك الفتاة بدلا عنه، لم يكن يتوقع أنهم سيتمون الأمر بتلك السرعة، أو بالأحرى ستكون خطبة فقط، ليتفاجىء بأخيه يقول 
_احنا خلاص كتبنا الكتاب يا عز، واحنا مروحين دلوقتي.
فرغ عز الدين فاه بصدمة ظهرت جلية على ملامح وجهه وقال
_ايه؟ ليه كل حاجه بتم بسرعه كده؟

كان حمزة حانقا على أخيه بعدما رآه يغير رأيه ويوافق على تلك الزيجة، لم يعرف أسباب أخيه، لكن مجرد تغيير رأيه بتلك السرعة وفي نفس اليوم جعله يستشيط غضبا كموقد فحم يشتعل وقال هادرا
_مش عايز اسمع صوتك ياعز من دلوقتي طالما الأمر كان  سهل عليك للدرجة دي وقدرت تغير رأيك بسهولة، ليه ماعملتش كده من الاول وريحتني.

ابتأس عز الدين عندما سمع انفعال أخيه وعلم أن قلبه يأن حزنا على زوجته؛ لذا لم يستطع أن يقول شيئا سوى الإعتذار ، فالآن أدرك أنه اركتب خطئا فادحا في حق أخيه، أشغل فتيل النيران وتركها تلتهم ما يقابلها، ومن أجل من!! تلك التي باعته مع أول فرصة_ كما يظن هو_
_أنا آسف ياحمزه، أنا...
قاطعه حمزة قائلا بحدة
_أقفل يا عز، انا مزاجي مش رايق وممكن اسمعك كلام مايعجبكش لو طولت في الكلام .

12 تعليقات

  1. بصي أنا حزينه اوى عليهم

    ردحذف
  2. روووووعة 🌹🌹🌹

    ردحذف
  3. ❤❤❤❤❤❤

    ردحذف
  4. جميلة جدا جدا

    ردحذف
  5. روووعة بجد تسلم ايدك

    ردحذف
  6. تسلم ايدك يا قمر
    Azza Mohamed

    ردحذف
  7. والله حمزه جدع انو كلم عز بالطريقه ديه وعشان انانيتو ربنا ضياعها منه

    ردحذف
  8. زعلانه اوي

    ردحذف
  9. روعه ياسيمو

    ردحذف
  10. روووووعة كالعادة تحفة تسلم إيدك بجد مبدعة

    ردحذف
  11. جميله جدا جدا جدا جدا احسنتى حبيبتي

    ردحذف
أحدث أقدم