حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي
الفصل السابع
الجزء الثاني
أحضر دواء المسكن وذهب بنفسه للباب الداخلي للدار وطرق الباب وهو ينادي باسم الحج عيسى كي يتنبه له من بالداخل، فوضعت فاطمة غطاء رأسها وتوجهت نحو الباب لتأخذ منه الدواء شاكرة إياه، ليقول هو وبكل جدية
_مش عايزك تترددي في انك تبلغيني لو احتاجت حاجه .
لم ترد عليه فاطمة واكتفت بإيماءة بسيطة، إغتاظ منها راضي وظنها تكبر منها، فزفر بحنق والتفت للخلف ليعود أدراجه للمكان الذي كان يجلس فيه.
أما فاطمة فأسرعت وأحضرت كوبا من الماء وذهبت لنوارة وأعطتها المسكن علها تهدأ قليلا، وطلبت منها أن تنهض لتعاونها على الصعود لغرفتها لترتاح بها ،فهي لم تهدأ طوال اليوم أبدا، إلا أن نوارة رفضت ذلك وظلت مكانها رغم أنها تقاوم ألا تنهار وتخر مغشيا عليها، وظلت عينها على باب الدار علها تلمح زوجها قادما.
جلست فاطمة جوارها بهم، مبتئسة على تلك التي ستهلك نفسها لا محالة، إن استمرت على هذا الوضع.
صعبت عليها أن ترى ذاك الحب التي تحبه لنوارة يعاني هكذا، فهي زوجة محبة لزوجها ما ذنبها لأن يحدث معها ذلك، لوهلة وضعت نفسها بدلا عنها، وجدت إنها لن تستطيع أبدا التحمل، رغم انها مدركة أنها مهما تخيلت لن تصل لما تشعر به نوارة فهي لم تجرب الحب يوما، حتى تستطيع أن تشعر بنفس إحساس نوارة لكن مجرد التفكير أتعبها كثيراً.
__
طرق جدار غرفته بحنق لا يدري ماذا يفعل، يشعر بالضياع والبؤس، أضاع حياته وحياة أخيه وزوجته
يحاول أن يجد حلا لما يحدث الآن فحال الدار قد انقلب راسا على عقب، لكن ماهو الحل وأخيه قد تزوجها بالفعل، هل سيطلقها مثلا لحتى يتزوجها هو؟ وهل سيقبل أهل الفتاة أو الفتاة نفسها بذلك، هي ليست لعبة يتبادلها الأخوة فيما بينهم؟
رآه أحمد الذي قرر أن يبيت معه هذه الليلة لأنه لا يجب أن يتركه في مثل هذا الوقت، كان قلبه محتارا أكانت نادين يوما حبيبة أم أنه كان يتوهم ذلك طوال الوقت؟
___
جلست مربعة الأرجل على الأريكة تهز بجسدها بأسى، أراح المسكن وجع رأسها، لكن وجع القلب من يجد له دواء؟ فمن المؤلم أن تكون صادقا في حبك بينما يستغله الآخرون، قررت أن تحاول أن ترحل وتحافظ على كبرياءها الذي شتته حمزة بدون قصد منه أو تعمد، لكن قلبها ورغم أنينه لم يقدر على فعلها، لم تقدر على ترك حبيبها رغم قسوة ما يفعله، يالا لوعة الحب ويالا مرارته التي تقيد المحب وتجبره على فعل أشياء لا يريدها أو لا يتحملها.
وأثناء جلوسها تندب حظها هكذا إذ تحرك قلبها بقوة فجأة وشعر بإحساس غريب فجأة، فضربات قلبها التي تحولت كقطار متلاحق يسابق الريح، تخبرها أنه قريب منها، وقد عاد إليها، فرغم تعب قلبها وجسدها المرهق استجابت قدميها لنداء قلبها، ونهضت من مكانها بسرعة لتبصره بالخارج، استغربت فاطمة فعلتها ففجأة قامت من مكانها تهرول دون أن تنطق حرفا فنهضت من مكانها خلفها خوفا من أن تفعل بنفسها شيئا ما، فرأسها خيل إليها أشياء خطيرة قد تفعلها نوارة في نفسها من كثرة حزن قلبها.
وبالكاد تحركت نوارة من مكانها بضع خطوات حتى وجدته أمامها، يبحث بعينيه اللاهثتان عنها، وكأنما هاجرها منذ عدة سنوات وليس ساعات معدودة فقط، روحه تائة منه مجرد ان وجدها انفرجت شفتيه بابتسامة واسعة انفرجت لها غرفات قلبه الأربعة، وعلى هرمون السعادة في قلبه، فأرخى يده وما يحمله من هدايا أحضرها خصيصا لزوجته وتقدم ملهوفا نحوها، لتطلق هي العنان لساقيها، فتركض نحو زوجها ترتمي بين ذراعيه التي استقبلها هو بكل حب وشوق، حملها بذراعيه أمام أعين الجميع غير عابىء بوجودهم يدور بها في الهواء، يستنشق عبيرها الذي اشتاق له، يشدد من عناقها وكأنما يعتذر منها عما بدر منه رغما عنه، يخشى أن تعرف أنه بالفعل تزوج وهو الأمر الذي لم يتفق معها عليه في ذاك التوقيت، رغم انه شدد على والديه في أثناء طريقهم بألا يخبراها شيئا بخصوص ذلك الأمر، كان شديد الحنق من أخيه، عندما رأى تلك الأعين المقهورة التي تسيل بالدمع على خدها، أنزلها أرضا وظل محتضنها، لكنه كان يسمع جيدا شهقاتها المتتالية فقال بصوته الحاني وهو يمرر يده على شعرها
_حبيبتي انا جيتلك اهو ، ليه البكا عاد ؟
ظلت متشبثة به كطفلة متعلقة في ثوب أبيها تخشى أن يغيب عنها ثانية وقالت ببكاء كالأطفال
_ماتسبنيش تاني يا حمزة.
أبعدها عنه قليلا ونظر لصفحة وجهها بحب
_حبيبتي، أنتي بخير؟
_بخير.
فتبا لعزة النفس أمام الصدر الحاني لمن نحب، وتبا لوجع لا يأبى إلا أن يسكن الفؤاد.
حزنت بهية على رؤيتها لقهر ابنها وزوجته، ولأول مرة تشعر بأن ابنها عز ظلم أخيه أيما ظلم.
أما فاطمة فأدمعت أعينها وهي تشاهد ذلك الحب الجميل، فالتاعت للوعة نوارة وأحست أنها حقا ظُلمت فيما حدث، وتمنت لو أن ما يحدث كابوسا موحشا سيفيقون منه سريعا.
أما الحج عيسى فبقي بالخارج مع راضي ليستعلم منه ما الأخبار في غيابه.
__
كان يعلم زوجته جيدا فهو يراها ليست على ما يرام، لذا عاونها على الصعود لأعلى مشيرا لأخته لأن تلحق بهم بالأغراض التي سقطت منه على الأرض، ففعلت على الفور.
جلس معها تاركا إياها تنعم بدفىء عناقه علها تهدىء، وهو أيضا عل نفسه تهدأ من الذنب الذي اقترفه في حق زوجته بزواجه من غيرها، غير أنه ليس بذنب حقيقي يأثم هو عليه فينال غضب الله.
__
بالخارج شكر الحج عيسى "راضي" على صنيعه فهذا ما يعهده عليه دائما "خدوم وأمين" ومن ثم أخرج هاتفه ليهاتف ابنه عز ليطلب منه لأن يأتي في الصباح ليأخذ أخته لكي تتابع دراستها، فالشىء الذي يجعله يهرب من المجىء إلى هنا قد انتهى، ولا سبب لنفوره بعد الآن، فأطاع عز والده ووعده أنه سيأتي في الصباح الباكر.
__
كانت تجلس على مكتبها في الشركة التي تعمل موظفة في قسم الحسابات، شاردة، تحقد على نادين، تستكثر عليها أن تكون في مرضها هذا وتتزوج برجل ذات حضور طاغي جذاب، إلى جانب أنه ثري من أصحاب المصانع الكبيرة، كانت ترى أن كل هذا كثير على ابنة خالها نادين وخاصة انها تراها ليست أنثى كاملة من وجهة نظرها المريضة، وبدأت تقارن حمزة بخاطبها نبيل، وتقول كيف لفتاة جميلة جمالا ملحوظا مثلها يحسدها عليه الكثيرات، أن تخطب لشاب بائس فقير مثل نبيل، لا يملك سوى وظيفته المحدودة والتي دخلها بالكاد يكفي لنهاية الشهر، في حين أن حمزة يملك سيارة فارهة إلى جانب أملاكه وأراضيه في بلدته، أغمضت أعينها وأخذت تتخيل أنها هي من تزوجت حمزة بدلا من نادين فاتسعت ابتسامتها لمجرد تخيلها الأمر، ترى نفسها أنها ستعيش كالأميرة في الأفلام، منعمة مترفة.
أخرجها من شرودها ذاك قدوم صديقة لها التي تركت مكتبها الذي في نفس الغرفة لتجلس معها على مكتبها وتقول ببسمة واسعة
_بسمة، سمعتي أن المدير مشي وجه واحد تاني ؟
ارتاحت بسمة لهذا الخبر لأنها كانت ترى المدير السابق، رجل صارم لا مشاعر ولا عواطف عنده، يضيق عليهم العمل كثيرا بصرامته وحدته وعلى الرغم من ذلك لم تهتم بالمدير الجديد ، لأنها ظنت أنه سيكون نسخة من سابقه.
لكنها استمعت صديقتها تقول
_ مش هتتوقعي من هو المدير الجديد؟ ناجي زميلنا.
فغرت بسمة فاهما غير مصدقة ان زميلهم ارتقى وأصبح مدير قسم الحاسبات والمسؤل عنهم بعدما كان مجرد موظف بسيط مثلهم.
لتنهض صديقتها من مكانها وتنظر من الشرفة وقالت وهي تشير لسيارة ما سوداء اللون من أحدث طراز تركن على جانب الطريق
_بصي،بيقولو ان العربيه دي بتاعته طبعا اكيد اشتراهاعشان تناسب المنصب الجديد .
نهضت بسمة من فورها لتشاهد تلك السيارة التي تشير إليها صديقتها، فتتسع أعينها وفمها أيضا فلقد دلفت السيارة قلبها سريعا من جمالها وماركتها الباهظة، وتحسرت على تسرعها بالموافقة على خطبة نبيل المعدم، وتضييع فرصة الإرتباط بأحد أؤلئك الشبان الأثرياء.
عند تلك الحظة دلف ناجي المكتب وقال بصوت فرح ووجه بشوش
_ازيكم يا بنات؟
اقتربت منه الفتيات يباركن له على الوظيفة الجديدة، وكاد يرد عليهن بكل سعادة وحبور، واستطاع أن يلحظ تلك النظرات المعجبة التي يرمقنها الفتيات له وخاصة بسمة التي كانت تنظر له بنظرة حالمة معجبة، ليقول هو
_ماتقلقوش يابنات انا مش هبقي زي المدير السابق، هتكون علاقتنا زي ماهي ، أحنا أسرة واحدة متحابة.
لتزداد ابتسامة بسمة وتقرر لأن تفعل شيئا ما، فلتجرب ولن تخسر شيئا، فهي في كل الحالات ستبقي على نبيل إلى أن ترى هل ستنجح خطتها أم لا، وإذا فشلت فنبيل إذا موجود، أما إن نجحت فيالا سعدها وهناها.
في الصباح الباكر عاد عز الدين إلى بلدته فعلى ما يبدو أنه أستعد للسفر من الليل، فسافر فى وقت متأخر كي يصل في الصباح الباكر هكذا، وبينما هو يسير في الطريق بسيارته في طرقات البلدة قاصدا داره حتى كاد أن يصطدم بتلك الأوزة البيضاء التي فرت من صاحبتها والتي كانت تحملها بين يديها، لتقفز بشكل مفاجىء أمام سيارته، ليوقف هو السيارة بسرعة وبكل إحترافية قبل أن تمس الأوزة بسوء، بينما تشهق صاحبة الأوزة عاليا خوفا من أوزتها الغالية التي كانت ذاهبة لبيعها في السوق وشراء بثمنها ما يتطلبه الدار من حاجات أساسية كالخبز والخضروات وبعض البقوليات.
ليترجل عز الدين من سيارته سريعا وينظر هل أصاب تلك الأوزة مكروه؟ بينما تسرع تلك الفتاة بالتوجه نحو الأوزة والأمساك بها على الفور محتضنة إياها جيدا بين ذراعيها حتى لا تفلت منها ثانية.
ليهتف عز سائلا الفتاة عن حال الأوزة
_ايه كله تمام؟
حركت رأسها بالإيجاب، ليبصرها جيدا ليتضح له أنها زهرة أخت خالد هي صاحبة الأوزة فيتسع ابتسامته ويسألها عن حالها وحال أمها وأخيها خالد فتجيبه أن كل شىء على ما يرام
فيقول عارضا عليها المساعدة
_محتاجه اي حاجه اعملهالك؟
شكرته هي على جميل أخلاقه ورحلت من أمامه لتكمل سيرها في طريقها نحو السوق، أما عز فتوجه مرة أخرى نحو سيارته ليركبها ليتوجه نحو الدار، فاستوقفه ذاك الذي جاء ليقف أمامه ويقول بطلته البغيضة وصوته الذي يشبه رائحة العفن المصاحب للخبز البائت، وهيئته التي تشبه الثعلب الماكر، ووصفه بالماكر يليق كثيرا به فكما أن الثعلب يصنع لنفسه الكثير من الجحور السرية المتصلة ببعضها البعض، إن دلف من إحداهم لا يخرج منها أبدا حتى يضمن عدم محاصرة البشر له، كذلك الحال هو جلال المنسي، يحيك الكثير من الخدع والألاعيب المختلفة حيث إذا ما فشلت خطة منها يتجه لغيرها على الفور غير محيد أبدا عن هدفه الأساسي وهو صيد فريسته كمان يفعل الثعلب أيضا
_مالك ومال خطيبتي يامخادع انت؟
لم يهتم عز الدين بكون زهرة تخطب لمثل هذا الرجل الذي لا يحمل من صفات الرجولة شىء سوى كونه ذكر فقط؛ فهذا شأن زهرة، رغم أنه شعر أنه وجب عليه نصحها بإعادة نظرها في الأمر، ولكن ما أثار غضبه هو وصف جلال له بالمنافق، وإدعاء أنه له علاقة بزهرة بأي شكل من الأشكال، لذا احتدت ملامحه، وتلون لون وجهه من فرط عصبيته للحمرة ولكنه رغم ذلك تحدث بهدوء ليلقنه درسا ولكن بذكاء عكس رعونة جلال وطيشه
_ وهو لو ليه علاقه بيها هقف اتكلم معاها كده في الطريق قدام الناس ؟ اعقلها يا جلال .
قالها وركب سيارته سريعا وهو يضع يده على بوق سيارته ليصدر بها صوتا عدة مرات متتالية بمعنى انه يخبر جلال أن يبتعد عن السيارة فهو يعترض طريقه بوقوفه أمامه، ليغتاظ جلال من فعلته تلك، فهو ظن أنه سيستطيع النيل منه هذه المرة لذا انحنى بجسده نحو زجاج سيارة عز ليطالعه بحدة شديد ويقول بانتقام وتوعد
_أنا مش هعدي الأمر على خير ابداا ازاي تتجرأ على خطيبتي؟
أشاح له عز الدين بيده بمعنى أنه يقول له أنه لا يبالي فلتفعل ما شئت أنا غير مهتم بكلام أبله أخرق مثلك، وقاد سيارته مبتعدا عنه.
وما زاد عدم اهتمام عز بل وعدم رده عليه ومشاجرته إياه إلا إشتعالا وتوقدا، فانتصب في وقفته يشيعه بنظراته المتوهجة التي تنوي بالفعل على شر محتم سواء له أو لأسرته.
بعدها توجه سريعا نحو تلك التي وصلت للسوق وقابلت السيدة التي كانت اتفقت معها البارحة على بيعها تلك الاوزة الكبيرة مقابل مبلغا من المال ارتضيته زهرة ورأته مناسبا لثمن الأوزة ويغطي إحتياجاتهم الاساسية ليومين أيضا، أتمت ذلك على عجل ومن ثم اتجهت لتتعمق في السوق لتنظر على أسعار الخضروات المخفضة فتشتري منها ما تريده، وعندما وجدت ضالتها وقفت على تلك العربة الخشبية التي يرص عليها البائع خضرواته بحرافية عالية وبشكل منظم، وبدأت تمسك في يدها واحدة من حبات البطاطس لتنتقي الأفضل من بين الموجود أمامها، ليقف جلال جوارها مدعيا أنه ينتقي هو الآخر بعضا من حبات البطاطس ويقول بينما هي لم تنتبه لوقوفه جوارها، فهو يطل كعفريت من الجن خبيث لا تشعر به
_فكرتي في اللي قولتهولك؟
زعرت هي عندما استمعت لصوته حتى إن حبات البطاطس وقعت من يدها وكأنما كانت حبات البطاطس تفر هي الأخرى منه ولا تريد أن تبقى معه في مكان واحد، انخفض هو سريعا وجمع لها الحبات التي سقطت على الأرض ومن ثم انتصب في وقفته ووضعها في كيسا بلاستيكياوهو يقول
_اظن انت مش هترفضي انت بنت ذكيه وعارفه مصلحة عيلتك.
عادت بذاكرتها للخلف لعدة أيام رغم أنها كانت تحاول أن تنسى ذلك تمام ولا تلقي بالا لتهديداته التي أخبرها إياها إلا أنه ها هو يقف أمامها الآن ويصر على ما قاله، تذكرت حينما كانت تطعم الطيور في الباحة الأمامية لدارها الصغير وتماما كما تفعل ذلك يوميا وبصفة مستمرة مرتين في اليوم، إذ وجدته أمامها لا تدري كيف يقفز أمامها من العدم وكأنه طيف خفي، تعكر صفو مزاجها برؤيته، وضيقت ما بين حاجبيها معربة عن ضيقها من وجودة أمامها، ليقول هو على الفور
_اسمعي زهرة، انا جتلك النهارده أعرض عليكِ صفقة ما أظنش انك تحلمي بيها .
لتنفض هي يدها أمامه بمعنى أنها لا تريد أن تحلم بمثله من الأساس او أي شىء يأتي من ناحيته، فعلتها والتفتت لتغادر المكان وتتركه بنفرده يضرب برأسه عرض الحائط، إلا أنه استوقفها قائلا بنبرة تحذير جعلتها تقف مكانها على الفور مولية له ظهرها
_اسمعي اللي هقوله لو كانت حياة أخوكي خالد مهمة بالنسبة لك.
وقفت محلها تبدو ساكنة إلا أن قدمها كانت تهتز بقوة استطاع هو أن يلحظها فابتسم بانتصار، وتقدم نحوها ليقف أمامها وقال
_لو مش عايزه يصيبه مكروه وافقي على خطوبتنا .
فتحت فمها بزعر لا من قوله أنه يود خطبتها فتلك أمرها هين مقارنة بأن يصاب أخيها بمكروه وقالت
_ إياك تقرب من اخويا ، أنا بأحذرك.
قالتها وهي تشير إليه بسبابة يدها اليمنى، ليضحك هو بقوة ولكن ليس بصوت عال حتى لا تسمعها أمها التي تكون نائمة في ذاك الوقت من النهار لتريح جسدها من عناء العمل طوال اليوم ومن ثم قال
_لا التحذير ده سبيه لي انا لو خايفه على اخوكي بجد وعلى مستقبله وعلى امك وصحتها وافقي علللي هاجولهولك.
قالها وتركها وخرج سريعا مبتعدا عن الدار، دون ان ينتظر ردها أو حتى يستمع لردة فعلها، لتقف هي منصدمة مشدوهة من تصريحاته للهلاك لأسرتها، وكادت أن تسقط دمعاتها إلا أنها استمعت لنداء أمها فمسحت جفنيها على الفور وتوجهت إلى حيث أمها لتلبي نداءها، فتحاول من يومها نسيان التفكير في هذا الأمر وعدم الإنشغال به.
لتعود للحاضر حيث يقف جلال أمامها ثانية ويعيد طلبه البغيض ذاك، فلو كان جلال آخر رجل في العالم ما قبلت الزواج منه أبدا، فهي تراه رجل خسيس حقير، لا يساوي شيئا لو كان يباع في سوق الرجال، هذا الى جانب أنها لم تنسى ما فعله بأخيها وجعله طريح الفراش لأكثر من شهرين، يعاني الألم والوجع، لتذدرد هي ريقها وتقول بتساءل
_انت عايز مني ايه!
_عايز اخطبك،طالبك في الحلال ؟
_ياريت تقول السبب الحقيقي ورا طلبك ده ومتلفش وتدور عليا .
غضب هو من تجرأها عليه بتلك الطريقة وعدم محادثتها إياه بطريقة لبقة ترفع من مقامه
_ازاي تجرؤي تقولي كده ؟ اسمعي انتهى الكلام ، هاجلكو باليل وهتتم الخطوبه وحذاري أنك ترفضي لو مش عايزه اخوكي يبيب في السجن الليلة.
اتسعت أعينها في زعر وزهول مما تفوه به، هل يخبرها ثانية أنه سيكيد لأخيها وسيوقع به، لكنه فتى صغير ليس حمل تلك المتاعب التى يحاول جلال زجه فيها، ألا يكفيه ما فعله به سابقا، تبا لهذا الظالم المستبد ألا يريد أن يرحل عنهم ويتركهم وشأنهم؟ استغربت لم أرادها هي وهناك في القرية من هن أحلى وأجمل منها بمراحل، لم هو مصر عليها حتى أنه يحيك كل هذه الألاعيب والتهديدات، هل يعقل أنه أحبها بالفعل؟ نفضت تلك الفكرة عن رأسها فمثل هذا الرجل لا قلب له ولا مشاعر، فكيف يعرف الحب طريقا إلى قلبه الأسود الملبد بالغيوم الداكنة التي لا تعرف الرحمة ولا الإحسان.
سقطت دمعة منقهرة على حالهم وما يحدث معهم، فمدت أيدها سريعا لتمسحها قبل أن يراها هو، لتنظر حولها فلا تجده أمامها، يأتي ويختفي فجأة كما يظهر، فزفرت بضيق ولعنته في نفسها، وأكملت شراء حاجاتها بعد ذلك بغير انتباه ولا تركيز، تفكر ماذا تفعل للتخلص من ذلك البغيض وتهديداته، وهل إذا ما اعترضت على كلامه، هل سيترك أخيها وشأنه؟ كلا هي لن تتحمل أنه يصيب أخيها مكروه بسببها، وأيضا هي لن تتحمل أن تقبل بواحد مثله ولو كان من أغنى أغنياء العالم، فالأموال لا تهمها على الإطلاق وهذا ما كانت تنصح به صديقتها فاطمة، توقفت محلها للحظة في منتصف الطريق وتسائلت في نفسها" لحظة، ازاي عايز يخطبني وهو قالي انه عايز يخطب فاطمة؟ ليه غير رأيه دلوقتي ؟ ولا تكون فاطمه رفضته عشان كده فكر فيه انا ؟ وإن كان الأمر كده ، اشمعني هي دونا عن غيرها ، بل هي متأكدة أن رجلا مثل جلال يحب المظاهر والخيلاء لن يتزوج إلا من فتاة من عائلة ثرية مثله لتليق به"
كل هذه التساؤلات والمخاوف جعلت رأسها تدور، شعرت وكأنها تود لو تفتح فمها لتصرخ وتصيح عاليا لتعرب عن رفضها لهذا الظلم القابع عليها وعلى أسرتها.
__
وصل إلى الدار وتوقف خارج حدوده، أوقف سيارته وترجل منها لأنه يريد أن يرى جو البيت أولا إذا وجدته مناسبا ليبقى لبعض الوقت وإذا ما رأى الجو مشحونا ليأخذ أخته فاطمة ويرحل سريعا، سار نحو البوابة وما إن رأته أم الخير تلك السيدة الطيبة التي تساعد أمه ونوارة في شئون المنزل حتى رحبت به كثير بوجهها السمح، فسألها عن أمه فأخبرته أنها تجلس في الباحة الأمامية وأشارت إلى حيث تجلس ،ليتوجه عز الدين سريعا حيث تكون أمه وهي ما إن تراه حتى تفتح له ذراعيها وتقول بوجه بشوش
_عز الدين، ابني.
ارتمى عز الدين بين ذراعي أمه وقال بعد أن خرج من عناقها الدافىء، ومن ثم قبل أيديها بحب
_اشتقتلك يا أمي.
طالعته أمه بحنان بالغ، فهي أيضا اشتاقت اليه ورغم أنها تدرك حزن أخيه منه، إلا أنها لا تستطيع ان تلومه على ما فعله ولا حتى أن تحزن منه فهو ولدها وحبيبها وقرة عينها، سألها عن أختها هل هي جاهزة لأن يأخذها ويعود؟
لتهتف أمه باستنكار
_ايه؟ بسرعه كده ؟ أنت حتى ماتخلتش الدار؟
نظر هو بعينه نحو باب الداخل وحاول أن يزوغ بكلماته فلا يستطيع الرد، كيف يقول لها بأنه محرج من أخيه وما فعله به، وكذلك هو لا يستطيع النظر في وجه نوارة أيضا، لتخرجه أمه من حيرته تلك وتقول
_ادخل يا ولدي،.
تنهد عز الدين وقرر أن يدلف ويواجه الأمر فهو ليس مخطئا كثيرا، فله الحق في القبول أو الرفض، هكذا حدث به نفسه ليبرر فعلته مع أخيه، وما إن خطى بضع خطوات حتى وجد أخيه يخرج من الباب ويستعد للذهاب لعمله، توقف عز الدين مكانه وظل يرمق أخيه بنظرات كلها إعتذار وندم وهو يقول
_كيفك يا حمزة؟
ليرمقه حمزة بنظرة خاطفة ومن ثم ينظر أمامه سريعا ويقول وهو يتبع طريقه تجاه أمه
_حمدا لله على سلامتك يا عز، فاطمة مستنياك جوه.
قالها ثم انحنى على أمه وقبل رأسها وأخبرها أنه ذاهب إلى عمله، لتضع أمه يدها على خده وتنظر إليه بحنو
_في رعاية الله يابني.
بعدها رحل حمزة على الفور دون أن يتفوهة ببنت شفة.
تنهد عز الدين بحزن شديد فهو تأكد أن أخيه غاضب منه، فهذا ليس طبيعة تعامله معه دائما، فهو كان دائما ما يضحك في وجهه ويقف ليعرف أخباره ويمزح معه ويخبره أنه اشتاق للجلوس معه، لكنه هذه المرة لم يفعل، فوقف عز الدين مكانه بانزعاج، لتقرب منه أمه، التي فهمت ما يدور في خلده وقالت وهي تربت على ذراعه
_مع الوقت هيهدأ، نوارة مكنتش بخير امبارح وانت عارف نواره ايه بالنسبه لاخوك .
كز عز الدين على أسنانه بغيظ ووضع كل اللوم على نادين هي من خدعته وجعلته يفعل هذا بأخيه، ومن ثم وبعد كل ذلك تخلت عنه، تمنى لو كانت أمامه الآن فهشم عظام وجهها بين يديه.
__
كانت تجلس على مكتبها وتتابع عملها في مراجعة الأوراق المطلوبة منها، ليدخل ناجي غرفة المكتب بأبتسامة مرحة كعادته، بعد أن اقترب من مكتب بسمة وجلس جوارها وقال بينما يتلفت يمنة ويسرة مستغلا عدم وجود أحداهن بالغرفة في ذلك الوقت
_بسمة عايزك في مكتبي دلوقتي لحاجه مهمه من فضلك تعالي ورايا .
قالها ونهض من فوره، ليتركها تتسائل في نفسها في أي شىء يريدها؟
لكنها لم تتردد للحظة ووضعت أوراقها جانبا، ثم تحركت من مكانها وسارت نحو مكتب ناجي الجديد، طرقت الباب لتسمعه يسمح لها بالدخول، ففعلت على الفور، فأشار إليها لتجلس ففعلت وهي تهز برأسها تسأله لماذا طلب منها الحضور، ليتكلم هو داخلا في الموضوع دفعة واحدة حتى لا تأخذها رأسها لبعيد
_بسمة أنتِ عارفه انك صديقة مقربة ليه واكتر كمان ،وواخدين على بعض عشان كده انا فكرت انك تكوني السكرتيره بتاعتي .
اتسعت ابتسامتها لكلامه لكنها نظرت له بتساؤل، ففهم أنها تسأل عن الموظفة الحالية ما مصيرها فقال
_ماتقلقيش هنقلها ، هي جاده اوي وده مايناسبنيش عشان كده رشحتك انت .
حركت رأسها بالموافقة على طلبه، ليبتسم بانكشاح بعد أن أكد لها أنهم سيشكلون فريقا رائعا معا
___
ارتدى ملابسه واستعد لأن يخرج هو الآخر لعمله بعد أن تناول شطيرة من الجبن على السريع، لحتى يلحق بعمله ولا يتأخر
فدلفت إليه أمه وقالت وهي تناوله كوبا من الشاي بالحليب
_نبيل كنت عايزه اتكلم معاك .
تناول الكوب من أمه وأخذ يأخذ بضعة رشفات من الكوب وهو ساخن فتلك متعته
_اتفضلي يا أمي، سمعك.
_ليه مانهتش خطوبتك من بسمة، مش قولتلك تنهيها من فتره ؟
أخذ نبيل نفسا عميقا، بعد أن ارتشف الكوب وأنهاه في مرة واحدة وادعى أنه مستعجل على عمله وقالها لأمه دفعة واحدة وكأنه يريد أن يتهرب من رد فعل أمه عندما تسمع ما سيقوله
_أمي أنا مقدرش اسيب بسمه انا بحبها .
قالها وانطلق لخارج الغرفة ومنها لخارج المنزل بأكمله.
لتقف فاتن تستشيط غضبا منه وتنوي أنها ستعجعله يفسخ خطوبته من بسمة، رغما عنه، شاء هو أم أبى.
أما نبيل فأثناء خروجه من المنزل، وجد سمر أمامه جاءت لتطمئن على نادين قبل أن تذهب إلى الجامعة، وما إن رأته حتى أخفضت وجهها حتى لا تراه فهي قررت أن تنساه للأبد، أما هو فلا يدري لم يرتاح عندما يراها، ويطمئن على أخته في صحبتها، ألقى عليها السلام وسألها عن حالها ثم ابتعد مغادرا بعد أن رفع صوته عاليا ليخبر أمه أن سمر تقف على الباب، أتت فاتن على الفور ورحبت بسمر وأدخلتها لغرفة نادين وهي تشكوها حالها، فنادين لم تستطع النوم أبدا طيلة ليلة البارحة ولا حتى وافقت على تناول أي شىء منذ أن كانت سمر معها في الأمس.
لتنظر سمر لنادين بعتاب حاني
_ليه كده يا نادين؟
تنهدت نادين بوجع ثم أشارت لها لتجلس جوارها، فقررت فاتن أن تتركهما بمفردهما وذهبت لتتابع عملهت في المطبخ.
أخذت نادين نفسا عميقا وأخرجته مصحوب بكل ما تحمله من هم، لتضع سمر يدها في يد نادين فهي تعلم أن أمر زواج نادين صعب عليها جدا، وهي التي تركت عز وعاهدت نفسها لألا تتزوج بغيره مهما كان، وها هي تجد نفسها وفي غمضة عين وفتحها، متزوجة من شخص تراه لأول مرة وقالت بألم من أجلها
_عيطي يا نادين، خرجي كل اللي في قلبك، ماتكتميش في نفسك.
حركت نادين رأسها بالنفي فلقد عاهدت نفسها على أن تكون قوية ولن تسقط دمعاتها أبدا، فبالغرم من أن قلبها هش للغاية إلا إنها تتظاهر بالقوة وتكتم حزنها.
فالتظاهر أحيانا يكون أسهل من شرح الحزن للآخرين، أو رؤية تأثيره في وجوه أقرب الناس إلينا، وعلى الرغم من أن نادين تحاول كتم حزنها إلا أنها فشلت في إخفاء ملامح وجهها التعيسة، فأني لها على إجبار تجاعيد وجهها على الابتسام وقلبها به ألف وجع ووجع.
__
في الخارج رن جرس الباب لتجد الطارق اعتماد أخت زوجها وما إن جلست معها قليلا حتى نهضت من فورها تقف متسعة الأعين تشرد لبعض الوقت، ومن ثم تخطت ذلك بعد أن عزمت في نفسها على أن ترسل نادين في الغد لتبقى في كنف زوجها فلا سبيل لها لأن تبقى هنا وسط تلك البيئة المدمرة لنفسيتها المحيطة بها التي إن بقيت معهم أكتر فسوف تزف جثمان هامد وليس عروس جميل.

روووووعة 🌹🌹🌹
ردحذفتسلم إيدك يا سيمو
ردحذفمين قال انه مش شغال انا هنا اهوه يا قلبي
ردحذف👍👍👍
ردحذفتسلم ايدك يا قمر على البارت
ردحذفانا عندي برد جاممد ادعولي Azza Mohamed
جميله تسلم ايدك
ردحذفروووعة بجد أبدعت
ردحذفجميلة جدا جدا
ردحذففي منتهه الروعه ياقلبى
ردحذفنفسى اعرف اعتماد دى ليه بتعمل كده مع نادين المفروض انها عمتها دانا مستحملش على بنات اخويا الهوا
ردحذف