حصريا على موقع ومدونة روايستا للكاتبة أسماء عبد الهادي
الفصل الخامس
عسل مالح الجزء الثاني
صعد إليها وفي قلبه حرارة لهيب حب ملتاع مهدد بالرحيل، يخشى على من تسكن القلب، فتضيء لآلىء قلبه، أن يصيبها الكآبة والنفور عنه، فقلبها أصبح هائجا ملتاعا لا تسكنه راحة ولا يزوره هدوء، نعم هو يعترف أنه تزوجها زيچة عادية، عرضتها عليه أمه وعندما عددت له صفاتها وذكرت سمتها الصالح أمامها قرر الارتباط بها من فوره، ولكنه ما إن رآها حتى فتن بها، لا من جمالها فحمزة هذا الأمر لا يشغله كثيرا وليس جمال الشكل شىء أساسي عنده، وإنما كان جمال روحها التي سلبته عقله بضراوة وقوة، دلفت على عرش قلبه وتربعت دون استئذان، فتآلفت روحهما واستأنس بها كما استأنست به، تزوجا فمنح بعضهما البعض السعادة التي ينتظرها كل من الآخر، قطرات الحب تتساقط إلى قلبهما قطرة قطرة إلى أن ارتوى وأثمر أينع الثمار وأطيبه، كانت تجلس متربعة الأرجل حزينة باكية، لكنها ما إن رأته حتى تعلق بصرها به وتهافتت روحها، وهو أيضاً كاد قلبه أن يخرج من مكانه، اضطربت ضربات قلبه، فحسه أدرينالين حبه على أن يتقدم نحوها، فتقدم منها مهرولا، وهي أيضا تحركت من مكانها لتتشبث به كما اعتادت متناسية ما حدث منه بالفعل، وكأن حبها سيطر على كل حواسها فأنساها ما شغل قلبها من حزن وكمد للحظات، ليعود لطبعه المتلهف، ارتمت بين أحضانه فاستقبلها بذراعين حانين
كطفلته المدللة الصغيرة، سكنت هي بين ذراعيه، تطمئن لضربات قلبه التي تسمعها بوضوح فهي تريح رأسها على صدره الحاني، فاستمعت لتلك الضربات التي تعزف سيمفونية عشق لها وحدها، مد يده ليمسح على شعرها برفق وحنان بالغ، لتنتفض هي إثر لمسته، فلقدت تذكرت ما سيفعله، فابتعدت عنه بسرعة وكأنما أصابها ماس كهربائي أصاب جسدها بشرارته، لكنه مد يده ليشدد من احتضانه يمنعها من الإبتعاد عنه، وأسكنها ثانية وعنوة لداخل أحضانه من جديد وهو يهمس لها بحب
_خليكي چنبي، أني محتاچك جوي في الوقت ديه أكتر من أي وقت.
رفعت بصرها إليه فتعلق ببعضهما البعض لتحكي أعينه حديث عجز لسانه عن قوله " لا أحد لامس قلبي مثلما فعلتِ أنتِ، ما لي غيرك أنس وهناء لقلبي، أعشقك كبحر هاجت أمواجه ولم تهدأ إلا عندما لامست أنتِ مياهه، لا تبتعدي عني فالعالم كله لا يعني لي شيئا بدونك، زيديني قربا واحتويني، قلبك شمس أشرقت روحي، ووجهك قمر أضاء غرفات قلبي، إبقي معي ولا تقسي علي فأنا أتألم آلاف المرات أكثر منكِ، لا تحسبي سكوني وصمتي استغناء أو منكِ اكتفاء، فلا غيرك في دنيتي يكفيني"
تحينت بهية الوقت المناسب لأن تغادر غرفة ابنها بهدوء، عله يستطيع أن يسيطر على زمام الأمور عنده، فتحركت من مكانها تاركة الغرفة وأحكمت غلقها خلفها جيداً، ومن ثم توچهت لغرفة أبناء ولدها لتطمئن عليهما وتأخذهما معها بالأسفل، لحتى تترك لابنها المساحة الكافية في إخماد ثورة زوجته.
بقي حمزة مع نوارة يدللها كطفلته الصغيرة، يهتم لأمرها ويمسح دمعاتها، لا يفلت يدها أبدا، ظل على وضعه محتصنا إياها حتى علم من خلال انتظام ضربات قلبها أنها هدأت تماما واستكانت له، فأبعد وجهها قليلا لينظر لها بحب متيم ومن ثم يطبع قبلة حانية على ناصيتها والتي تدل على الإحترام والتقدير وخوفه عليها ورغبته في حمايتها والوقوف لجواره، تعني كامل مسؤليته نحوها، وأنه لن يتركها يوما ولن يكون أبدا سببا في إيذاءها.
لاحظ هو أنها بدأت تغفو ربما من التعب أو من الإرهاق النفسي التي تعرضت له، فحملها برفق نحو فراشها ودثرها فيه جيدا بل ومكث جوارها فهو قرر ألا يتركها إلا بعدما يتأكد أنها تخطت ذاك الأمر، أعينها أصبحت تنغلق شيئا فشيئا، فنحنى بجسده نحو أذنها وهمس لها بصوت كان صادقا يخرج من القلب استطاعت إحساسه بصدق وبكل جوارحها "بحبك"
عندها استسلم عقلها لسلطان النوم وغطت في نوم حسنا لن نقول عميقا، لكنها بالفعل قد نامت، تمدد حمزة إلى جوارها بعد أن القى نظرة مشفقة عليها، ثم وضع كلتا يديه أسفل رأسه وأخذ يطالع سقف الغرفة الأبيض والذي يدلى منه ثرية بيضاوية الشكل باللون الأرجواني، وأخذ يفكر في كيفية إدارة حياته مستقبلا وكيف يجب أن يسيِّر الأمور.
بعد أقل من نص ساعة استيقظت نوارة ولا تدري كم من الوقت ظلت نائمة، لتجد حمزة مازال جوارها ولم يتحرك من مكانه فقالت بصوت تعب حزين
_إنت لساتك إهنه، أني فكرتك فتني وادليت على الأرض!
أمسك أيديها وقبلها بحنان
_لاه وأني أقدر أسيب روحي وأمشي من غير ما أطمن عليها!
هتفت هي باقتضاب وهي تسحب يدها من يده وتعتدل في جلستها
_ أني بقيت كويسة، يلا روح.
أمسك أيدها ثانية بيده وأحاط عنقها بيده الآخرى وقال
_لاه أني مش هخرج من إهنه إلا رچلي على رچلك، لو هتنزلي تقعدي تحت كيف ما متعودة أني هنزل معاكي، لكن لو هتقعدي أهنه في الأوضة أني بردك هفضل إمعاكي.
ضربت هي على صدرها وقالت باستهجان
_يا مراري، هتقعد إمعايا إهنه طول النهار، ده إنت معملتهاش أيام فرحنا هتاچي تعملها دلوك، خالتي بهية تقول عليا إيه!
ضحك حمزة وقال
_معلش حظك أيام فرحنا كان فيه شغل في الأرض كاتير وإنتي عارفة مهقدرش أهمل أبوي لوحده في وقت زي ديه، أما بالنسبة لأمي، فمتشغليش بالك قوليلي ملكتي تطلب إيه وأني هنفذه.
ردت هي سريعا فهي تخشى أن تظن بها بهية الظنون
_لاه تعالى ننزل تحت أو تخرج تشوف مصلحتك، أني مش هعطلك عن شغلك.
لتطرق في رأسه فكرة أفضل
_طب إيه رأيك نخرچ اني وإنتي للمكان اللي تقولي عليه؟
هتفتت بجمود فهي مازالت مستاءة
_لاه مليش مزاج يا حمزة للخروج دلوك
_زي ما تحبي، بس تأكدي إني مبحبش ولا هحب غيرك يا نوارة
هتفت بلهفة
_عتتكلم چد يا حمزة، يعني مش عتحب البت اللي بيقولوا عليها المريضة داي.
هتف بهدوء
_بلاش تقولي عليها إكده أكيد هتكون حساسة من الكلمة داي.
هتفت بعبوس
_أهو من أولها وخايف عليها.
_لا أني بس بذَّكر نوارة جلبي إن قلبها حنين مهيخلصهاش تشوف حد محتاج مساعدة ومهاتعملهاش
_حمزة رد على سؤالي وبلاش تتهرب
_لا ياستي اطمني أني مفيش في قلبي غيرك، ولا هقدر اشوف أي ست في العالم غيرك يا حبة القلب.
ابتسمت هي وفرحت بكلامه المعسول، فالنساء عقولهم كالأطفال يفرحن بقطعة حلوة من قليل الكلام، ويطربن لها طربا، لكنها سرعان ما تسآئلت بسؤال يشغل بالها ما إن علمت بالأمر
_البت داي حلوة!
رد هو بلا اهتمام وهو يهز كتفيه
_معارفشي ولا عايز أعرف، قلتلك متشغليش بالك إنتي، إنتي بالنسبة ليا ملكة جمال العالم ومحدش يقدر ينافسك، بلاش تسمحي لشيطانك إنه يسيطر عليكي، وإنسي الموضوع ديه لإنه مش هيأثر أبدا على حبي ليكي، يلا ألبسي عبايتك خلينا ننزل تحت، زمان أمي قلقانة عليكي أنزلي طمنيها وعرفيها أن مرات حمزة عاقلة وواثقة في زوچها، معايزشي كلام في الموضوع ديه تاني ها.
هزت رأسها بصمت وكأنه استطاع أن ينومها مغناطيسيا بحبه فاستجابت لكلامه بهدوء.
وبالفعل ارتدت عباءتها ونزلت مع زوجها بالأسفل لتجد بهية تجلس تطعم طفل، وفاطمة تطعم الطفل الآخر وما إن رأت بهية ابنها ينزل ومن خلفه زوجته صامتة لا يبدو على وجهها أيا من أمارات الغضب ولا السخط ولا حتى الانزعاج، حتى انشرح صدرها وافتخرت بولدها الذي استطاع السيطرة على زمام أموره بتعقل وحكمة، دون حتى أن يستخدم أي أساليب غليظة سواء بنظرة مخيفة أو صوت حاد أو عنف من أي نوع، وهذا هو كمال القوة، أن تدير الموقف بذكاء، فالحدة تجدي نتائج عكسية على عكس التأني واللين، فأحيانا اللين يفعل أكثر مما يفعله الغلظة والعنف.
لذا فتحت فمها وقالت وهي تتفسح في مجلسها قليلا وقالت وهي تضع يدها في ذاك المكان التي افسحته تتحسسه
_تعالي يا حبيبتي جاري إهنه، يا عاقلة يا ست البنات إنتي، بالك هو أني بحبك من شوية؟
بينما انضم عيسى للجمع وجلس معهم ونظر لنوارة وقال ناصحا
موجها الحديث إليها وإلى ابنته
_تعرفوا أني مبسوط من نوارة بتي جوي ربنا يكملك بعقلك يا بتي ويهديكي، فخير النساء
أصدقهن إذا قالت، التي إذا غضبت....حلمت، والتي لا تعصي زوجها.
تنهدت نوارة وابتسمت لعمها بهدوء
لتقول بهية لفاطمة وهي تربت على ظهر نوارة
_بت يا فاطنة عايزاكي تتعلمي توزني أمورك كيف، زي نوارة إكده، حبيبتي ومرت ولدي الغالي، ومحبش ولا هعز بنت زيها واصل.
لتهتف فاطمة مازحة علها تزيح ذاك الوجوم التي تحاول نوارة إخفاءه لكنه بالفعل موجود
_أيوة بقا يا ماي، ملكيش سيرة غير نوارة نوارة، طب واني مش بتك حبيبتك!
لتهتف بهية مدعية الجدية هي الأخرى كي تخفف توتر الجو المحيط بهم
_وانت تاجي إيه يا مصيبة على رأي أخوكي عز جنب نوارة حبيبتي العاقلة، ده انت عقلك محدش يشتريه بقرش واحد.
حركت فاطمة أرجلها بعصبية
_أني يا ماي يعني أني مچنونة إياك
بهية بجدية
_ودي عايزة كلام
انفجر الجميع في الضحك بينما ينظرون لفاطمة التي كانت تجلس وكأنها تنين ينفث الدخان من أذنيه، حتى نوارة هي الأخرى لم تستطع كبت ضحكاتها، وكأنهم كانوا بحاجة لمثل هذا الحديث ومثل تلك الضحكات التي تخفف من وطأة ما يمرون به
___
في الليل وعندما حان موعد النوم بعد يوم طويل شاق وبائس أيضا إلا أن حمزة ظن أنه استطاع أن يجعله غير ذلك إلا إن نوارة ما زالت عابسة، صامتة تتحدث بالبسيط من الكلمات وترد على السؤال فقط وتفعل ما يؤمر منها دون إضافة كلمة زائدة فعلم بالفعل بأنه سيتعب كثيرا لذا
وقف خلفها ويقول محاولا استجلاب عطفها علها توافق أن تدير وجهها له إليه مرة أخرى
_چرى إيه بس يا نوراة ... مالك إكدة إمنكدة على روحك وتاعبه حالك وحالي إمعاكي
هزت كتفها وقالت بغضب مكتوم فهي تستهجن سؤاله
_قال يعني معارفشي مالي... مانا كنت جاعدة في حالي ولا بيا ولا عليا ..وانت اللي چيت وعكرت عليا مزاچي .
تنهد هو بأسى وقال واضعا يده على كتفها
__هنعيدها تاني السيرة داي يا نوارة... مش كنا جفلنا على السيرة داي خلاص ... ولا إنتي اللي بتحبي تچيبي النكد لنفسك يابنت الناس .
التفتت هي له لتقول بعصبية مفرطة وهي تشعر بقهر دفين في قلبها
_لاااه يا حمزة مش أني اللي بچيب النكد لحد عِندي .. وانت عارف كويس إن النكد والعكننة مش من طبعي واصل ...
طالعها بابتسامة عشق وهو يتجول بسوداوية عينيه في عسلية عينيها وقال بصدق
_لا في داي عداكي العيب ..حقك على عيني وراسي ..ده انتي نوارة جلبي وحياتي يا نوارة .
رمقته بنظرة ساخطة وقالت وهي تحرك جسدها باستنكار
_ولما أني نوارة جلبك زي ما بتقول... جاي تزفلي الخبر اللي يقطم ظهري ويكسر جلبي نصين ليه ... بتآكل بعجلي حلاة إياك .
مد يده ورفعها نحو يدها لكنها كانت في أشد حالاتها غضبا لذا أبعدت يدها عنه سريعا
_بعيد الشر عنك يا جلب حمزة وعمره كله ... مش أني اللي أكسر جلب حد وانتي عارفه ده كويس ... عمري ما عملتها مع الغريب... فهعملها معاكي انت يا نوارة!!
هتفت هي باندفاع غاضب فعلى صوتها
_عملته يا حمزة عملته... ولعت ولعتك وسبت جلبي قايد نار ومش لاجية اللي يطفيها ولا يخفف عني حدتها ..
نظر لها نظرة استعطاف علها تصدقه
_اوعي تظلميني يا نوارة ... أني معملتش فيكي حاجة عفشة واصل .. ولا عمري هعمل أبدا
هتفت على نفس الوتيرة الغاضبة
_وكمان مش عارف انت عملت فيا إيه ... روح ..روح يا حمزة لحال سبيلك وهملني .
قالتها واستدارت بوجهها بعيدا عنه
أمسك هو بذراعها ليعيدها لتنظر إليه ثانية
_مقدرش أهملك وانت في الحالة داي ...بكفياكي علشان خاطري يا نوارة لو ليا معزة عندك فضي على سيرة الهم داي وبلاش تنكدي علينا الليلة... خلونا ننام بسلامة الله يرضى عنيك
التفتت له مرة أخرى وقالت بغضب ممزوج بالعتاب المقهور
_ليه ليه يا حمزة تجر بيدك اللي ينكد علي مرتك ويشيلها الهم بدري ليه ...ليه تسيبني كل يوم أهري وأمكت في نفسي ... أهون عليك تموتني بحسرتي .
أحاطها بذراعه يضمها إلى صدره بحنان وحب
_تفي من بوءك يا نوارة جلبي ... اوعاك أسمعك تچيبي سيرة الموت دي على لسانك تاني ..ربنا يخليكي ليا ويطول في عمرك يا قلب وروح حمزة .
هتفت هي بلوعة وقالت وهي تنظر في عينيه
_ماهو علشان أني متأكدة إنك بتحبني وشاريني ومتجدرش تستغنى عني ... كان ممكن اتچنن او يچرالي حاجة من اللي بسمعه منك .
رفع هو يده الخالية عاليا وقال
_أهو ..اديكي جولتيها واديكي عارفة كويس أهو اني مجدرش استغنى عنك وبحبك .. امعيشه نفسك في الأوهام ليه ...
هتفت بقهر وهي تنفض يدها في الهواء
_مهياش أوهام .. ياريتها كانت أوهام يا حمزة مكنش ده بقى حالي... اه يا ميلة بختك يا نوارة ... كان مستخبيلك ده كله منين .
تعب هو من إقناعها هي لا تريد أن تفهم الأمر أبدا لذا قال بقلة صبر فعلى صوته قليلا
_وبعدهالك يا نوارة ...بالله عليكي متخلنيش أتعصب ... انا يا بنت الناس غلبت معاكي ... انت عايزة مني إيه في ليلتك دي .
هتفت هي والدمعات تترقرق في عينيها بينما تبعده عنها
_معيزاشي حاجة بعد عني ... أني رايحة أنام جار عيالي ..وسيبالك الموطرح كله .
فقد هو أخر ذرة صبر يمتلكها ... فهو ذلك الرجل الحليم جدا لكنه عندما يغضب يتحول إلى آخر لا صبر له لذا هتف بصوت غاضب
_انت عارفة يا نوارة لو خطيتي عتبة الباب ديه .. مش هتخطيه تاني!!... مش أني اللي مرتي .. تفوت فرشتها وتروح ترقد جار عيالها ... دااي عيبة في حجي ومش هسامح عليها واصل وانت عارفة اكده كويس أوي.. فلمي الدور وكني في موطرحك واخزي الشيطان اللي مصممه تدخليه بيناتنا ديه .
طالعته بدمعات مترقرقة دون ان تتفوه بحرف واحد او حتى تتقدم خطوة للأمام لتنفذ ما قالته فهي بعد كلامه لن تستطيع المغادرة أبدا فهي تعرفه لن يتهاون في ذلك الشىء مطلقا لذا لم تسعفها سوى الدمعات
رق قلبه لتلك الدمعات التي تنزل من مقلتيها وكأنها نار تحرق في قلبه بحدة لذا أقترب وأبعد ذاك الغضب الذي تمكن منه في لحظة بسبب نيتها في المبيت بعيدا عنه ..وحوله إلى حب واحتواء
أحاط عنقها بيده مرة أخرى وأخذها ليجلسها على طرف الفراش وبدأ يمد يده ليزيح تلك الدمعات بأصبعه بينما هي كانت تبكي بصمت .
وهتف قائلا
_لا حول ولا قوة إلا بالله ... مكنتش أعرف إنك عتحبيني إكده يا بت الناس الطيبين إنت ... كنك بتموتي فيا للدرجة داي ...عشقانة يا بنت عم محجوب ..
هتفت هي تتطلع له بحب وما زالت الدمعات تتلألأ بين جفونها وكأنها حبات ألماس مضيئة زادت وجهها جمالا وضياء
_ايوة عشقانة يا حمزة ودايبة في حبك دوب ... وانت مُصر إنك تحرق قلبي بنار العشق
فتح فمه ليتحدث ..فرفعت إصبعها في وجهه وقالت باندفاع قبل ان ينطق حرفا واحدا
_لااااه... معيزاشي أسمع أعذار يا حمزة معيزاشي ... مفيش عاقل يتقبل الأعذار اللي بتقولها داااي .
_ده في حالة لو كانت أعذاري أني... ساعتها مش هلومك لو مجدرتيش تتحمليها... لكنها مش أعذاري يا نوارة... وانت عارفة إكده كويس.... ده كلام أبويا وأني مجدرش اكسرله كلمته نوهائي... ومش خوف منه او رُهبانية...لااه ابدا.. أني طول عمري لا يمكن أرد كلمة لأبويا أبدا ... ولا هي دي شيمي....ولا اللي اتربيت عليه
أمسكت يده تستسمحه وقالت
_عارفة إنك متجدرش تكسر للحچ كلمة ... او تردله أمر ... لكن في يدك إنك تتحدت معاه يغير رأيه ... انت عارف إن الحچ بيحب دايما يأخد بمشورتك ورأيك في كل حاچة...فلو يعني عبرتله عن إنك مش راضي بكده ممكن يصرف نظر .
شدد هو من قبضته على يدها وقال بعتاب
_كنك متعرفنيش يا نوارة... او كنك لسه عتتعرفي عليا لسه دلوك... أني لو شفت أبوي راغب في حاچة ميراديهاش أني بعملها من غير ما يونطج حتى .
هتفت هي بنبرة يأس من ألا يفعل ما هو مقدم عليه
_يعني خلاص ... هتعمل اللي في دماغك يا حمزة !!
_أني مفيش في دماغي وجلبي غيرك ...هتفهمي كيف يا بنت الناس ... واللي جلتلك عليه هيحصل ..هيحصل ..ومش زي ما شيطانك مسولك أبدا ...فنامي وطمني جلبك يا بنت عم محچوب .. لحسن أني دماغي فيها ريحة اصداع من صباحية ربنا ... ولو زودتي في الكلام ممكن تلاقيني انفچرت في وشك ...من غير إرادتي
ترك يدها واعتدل في سريره ليمدد جسده بأريحية على الفراش ..مغمضا أعينة بتعب
فلم تجد هي بديل من أن تنهض هي الأخرى وتطفأ مقود الإنارة عل ما في قلبها من نار ينطفىء مثله هو الآخر ...
التفت حول الفراش الذي يتوسط الغرفة الكبيرة واتخذت مكانها جوار زوجها ..لتتمدد بجسدها هي الأخرى لتنام.
فمد حمزة يده ليسكنها بقربه وهو يشتم عبير رائحة شعرها الذكية ومن ثم يطبع قبلة حانية عليه وهو يقول
_تصبحي على خير ياللي تاعبة قلبي معاكي .
فتنهدت هي بنصف راحة وردت عليه بصوت هامس
_وانت من أهله يا حمزة... وربنا يستر من اللي چاي
جاءت إلى صديقتها بغية أن تطمأن عليها قبل أن تذهب إلى الجامعة، فقلبها يأنبها أن هنالك أمرا ليس جيدا يحدث، لذا خافت على صديقتها وذهبت من فورها إليها، كانت تذهب إليها يوميا ولكن بعد انتهاء محاضراتها، لكن هذا اليوم شيئا ما دفعها لأن تذهب في ذاك التوقيت، وبالفعل قد صدق حدسها وعندما وصلت للمنزل قالت فاتن بوجه مغتم
_سمر كويس إنك جيتي، نادين مش عارفة مالها محتاجاكي ادخليلها.
أصاب قلب سمر الفزع من أجل صديقتها وشحب وجهها لذا ركضت على الفور لداخل غرفة نادين، التي وجدتها تجلس على فراشها تبكي بحرقة، فوقع قلبها في قدمها وتقدمت نحوها ويكاد قلبها يقف من الخوف عليها
_نادين، حبيبتي في إيه؟
ما إن رأتها نادين حتى ارتمت بين أحضانها تئن بوجع، فهي قد أنهت للتو كل شىء مع عز وقطعت كل طرق الوصول إلى بعضهما البعض ولو بعد حين فهي قد أرسلت له رسالة لتوها تخبره فيها أنها قد ارتبطت بالفعل وأنه لابد له ألا ينتظرها فهي لم تعد متاحة الآن ولن تكون، فهي ستتزوج قريباً، وأنها آسفة على جعله ينتظرها، لكنها ما إن أرسلت له ذلك حتى شعرت بالسوء حيال ذلك ولم تتحمل أنها تخبر عز الدين بذلك بقلبها يريده كما هو يريدها لكن ما يحدث وما تمر به رغما عنها ويتحتم عليها ذلك، لذا دخلت في نوبة بكاء مريرة على حالها وعلى ما آلت إليه أمورها
_لقيته النهاردة باعتلي رسالة منتظر مني رد أبشره قريب، فاضطريت إني أقفل أي باب للإنتظار وبعدها عملته بلوك.
استاءت سمر مما فعلته نادين فجلست جوارها بقهر
_ليه يا نادين ليه كدا، كنتي اصبري محدش عارف بكرة فيه إيه؟
فقدت نادين السيطرة على زمام أمورها وقالت باكية
_استنى ايه وأصبر إيه كان لازم أعمل كدا علشان يشوف طريقه بقا، هيفضل منتظرني لحد إمتا، أنا على قد ما بحبه بتمناله كل خير، هيوحشني أوي رغم أنه واحشني أصلا، بس الظاهر إن ده ذنب إني سمحت لقلبي يتعلق بشخص مفيش بنا أي رابط، بس القلب مفيش سلطان عليه.
ظلت سمر مع نادين تشد من أزرها إلى أن هدأت قليلا وتناولت دواءها المسكن ونامت من كثرة التعب والبكاء، أما سمر فذهبت لمحاضراتها وقد قررت أن تعود إليها تطمئن عليها عندما تنتهي.
وفي طريق خروجها من منزل نادين، استوقفها نبيل على الباب فهو ما زال يهمه أمر غضبها عليه، لذا قال بصوت حزين
_سمر
لم ترد عليه سمر وتابعت فتحها للباب
ليقول هو بينما قبل أن تغادر
_أنا والله العظيم مش هاين عليا زعلك حقك عليا، إنت بجد غالية عليا، سامحيني كلنا بنغلط ودي زلة لسان وأنا معترف أني كنت غلطان.
تنهدت هي بقلة حيلة فهي الأخرى لابد لها من التجلد والتعامل مع قلبها بجمود وقالت دون ان تلتف له
_خلاص يا نبيل محصلش حاجة وانت زي أخويا، معلش أنا اتأخرت على الكلية.
اتسعت ابتسامة نبيل وقالت بوجه بشوش
_انا مش عارف اقولك ايه انتي بجد إنسانة نادرة الوجود، أسف مرة تانية.
____
وجدته يرتدي الجديد من الثياب ويتأنق في ملابسه، ويختار القطع التي سيرتديها بعناية فائقة وبتروي شديد، حتى بدا يخطف الأنظار فدبت الغيرة في قلبها، وانطلى قلبها بلون قاتم مميت واقتربت منه وقالت بصوت ظهرت الغيرة في طياته
_إنت هتدلى على القاهرة مش إكده!
ابتلع حمزة ريقه فهي فهمت على الفور إلى أين سيتوجه، كان يظن أنها لن تفهم، فهو يهتم دائما بإختيار ملابسه ولا يخرج من منزله الا متأنقا في ملابسه، سوى في أيام الحصاد والعمل في الأرض، لكنها فهمت على الفور بحدسها النسائي، على الرغم أنه لا احد صرح أمامها بأنهم ذاهبون اليوم إلى بيت المرشدي لخطبه نادين، ليجدها تبتعد عنه ثانية وتجلس على فراشها ببؤس وهي تستند رأسها على كلتا يديها وتقول حزينة
_فكرك يعني أني معارفاشي، أو حاسة باللي زوچي ونصي التاني هيعمله، كنت عايز تخبي عني أنت رايح فين يا حمزة؟
تقدم حمزة نحوها وجلس جوارها ضاما إياها إلى صدره، فهو لم يكن ليخبي عليها شيئا سوى أنه يعلم جيدا أنها لن تجني شيئا من علمها بالأمر سوى الهم والغم والنكد لقلبها وله، أخبرها بالأمر وطلب منها ألا تنكد على نفسها دائما بل ولا تضع الأمر في بالها من الأساس وكأنه لم يكن، فهي مكانتها لن تتزحزح قيد أنملة فقط، لكن أنى لها أن تتقبل ذلك؛ فهي معزورة فطالما أنها تحبه فبالطبع لابد لها أن تغير على زوجها، فالغيرة شىء ملازم للحب، فالمرأة التي تغار على زوجها لابد وأن يعلم أنها تحبه أكثر من نفسها، فهي أكبر براهين الحب، وليس معناها ابدا التشكيك في زوجها، فهي تعرفه جيدا ومتأكدة أنه لن يرى غيرها، لكنها لا تتحمل أن تكون هنالك إحداهن في حياته ولو كانت إسما فقط كما كانت تظن وبسببها هي هادئة قليلا.
تنهدت وقالت بجمود سيطر عليها في ذاك الوقت
_روح يا حمزة الله يسهلك، يلا قبل ما أغير رأيي.
قبل حمزة ناصيتها وقالت بمرح ليخفف ذاك الجو الكئيب
_هجيبلك حاچة حلوة هتحبيها جوي
_لاه معيزاشي حاچة، ارجعلي بالسلامة يا حمزة وديه كل اللي أني عايزاه.
_يا حبيبتي ربنا يخليكي ليا ويخليني ليكي.
_خالة بهية هتاچي معاكم!
_كانت هتفضل إمعاكم، لكن طالما أنت عرفتي فخلاص هتاجي إمعانا.
استعدت بهية على الفور للذهاب معهم لترى نادين فهي متشوقة لرؤية تلك التي ستحمل اسم ابنها، بينما أوكل حمزة لراضي مهمة حماية أهل بيته"نوارة وفاطمة" وطلب منه حراسة الدار وألا يتحرك من أمامه إلى أن يعودوا من مشوارهم ومهما حدث، كان حمزة يثق في راضي كثيرا ولم يكن ليثق في أحد غيره أبدا، ليستأمنه على أغلى روحين في حياته زوجته وأخته.
اتصل بصاحبه بغية أن يسأله لماذا لا يأتي إلى الجامعة لحضور محاضراته، وإذا لم يرد الحضور، إذا لم ترك بلدته وجاء إلى القاهرة، كان في السابق يسرع للعودة إلى أهله مستغلا اليوم الذي لا تكون فيه محاضرات مهمة، لكن هذه المرة يرى العكس، يراه تاركا أهله وبلدته وتاركا دراسته أيضا، يخرج لخارج شقته ولا يعود إلا بعد وقت طويل، وإذا سأله ماذا كنت تفعل يا عز الدين يجيب بأنه لا يعرف فقط يخرج ليستنشق هواءا نقيا لا غير، كان يعرف أنه مستاء من سفر نادين المفاجىء، لكنه يشعر أنه يبالغ في ذلك الأمر، لذا أخبره بجدية وحزم
_عز الدين لازم تيجي النهارده.
أجابه عز الدين الذي كان يستعد بالفعل للذهاب هذا اليوم للجامعة، فلقد كان يرتدي ملابسه من أجل الخروج
_كنت جي ، اعدي عليك ؟
_اكيد هستناك.
أنهى عز الدين ارتداء ملابسه وتوجه إلى حيث يقيم صديقه مع بعض الشبان المغتربين أيضا واقله وبعضا منهم والذين كانوا سيذهبون إلى الجامعة في ذاك التوقيت أيضا، ركب أحمد في الأمام جوار عز الدين ونظر إليه مدققا النظر في وجهه وسأل باهتمام
_عز الدين أنت كويس؟ حاسس ان في حاجه شاغله بالك!
تنهد عز الدين ولم يشأ يتحدث أمام البقية، لذا قال بهدوء
_هابقى اقولك
وبالفعل وصلوا جميعا وتوجه كل إلى مكان محاضراته، أنهى عز الدين وأحمد محاضراتهم لهذا اليوم ولم يتبقى لهم سوى محاضرة واحدة فقط ، وكان هناك ساعة كاملة فاصلة بين المحاضرة السابقة وتلك التي تليها، فخرج عز وأحمد إلى كافتيريا الجامعة لتناول الفطور هناك، وليقص له عز الدين ما حدث معهم والسبب الذي جعله يفر من والده ومن البلدة بأكملها ويأتي إلى هنا.
لم يعجب أحمد أي كلمة مما سمعها، وأحس أن كل من عز الدين وأخيه حمزة قد ظُلما في هذا الأمر كثيرا، وخاصة حمزة، فما ذنبه وذنب زوجته وحياته بالكامل لأن تنقلب رأسا على عقب هكذا، بل كان يجب على عيسى أن يرى حلا آخر للمساعدة غير هذا الأمر، وأنه لا يفترض عليه من الأساس أن يعطي كلمة في هذا الأمر دون أن يرجع لولديه ويعرف رأيهما، حتى لا يوقعهما في المشاكل كتلك التي فعل.
ليجيب عز الدين
_الأمور عندنا مابتتاخدش كده، لو كان حد غير ابويا كنت هاتجوزها غصب عني لكن ابويا خد رأينا ولو كان حمزه رفض ماكنش ابويا هيجبره ابدا
استعجب أحمد من تصرف حمزة، لم لا يصر على الرفض هو الآخر من أجل نوارة زوجته وأولاده، كما فعل عز الدين ودافع عن حبه الذي هو أصلا لا يملكه، وليس مضمونا بالفعل.
ليتنهد عز الدين ويحاول تغيير هذا الموضوع الذي يسبب الإزعاج له، لكن جاءه في ذاك التوقيت اتصال من أخيه حمزة يخبره أنهم وصلوا القاهرة بالفعل، فسأله عز الدين هل سيأتون إلى شقته ليكون في استقبالهم، فأخبره أخوه أنهم سيتوجهون إلى بيت صديق والده مباشرة؛ لأنه طلب منهم ذلك وأعد لاستقبالهم جيدا بل ودعاهم على الغداء، لكن حمزة تسائل قائلا
_ابعتلك العنوان تيجي؟
ليضحك عز الدين بارتباك
_ لا هو انا مجنون عشان اجي في الوقت ده، أسف ياحمزه.
كان عز الدين يدرك أنه أناني في ذاك الموقف لذا اعتذر من أخيه.
تنهد حمزة وقال بهدوء، فهو حتى لو أتى أخيه معهم فلن يغير قراره، فهو أعطى كلمة ولن يتراچع فيها وسيتحملها للنهاية
_مفيش مشكله ده مش هيغير حاجه.
أعجب عز الدين بصنيع أخيه وأحس كم هو ينقصه الكثير لكي يكون مثله، وشعر بالفخر لأنه أخ لمثل ذلك الرجل العظيم
_ربنا معاك يااخويا
__
أنهى تلك المحاضرة الأخيرة لهذا اليوم وفي طريق خروجه من قاعة المحاضرات قرر أن يتصفح تطبيق الفيس بوك ليجد رسالة قد تلقاها على الماسنجر، فدق قلبه بشدة وتلهفت نفسه لفتح تلك الرسالة وخاصة لأنه أول شىء جاء في باله أن تلك الرسالة من نادين، ليجدها فعلا من نادين، فتراقص قلبه فرحا فأخيرا، ردت عليه يالا سعده وهناه، كان يتوقع أنها ستخبره فيها أنها ستعود قريباً أو ربما حددت موعدا له أخيرا مع والده، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك وعكس ما كان يتوقع، فهو توقع أحلام وردية، وغاص في أحلام اليقظة، ليصطدم بشط الواقع الملىء بالصخور الحادة والأحجار المدببة، التي مزقت أحلامه إربا إربا، ولم تكتفِ بذلك قط بل هي أيضا هشمت قلبه وبعثرت روحه إلى أشلاء هائمى هنا وهناك، ليطوف في مياه ضحلة، شحيحة، شعر بالحنق الشديد، وألجمت الصدمة كيانه فأصبح كالثور الهائج الذي يدور حول نفسه باحتدام وغضب
استغرب أحمد صنيعه وزمجرته بهذا الشكل
لذا تسائل_ مالك يابني شوفت عفريت؟
لم يچبه عز الدين؛ فهو ما إن أبصر سمر تمر من أمامه، حتى تحرك من مكانه مهرولا لكي يصل إليها مناديا بغضب استغربته هي
_سمر ااستني.
توقفت سمر محلها والتفتت إليه لتجده يندفع بإنفعال هادرا
_ ايه كانت نيتكو تلعبو بيه لما هي هترتبط وتتجوز ليه قالتلي انتظر ولا كانت حطاني احتياطي،لو مفيش حد كويس فعز الأهبل موجود صح ؟ قوليلي مشاعر الناس لعبه في ايديكم؟!
ازدردت سمر ريقها ولم تستطع الرد عليه فهو معه كل الحق في انفعاله ذاك، هي تقدر جيدا صدمته والتي كانت تتوقعها، أما هو عندما وجدها تقف مرتبكة لا تستطيع الرد ليقول هو وكل خلية في جسده ثائرة غاضبة
_بلغيها ان اد ماكنت بحبها فدلوقتي باحتقرها وندمت اني حطتها في قلبي في يوم .
__
عندما أنهى عمله باكرا هذا اليوم، قرر أن يمر على مخطوبته في الجامعة ليراها وليوصلها للمنزل، وليتحدثا لبعض الوقت معا.
وما أن وصل لساحة الكلية ليبحث عنها حتى شاهدها تحاول اللحاق بذاك الثائر المحتقن الذي يمشي مهرورا ويوليها ظهره
_استنى ياعز اسمعني .
ليتلتف إليها عز ويقول بصوت غاضب استمعه من يقف بالجوار
_ أسمع ايه!! كل شيء انتهي.
قالها وانطلق كالليث الغاضب مغادرا الجامعة بأكملها ليركب سيارته، ليركب معه أحمد سريعا خوفا من أن يتهور أو يفعل شيئا ما في نفسه قد لا يحُمد عقباه.
أما هي فوقفت تضم شفتاها بأسى مما يحدث مع عز ونادين، حتى أنها اغرورقت عيناها حزنا عليهما، فها هو عز الدين يكرهها للأبد، رغم عشق كليهما للآخر
أما خاطب سمر ما إن شاهد ما حدث ورأى الدمعات تتحجر في مقلتيها، حتى انطلق إليها محتدما هو الآخر فلقد أساء فهم ما يحدث وظن أن مخطوبته، تخونه وتحب شخصا آخر غيره، وها هو أمسكها متلبسة بالجُرم وشاهدها بأم عينه، تتشاجر معه، ليتركها هو ويرحل وتود هي لو تلحق به لتستسمحه وتستجدي رضاه.
وقف جوارها لتتفاجىء بوجوده فيقول هو غاضبا
_ايه مستنيه ايه ، يالا روحيله اجري وراه عشان يسامحك ومايسبكيش يالا ايه اللي مانعك ؟ خاتم الخطوبه اللي في ايدك ماشي اهو انت دلوقتي حرة.
نزع خاتم الخطبة من يده ووضعه في يدها بحنق وأردف ساخرا
_انا مش فاهم، ليه وافقتي على خطوبتنا طالما بتحبي واحد وعلى علاقه بيه ، شكلي كنت غلطان في نظرتي ليكي كنت فاكرك بنت كويسه وعندك اخلاق، لكن للأسف أنتِ مش كده اعتبري اللي بينا انتهي.
قالها ورحل سريعا، دون حتى أن ينتظر ردها، أما هي فألجمتها المفآجئة عن النطق، كان عقلها يدور ويختل بسبب ما حدث لنادين وعز، فيأتي خاطبها ويكمل إنهيار ما تبقى لها من ذرة عقل في ذاك التوقيت، بظنه الخاطىء ذاك، كيف يفكر فيها هكذا وكيف يلقي بالتهمة ويصدر الأحكام دون روية أو حتى قبل أن يسمع منها ما عندها، ألقت ما قاله خلف ظهرها، فهو في الأساس لم يكن يهمها ولا يشغل بالها، كان بالنسبة لها مجرد شخصا عاديا، بمعنى أن تُخطب له أو لا تُخطب لا يشكل فارقا، لكن أن يفسخ خطوبتها بتلك الطريقة كانت مؤلمة بالنسبة لها، لكنها لا شىء مقارنة بما تعانيه نادين الآن ولما حدث مع عز للتو.
فبكل هدوء وضعت خاتم الخطوبه في حقيبتها، كي تعيده له مع بقية أشياءه التي كان قد أحضرها لها، بم إنه قد فسخ الخطبة، فلا حاجة لها بالهدايا التي أحضرها لها، فستعيدها له جميعها.
وقفت محلها لا تدري ماذا تفعل، هل تذهب وتخبر نادين بما فعله عز الدين فتغتم أكثر؟ أم تصمت ولا تخبرها بالأمر؟
حقيقة كانت متحيرة تائه، حزينة غاضبة من كل يا يحدث حولها أيضا، فالليل قد حل باكرا على سماء قلبها هذا اليوم، فأظلمت كل طرقها، فلم تعد ترى الطريق جيدا أمامها، أغمضت عينها هنية ورددت ببؤس
_ يا حسرة على قلبك يا نادين.
على رنين هاتفها ففتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها لتنظر من الذي يتصل، لتجده إتصال من نادين، فأخذت نفسا عميقا قبل أن تجيب، لتسمع نادين على الجانب الآخر تقول
_سمر تعالي بسرعه، أمي عايزانى اقعد معاهم محتجاجي اوي .
نسيت سمر كل ما حدث وهرولت سريعا لتكون مع صديقتها في أكثر موقف هي تحتاجها فيه.
أما نادين وبعد أن هاتفت سمر قد قدمت إليها أمها وقالت بحنان
_حبيبتي هما خلاص خلصو اكل وعايزين يشوفوكي.
حاولت نادين التجلد، وإظهار القوة التي كانت هي عليها دائما، بعد أن دثرها المرض وأخفاه خلف ستار الضعف والعجز، لكنها بعد اليوم لن تكون عاجزة ضعيفة، لذا رفعت رأسها نحو أمها وقالت بكل جمود
_ ممكن استنى سمر؟
ربتت أمها على شعرها بحنان وقالت وهي تضع حجاب ابنتها على رأسها
_ لما تيجي سمر هدخلها معانا على طول يالا متخافيش كلنا معاكي .
حركت نادين رأسها وسارت مع أمها إلى حيث ينتظرها عائلة الحج عيسى، كانت تشعر بالخوف والريبة الشديدة، لكن ما كان يطمئنها هو وجود الحاج عيسى التي تعتبره بمثابة أب ثاني، تألف وجوده وتكن له كل الحب والإحترام، سارت على تؤدة وكيفما تقدر بحالتها تلك، تستند على يد أمها وما إن اقتربت منهم حتى نهض أحمد من مكانه ليتناول يد ابنته ويعاونها على السير لحتى تجلس إلى جواره.
أما الحج عيسى ما أن رآها حتى اتسعت ابتسامته، وقال كي يخفف حدة التوتر التي هي بالطبع عليه الآن مثلها مثل أي فتاة في مثل موقفها الآن وعندما يقدم لها أحدهم تكون مرتبكة متوترة
_نادين بتي،انا شايف انك بقيتي بخير الحمد لله .
جلست نادين جوار أبيها وعلى الكرسى المنفرد جوارها كان يجلس الحج عيسى الذي مال بعنقه نحوها وقال لكي يرفع من معنوياتها كأنثى قليلا
_ايه الجمال ده تبارك الخالق!.
ابتسمت له نادين بخفوت، كانت لتبتسم بوجع إذا ما سمعت هذا الكلام من أحد غيره، لكنها تعرف جيدا أنه لا ينافقها بل يقول الحقيقة كاملة.
أما عن بهية فما إن أبصرت نادين حتى تحسرت على تلك الزهرة الزابلة الأوراق، فلقد وأد المرض جمالها، وعلى الرغم من ذلك، يظهر بقايا جمالها جلية فلم يعطها أي وجه منفر أوقبيح ، بل على العكس طفى على صفحة وجهها البيضاء لمسة من براءة، وطيبة كالأطفال، والتي ما إن تراهم حتى تقع في حبهم من أول نظرة، وعلى الرغم من حبها لنادين وارتياحها لها ودون أن تسمع صوتها حتى، كان قلبها يتحسر أيضا على نوارة؛ فنادين إذا عادت إليها صحتها، فتنافس نوارة وبكل جدارة في الجمال والحسن، لذا خافت من أن تقلب نوارة على زوجها بشأن هذا الأمر، وهو بالطبع ما لا تريده فهي تبغي لابنها حياة طيبة سعيدة سواء مع أي منهما.
تبادل كل من أحمد وعيسى بعض الأحاديث الجانبية والتي شارك في بعضها حمزة، أما بهية فلقد كانت تتحدث مع فاتن وتوجه أحيانا بعض الحديث لنادين التي كانت تجيب بإيماءة بسيطة من رأسها أو بابتسامة خافتة لا غير.
ليقول بعدها عيسى بجدية
_أعتقد أننا مش هنختلف على حاجه ياأحمد تعالي نسيب العرسان مع بعض شويه .
ما إن استمعت نادين لذلك نظرت لأبيها برجاء لألا يتركها وحدها مع ذاك الرجل التي حتى لا تعرف إسمه.
فاقترب منها وشدد على كتفها بحنان وقال
_هاكون قريب منكم.
ابتعد أبيها وأمها وأخيها بصحبة الحج عيسى وزوجته، بينما تحرك حمزة من مكانه ليجلس بالقرب قليلا من نادين ولحتى يستمع لصوتها فهو يظن أنها ربما لا تستطيع التحدث بوضوح بسبب تعبها.
ابتدء حديثه يسألها عن حالها، وبعدها عرفها عن نفسه، قال اسمه وعمره فقط، ومن ثم سألها عما إن كانت تريد أن تقول شيئا او حتى تسأله أي سؤال.
فهزت رأسها بالنفي، ليخبرها حمزة أن تتطلع إلى وجهه فهي لم تره، هي لم ترفع بصرها نحوه مطلقا وهو لاحظ هذا، لكنه لا يدرك أن رؤيته وعدمها سواء عندها، فلا فرق إن لم يكن عز فجميع الرجال غيره متساوون.
ظل حمزة يتحدث معها قليلا بشأن أن المرض ليس بيد أحد سوى الله وأنه لا مشكلة لديه في ذلك وهو واثق من شفاءها ورجوعها لحالتها الطبيعية وراضي تماما بها هكذا ولا يرى فيها أي عيب وبعدها نهض لينادي لوالداه ليلبس نادين خاتم الخطبة لحتى ينتهى الأمر وتنتهى تلك المهمة على خير .
لكن ما كان غير متوقعا لنادين وما لا يعرفه حمزة فلم يخبره أبيه بذلك قبلا، هو قدوم المأذون في تلك اللحظة مع الشهود أيضا، يالا تعجلك يا عيسى في ذاك الأمر، ويالا صدمتك يا نادين أنتِ وحمزة.
ليقول عيسى بوجه بشوش
_نخليه كتب كتاب احسن، علشان تعرفو تبقو على حريتكو في الكلام .
ألجمت الصدمة عقل نادين، فلماذا يتم الأمر بتلك السرعة ألا يكفيهم أنها لم تتخطى أمر الخطبة حتى يقولوا أنها ستتزوج بالفعل، شعرت بالدوار فكادت أن تترنح في مكانها إلا أن أخيها نبيل لحقها وجلس جوارها وأسندها بذراعه الذي أحاطتها وقال لها هامسا
_نادين في حاجه !
لا شىء أصبح فارقا الآن، فالأمور كلها أصبحت سواء، فلا شمس ولا قمر سوف يحلان من الآن على سماء قلبها، ولا حتى تلك النجوم التي كانت تنير ظلام ليلها الحالك، حظها من الحياة هو التعاسة والشقاء، ولكي تستمر قُدما إن أرادت العيش عليها أن تحارب، وتجالد في سبيله، فهي تدرك أن الحياة زائلة وانها ليست دار القرار بل هي دار اختبار، فلتصبر ولتحتسب، ولتعش الحياة بكدرها وحلوها إن وجد، فقررت ألا تياس ولا تجزع ولا تتألم، لذا حركت رأسها بأنه لا شىء البتة، رغم أنها قررت في قرارة نفسها لأن تفعل شيء ما وستنفذه بكل تأكيد، عندما يرحل هذا الجمع الآن، ويتستنى لها التحدث مع حمزة بمفردهما.
انتهى المأذون من عقد القران وبارك للعروسان وغادر ولحق به الشهود ليبقى الجميع مكانه مع نادين ما بين مباركا ومعانقا، مع إنطلاق زغرودة مباغتة من حلق بهية، كما أشار لها الحج عيسى بفعل ذلك، بينما حمزة يخرج العلبة التي تحوى على الذهب الذي أتوا به من أجل العروس وقام بإلباسها إياه قطعة تلو الأخرى كما هي عادتهم في الصعيد "الكثير من الذهب"
أتت سمر في ذاك التوقيت لتصعق هي الأخرى بشأن عقد قران نادين، فتزفر بضيق وكادت أن تبكي بالفعل بل هي بكت فلقد توجهت بسرعة نحو المطبخ حيث لا يراها أحد وبكت فبما حدث قد كتب الفراق بين نادين وعز الدين للأبد.
جاءت فاتن لتحضر المشروبات الغازية الباردة للحضور واستغلت هي أيضا فرصة ألا أحد يراها في المطبخ لتسقط دمعاتها المتكدرة، الحزينة على حال ابنتها، ولم تكن تدرك ان سمر موجودة أيضا بالمكان.
وما إن راتها سمر تبكي، حتى اقتربت منها ووضعت يدها على كتفها دون تتفوه بكلمة واحدة لتبكي فاتن بشدة وتقول بقهر
_مكنتش اعرف ان الحج عيسى يقصد ابنه الكبير بنتي دلوقتي تعتبر زوجة ثانية.
صعقات وصدمات متتالية تتعرض لها نادين وتشعر بها سمر وكأنها هي التي تتعرض لها وليست نادين فلقد كانت تشاطرها روحها هناءها وشقاءها فابتعدت قليلا من مكانها ليصطدم ظهرها بالحائط، وهي تفتح أعينها على وسعهما_ ايه ياربي!
لتهوى فاتن على أقرب مقعد وتقول
_خايفه اندم على اللي عملته في بنتي في يوم مالايام .
ظلت كل منهما تزرف الدمعات علّ تلك الدمعات تمسح أحزان قلبيهما وتبدد ذاك الكمد القابع في قلبيهما.
ليأتي نبيل مستعجلا بالمشروبات، فتمسح سمر وفاتن دمعاتهما سريعا وتتحركا من مكانهما، وتعد له ما يريد، فأخذها وخرج من المطبخ ولم ينتبه للحالة التي هما عليها الآن.
أما نادين ففتحت فمها لأول مرة منذ أن جلست معهم وقالت بصوت هامس لأبيها
_عايزه اقول حاجه لحمزة.
أومأ لها أبيها موافقا، وأشار بأعينه للحج عيسى لأن يغادرا مكانهما، ففهم الحج عيسى على الفور وتحرك من مكانه، أخذه أحمد والد نادين إلى الشرفة، بينما بقي نبيل مكانه في الردهة يجلس مقابلة لأخته حتى أذا ما أرادت شيئا يكون بجوارها دائما.
ابتسم حمزة لنادين وقال
_مبارك، احنا دلوقتي اتجوزنا
_عايزه اقولك على حاجه.
_اتفضلي.
أرادت نادين أن تتحدث معه بكل صراحة، فهي تدرك جيداً أنه جاء ليتزوجها بطلب من أبيه، كما طلبت أمها من الحج عيسى، كما أنها أدركت من خلال قسيمة الزواج التي كانت تبصم عليها بإصبعها أنه متزوج بأخرى، ورغم ذلك لم يشكل معها فارقا أيضا، لذا فلتقل ما عندها ليكون الجميع مرتاحا فيما بعد
_عايزه اقولك ان جوازنا يكون صوري بما ان امي عايزه تجوزني وابوك فرض عليك ده
تنهد بحنق ثم أغمض أعينه هنية وقال
_ممكن ظروف جوازنا غريبه،لكن احنا اتجوزنا بالفعل وعلى سنة الله ورسوله، ولو اتفقنا على أن الجواز يكون صوري يبقى جواز باطل .
علمت نادين من كلامه أن خطتها في اللوذ بنفسها قد فشلت.

روووعة
ردحذفجميلة جدا احسنت
ردحذفأبدعت
ردحذفابدعتي ياحبيبتي
ردحذف💞💞💞💞
ردحذفبارت جميل ودسم وشكلنا داخلين على وجع مابعده وجع😔😔😔
ردحذف