البارت الخامس

 رواية شوق 
البارت الخامس بقلم الكاتبة أسماء عبد الهادي 



بارت ٥
متعدل 
شوق
بارت ٥ 
شوق 
اسماء عبد الهادي
اقترب خالد من سيارة فداء وهو يسب ويلعن ذلك الشخص الذي بداخل السيارة التي اصطدمت بسيارته وهو لا يعلم بهويته ويظنه رجلا ولم يتوقع أبدا أنها إمرأة
كان في مزاج سىء بسبب اخته، فأراد ان ينفث جام غضبه بالكامل على ذلك الرجل كما في اعتقاده 

وصل للسيارة وطرق بحدة على جسم السيارة من الأمام وهو يقول 
_انت يا مختلف، اطلعلي هنا.

ارتعبت فداء من ذاك الرجل القادم نحوها ويبدو على وجهه الشر ومن هيئته انه لا ينوى على خير، فاستمرت في مكانها ولم تتحرك البته.

ليضيق خالد ذرعا بتصرف الرجل الذي لا يعيره اهتمام ولا ختى ابدى أي اعتذار

لذا توجه تجاة النافذة وطرق عليها بحدة، وبينما هو ينظر إذ وجدها امرأة وترتدي حجاب فقال هازئا 
_لا وطلعت بنت .. حلو اوي كملت اطلعيلي.

نظرت له بخوف، فلاحظت حركة يده وهو يشير لها بالخروج
فحاولت ان تبث نفسها الشجاعة 
_اهدى يا فداء متخافيش اطلعي اعتذريله وامشي... وخلاص كدا 

وضعت يدها على مقبض الباب ولكنها سرعان ما قالت لنفسها 
_طب وافرض طلع راجل قليل الزوق وسئيل وطلب تعويض هتعملي ايه وانتي اصلا ابوكي منفضك اول بأول، بس انا مش اللي غلطانة انا فجأة لقيت عربيته ف وشي 

انتبهت هي على صوت نقراته المتتالية على زجاج سيارتها 
فزفرت بحنق وخرجت من السيارة غاضبة  متناسية خوفها من أن يكون الرجل الذي أمامها غليظ الطبع وقالت
_ايه با بني آدم انت ... عايز ايه

طالعها خالد بنظرات تكاد تقطلع أعينها بسبب غيظه منها وقال
_ممم لا وكمان مش معترفة بحجم المصيبة اللي عملتيها... ده انتي وقعتك طين معايا
احتدت ملامحها وهتفت خانقة من كلامه 
_ما تحترم نفسك يا جدع انت الله... عربيتك خبطت في عربيتي، واحنا الاتنين مضرورين، انت ايه مشكلتك بقا

_مشكلتي ،انك السبب في اللي حصل، لو كنتي سايقة زي الناس مكانتش عربيتي اتبهدلت

_وليه متكونش انت السبب في اللي حصل، وانت اللي بهدلت عربيتي 

أجابها حانقا وقال بنفاذ صبر
_ اسمعي بقولك ايه انا على أخرى وساكت ليكي بالعافية ها 
اجابته بحدة وقالت بعصبية وهي ترفع سبابتها في وجهه
_اعلى ما  في خيلك اركبه، وقلة زوق انا مش عايزة، انا خرجت اعتذر لك رغم اني مش السبب في اللي حصل، قبلت كان بها مقبلتش انت حر، عن اذنك.

كادت ان تدلف سيارتها مرة أخرى فأمسك بيدها ليمنعها من ذلك 
وقال 
_استنى هنا، انتي اتجننتي ولا جرا لعقلك حاجة، لا وبطولي لسانك عليا كمان؟

نزت هي ذراعها من قبضة يده بحدة 
_اوعى سيب ايدي، انسان وقح وقليل الادب كمان، ازاي يا بني ادم انت تسمح لنفسك تحط ايدك عليا، أنا هبلغ فيك بوليس الأداب علشان يلم الأشكال الزبالة اللي زيك.

انخرط خالد في الضحك من حديثها وقال
_والمفروض ايه؟ اني اخاف مثلا، اعتبر ده تهديد ولا قصدك ايه 

عندما وجدته بارد الطبع، يرمقها بنظرات قاتمة كلها برودة وسماجة 

حاولت ان تتحدث بهدوء وهي تحاول ان تكبت غضبها فقالت وهي تزفر بضيق
_ممكن اعرف انت عايز ايه دلوقتي علشان امشي؟ 

_تصلحي عربيتي وحالا 

_نعم، ليه فاكرني ميكانيكي مثلا ولا ايه،ثم اني انا مش اللي غلطانة انت اللي اعترضت طريقي فجأة اعملك ايه.

قال هو هادرا 
_مش مشكلتي انك بنت مش مسؤلة وطايشة، أنا عايز عربيتي ترجع زي الاول وبأي طريقة

قالت فداء وهي تنحني بجسدها لداخل السيارة 
_طيب حاضر ثانية كدا ... لحظة بس هجيب حاجة من العربية
وعلى حين غرة منه، دفشته بحقيبتها فهي لا تريد ان تمس رجل غريب عنها

ودخلت سيارتها سريعا وقادتها مبتعدة عنه.

انصدم خالد بما فعلته فداء فهي خدعته ورحلت دون أن ينتبه بذلك

لكنه نظر لأرقام سيارتها وحفظها جيدا وهو يقول متوعدا
_وربنا ما هسيبك، لعبتي في عداد عمرك معايا، مش أنا خالد السباعي اللي واحدة زي دي معرفش أخد منها حق ولا باطل 

اما فداء بعدما انطلقت بعيدا وشعرت أنها بمأمن من ذلك الرجل الخنيق، تنفست براحة وهدأت من سرعة سيارتها وقالت
_اووف راجل فظيع اعوذ بالله، هو فيه كدا.

بعدها قادت السيارة نحو فيلا والدها.

__
في الجيم الخاص بأخو توبا

كانت توبا لا تلقي أي استعداد او قدرة على ممارسة أي تمرين او أن تتدرب على أي آلة من الآلات الموجودة في المكان 
حتى انها لم تسلم من كلمات البنات معها في الصالة النسائية
لتقول احداهن
_دي جاية تعمل ايه هنا دي... دي اخرها حلة محشي وهتغطس فيها ومتقبش

ضحكت الفتيات كلهن لتقول الأخرى
_عاملة زي الشوال ملهاش أي اتجاهات لو طلعت على أي جهاز من دول هتفرقعه

فضحكت الفتيات أكثر

كل هذا كان تحت مسامع توبا التي كانت تدعي انها لا تسمع شيئا حتى لا تصاب بالإحراج،لكن كان ذلك جليا على ملامح وجهها التي أصبحت باللون الأحمر من الحرج التي اصيبت به اثر كلماتهم، فطأطأت رأسها أرضا ولم تستطع أن تنهض من مكانها ولا أن تقوم بأي تدريب لحتى لا تنال نوبة من السخرية مرة أخرى.

لتأتي اليها احدى المدربات وتطلب منها أن تنهض من مكانها وتصعد على آلة المشي 
فتقول إحدى الفتيات 
_مش هتقدر تقوم من مكانها دي عايزة ونش يشيلها 

اغتاظت توبا من حديثهم وضمت قبضتي يدها بغضب وحزن شديد وكادت أن تنهض وترد عليهم.

لتجد أخيها يدلف المكان 
فتنهض الفتيات معظمهن نحوه وتطلب منه أن يقوم بتدريبهن 
فيفعل على الفور
وبينما هو في مكانه يقوم بتدريب الفتيات على طريقة التدريب الصحيحة
نادى بعلو صوته على المدربة المساعدة له وقال
_ها ايه أخبار شوال البطاطس اللي معاكي ده 

لتنفجر الفتيات في الضحك أكثر، بينما تصاب توبا بالأسى وتتدلى شفتاها ببؤس فها هو أخيها يحتل المركز الاول في التنمر عليها وأمام الجميع ولا يبالي، يرميها بسهامه الغاشمة دون اكتراث لمدى تأثير تلك السهام في نفس أخته ،كانت تشعر بأن قلبها يتمزق، يتقطع إلى آلاف القطع، فأخيها التي من المفترض ان يكون الدرع المنيع الواقي لتنمرات الجميع، هو بنفسه الآن من يهدم ذلك الدرع ويحتل الصدارة في تحطيمها كليا.

لترد عليه المدربة
_لسه مبدأناش اول تدريب حتى يا كابتن.

هتف هو حانقا رامقا أخته بنظرات ساخطة
_ولا هتتحرك في يومها، أنا مش عارف حظ ايه المنيل ده 

لتهتف واحدة من الفتيات والتي معظمهن صغيرات في السن كما هي توبا في عمر ما قبل العشرون
_اعتبرني انا اختك يا كابتن بركات

ليهتف بركات مغازلا الفتاة وقال بتمنى
_ياريت هو انا أطول القمر ده يكون اختي، لا لا بجد كنت هكون أسعد إنسان في الدنيا 

هنا لم تستطع توبا تمالك نفسها فانفجرت باكية كنافورة ماء تم فتحها للتو، بينما سحبت نفسها وغادرت المكان بأقصى سرعة تمتلكها.

ولم تستمع لنداءات أخيها الذي يطلب منها ألا تغادر وتظل مكانها
_توبا انتي رايحة فين،خدي هنا 

لكنها لم تبالي بأحد أبدا وانطلقت في طريقها لخارج الجيم ودمعاتها الحارة تغرق وجنتيها من الألم والوجع 

__
بعدما أنهت ما كانت تفعله من تغليف الطعام بمساعدة العم سيد بغية ارساله لمن يحتاجه
دلفت غرفتها لتريح جسدها قليلا، وعندها قررت أن تهاتف آيات تلك الفتاة التي تعلقت بها شوق وتعتبرها كأختها الصغيرة لتعرف اخبارها، وأخبار البلدة في غيابها 
أمسكت شوق هاتفها الصغير من نوكيا ذو الأزرار وشردت في بلدتها وهي تمسكه 
_اااه يا مين يرجعني بلدي دلوك، وحشتنى ريحة ترابها، وارضها، الهوا اللي كنت بتنفسه هناك أحسن وانضف وانقى من اهنه مليون مرة، فينك يا عشتي دلوك، صحيح السرير هنا مريح وكأني نايمة على جردل ماية إلا إني هناك كنت بنام مرتاحة البال والضمير، اهنه الكل مركز في كل حاجة ومهتم بكل حاجة وعاملينها على اعلى مستوى الا الأخلاق نسيوها وكأنها عابر سبيل ملوش حق في المبيت

قالتها وبعدها بدأت تردد تلك الابيات من الشعر بينما تضغط بأصابعها على ازار الهاتف لتتصل بآيات
_
إِنَّ المَكارِمَ أَخلاقٌ مُطَهَرةٌ
فَالدّينُ أَوَلُّها وَالعَقلُ ثانيها
وَالعِلمُ ثالِثُها وَالحِلمُ رابِعَها
وَالجودُ خامِسُها وَالفَصلُ ساديها

هنا أجابت آيات على الفور وما إن استمعت شوق ترنوا بتلك الاپيات حتى رددت معها التكملة التي تحفظها من شوق عن ظهر قلب
_
وَالبِرُّ سابِعُها وَالصَبرُ ثامِنُها
وَالشُكرُ تاسِعُها وَاللَينُ باقيها
وَالنَفسُ تَعلَم أَنّي لا أُصادِقُها
وَلَستُ أَرشُدُ إِلا حينَ أَعصيها
وَالعَينُ تَعلَمُ مِن عَينَي مُحدِّثِها
إِن كانَ مِن حِزبِها أَو مَن يُعاديها
عَيناكَ قَد دَلَّتا عَيناي مِنكَ عَلى
أَشياءَ لَولاهُما ما كُنتَ تُبديها

وعندما انتهيا 
قالت آيات
_ أبلة شوق وحشتيني اوي، فين أراضيكي دلوك، الناس اهنه بتقول انك عزلتي مع أبوكي، صحيح ديه يا أبلة؟يعني مش هنشوفك تاني، مش هتعاودي تاني البلد يا أبلة ؟

هتفت شوق ساخرة وهي تمط شفتيها
_يعني يا به غيابي مأثر معاكي اوي، ده انتي حتى مرفعتيش المحمول على ودنك وقلتي ألو، ازيك يا أبلة عايشة ولا مدهوسة في الطين 

لتهتف آيات بدفاع عن موقفها
_والله يا أبلة كنت عايزة أكلمك بس استحيت قلت أكيد مع ناسها ومشغولة بيهم وأجلت الإتصال لوقت تاني، وفرحتلك اوي ان أبوكي أخيرا حن عليكي ورجعك لتحت جناحه

ابتسمت شوق ساخرة ومطت شفتيها ساخرة من فعلة ابيها
_ايوة ايوة اخدني فعلا تحت جناحه يابت حتى أني من كتر الدفا هفطس لحد ما قربت أموت.

ظنت آيات أن شوق من نبرة حديثها مستاءة منها ولا تدري او لا تتوقع ان شوق مستاءة مما فعله ابيها بها فقالت 
_والله ما تزعلي مني يا أبلة شوق انتي عارفة أني بحبك قد ايه ومعزتك عندي كيف.

هتفت شوق باسمه
_واني مش زعلانة منيكي يا هبلة اني بس بناغشك علشان تتدردحي وتتحدتي معايا عادي اكده... ده اني بعتبرك اختي اللي مخلفهاش ابوي.

هتفت آيات باسمة وقالت بنبرة صادقة
_وأني يا ابلة شوق وربنا اللي يعلم، بعتبرك مش بس أختي الكبيرة لا بعتبرك أمي كمان.

هتفت شوق مازحة 
_غوري يا بت كتك نيلة قال امك قال، فاكراني كبيرة للدرچادي ... ده أني لسه صغيرة في عز شبابي مكملتش العشرين سنة .. تنكري يا بت يا مصيبة انتي

ضحكت آيات وهتفت قائلة 
_اه طبعا يا أبلة شوق، صغيرة وست البنات كمان.

_بتخديني على كد عقلي يا بت 

ضحكت آيات ثانية
_لاه والله يا أبلة شوق، دي الحقيقة، وأني بقول بعتبرك زي أمي في المعزة والله مش قصدي العمر أبدا رغم انك بردو مش كبيرة ابدا، انتي في عنفوان شبابك.

ضحكت شوق وقالت وهي تتنهد براحة وسعادة فالحديث مع شخص من أهل بلدتها الصغيرة وخاصة آيات التي تكن لها معزة خاصة أعاد الهدوء والسلام النفسي لقلبها من جديد

_عنفوان شباب ايه يا بت، ده انتي لو شفتي خواتي الولاد، تتفي في وشي، بياض وجمال ايه وعيون ملونه تقوليشي أجانب، أما أني مش عارفة جايبة السمار ديه كله منين، 

ضحكت ثم اردفت كلامها
_طالعة لأمي في السمار ديه، حتى أبوي بخل عليا بجيناته، هو الحظ عارف صاحبه امطين بطين.

ضحكت آيات فهي تعلم أنها ليست شوق من تنظر للأمر بهذا الشكل او تسخط لهذا السبب فهي تعلمها شديدة الإيمان والقوة لن يزعجها مثل هذا الأمر البسيط والتي لا إرادة لأحد فيه
__أسماء عبد الهادي
وصلت فداء إلى الفيلا الصغيرة التي تعيش فيها مع والدها وحدهما بعد وفاة والدتها، والتي ما إن رحلت، حتى تظن انه رحل معها ذلك اللجام الذي كان يحكم يتصرفات زوجها المشينة ،فهي كانت له الرادع والمانع من كل التصرفات السيئة التي يفعلها الآن، وكأنها كانت الضمير الحي الذي يقف له بالمرصاد
لكن الآن، هو يفعل ما يحلو له دون رقيب لا يأخذ بنصائح ابنته ولا يلتفت لها، حتى خسر الكثير من الأموال جراء ذلك، بل وخسر نفسه وقبل كل شىء 

ما إن رآها والدها حتى قال لها بنبرة آمرة عاجلة وهو يحثها على الدلوف لغرفتها
_فداء، بسرعة لمي حاجتك وكل شىء يخصك هنا

استغربت فداء حديثه والعجلة التي في نبرة صوته، هي ظنته أنه سيوبخها مثل عادته لأنها تأخرت وهو يريد منها بعض المال كي يغادر ذاهبا إلى تلك الأماكن التي تُمَارس فيها لعبة القمار المخالفة للشرع 
أسماء عبد الهادي

_ليه يا بابا خير، هو احنا مسافرين ولا إيه 

أجابها هو بسأل فهذا ليس وقت الأسئلة من وجهة نظره وقال 
_اخلصي يا فداء مش وقته اسئلة، قدامك ساعة بالكتير تكوني جمعتي كل حاجتك واي حاجة عايزاها من هنا علشان تمشي.

وقفت محلها تنظر له باستغراب تارة وتجول بأعينها في الأنحاء بعدم فهم
_ما انا مش فاهمة حاجة يا بابا بس لو حضرتك تفهمني فيه ايه 

أجابها هذه المرة بعصبية فهو سأم أسئلها التي ليست في وقتها 
_هتمشي من هنا يا فداء هتروحي تعيشي في بيت جدتك الله يرحمها، هو فاضي ومفيهوش حد ومناسبك جدا، هيحتاج تنضيف شوية ودي مهمتك بقا.

رمقته بأعين ضيقة ونفس حائرة فلم يود أبيها منها أن تغادر الفيلا المكان الذي ولدت به وترعرت فيه وكل ذكرياتها هنا منذ أن كانت صغيرة، ومذ أن كانت تعيش في كنف أمها وحياتها مستقرة سعيدة 

ليهتف أبيها بضجر بينما يتحرك في المكان هو الآخر 
_ما تخلصي يا بنت هتفضلي متنحة كدا كتير.

أجابت والدموع بدأت تترقرق في أعينها 

_بابا حضرتك ليه عايزني أسيب هنا، انت ليه عايز تمشيني من هنا، هو حضرتك زعلان مني.

مسح أبيها على وجهه بكفة يده وقال بحنق
_فداء انا كمان ماشي احنا الاتنين لازم نسيب الفيلا باللي فيها، خدي بس كل اللي انتي عايزاه وتحتاجيه 

هتفت بصدمة فهي لم يخطر ببالها هذا قط وقالت هذه المرة بأعين متسعة
_ايه!! طب ليه... ليه يا بابا هنسيب بيتنا والمكان اللي اولدت فيه 

أصيب أبيها بارتباك وازدرد ريقه وحاول التملص من الإجابة على سؤالها 
_مم ماهو... اصل ..اهو اللي حصل بقا يا فداء ممكن تنجزي.

هتفت هي حانقة وبنبرة ساخطة بدت مرتفعة بعض الشىء من أثر الصدمة التي تعرضت لها والتي بسبب فعلة أبيها وتصرفاته الرعناء ستخسر المكان الذي تحب، المكان الذي به كل ذكرياتها مع أمها، التي كانت تجد فيه ومازالت رائحة أمها الحبيبة، فكل شبر في هذا البيت يذكرها بأمها كل موقف حدث معها تسترجعه معها هنا في هذا البيت

_ما هو اصل ايه يا بابا بردو بسبب اللعبة اللي حضرتك أدمنتها دي، بسببها خسرتنا بيتنا وكل ما نملك مش كدا، حضرتك عاجبك دلوقتي البهدلة والشحططة اللي احنا فيها، هل حالك ده دلوقتي حضرتك مبسوط بيه... أنا مش فاهمة لعبة زي دي دمرتك بالشكل ده انت ليه لسه مستمر فيها ايه اللي جابرك على دا كله

أجابها بثقة لا ندري كيف واتته فهو دائم خاسر في تلك اللعبة ولو كسب في بعض المرات فالخسارة بعدها أكثر 
_هعوض كل ده، اطمني أنا مش هسكت عل اللي بيحصل كل ده هيتعوض وهنرجع زي الاول وأحسن

ضحكت ضحكة ساخرة لا من شخص أبيها وانما من كلامه الذي يردده في كل مرة ولا يفعل شيئا 
_هه حضرتك بتقول كدا كل مرة وولا مرة قدرت تعوض اي خسارة، وبعدين حضرتك عارف ان المال اللي جاي من ورا اللعبة دي مال حرام يعني مش هيدوم ولا ربنا هيبارك فيه، واديك شفت يا بابا انه منفعش في علاج ماما... حضرتك لجأت للعبة دي علشان تعالج ماما وبالفعل عملت العملية بالفلوس دي لكن العملية منجحتش، عارف ليه يا بابا لانها فلوس حرام حرام يا بابا.

احتدت ملامح أبيها بغضب عارم وقال بعد أن طفح به الكيل فهي لمَ تذكره بزوجته الراحلة، لمَ تذكره في كل مرة بما يعمله ألا تتركه وشأنه، هو ظن أنه تخلص من تحكمات زوجته ورقابتها له بوفاته، لتأتي ابنتها وتكون خليفة لها في مراقبته ألا يدعوه وشأنه ليفعل ما يحلو له
لذا قال بحدة
_فداء مش عايز كلام كتير اتفضلي لمي حاجتك وامشي ع بيت جدتك اظن معاكي المفاتيح؟

هي علمت أن الجدال والنقاش مع أبيها لا فائدة له، وأنها مهما تكلمت فلن تستطيع أن تحيد والدها عن رأيه... لذا حركت رأسها وقالت بنبرة حزينة مع تنهيدة حارة
_ اه معايا يا بابا ... بس عندي سؤال 

_ انجزي يا فداء المالك الفيلا الجديدة عايزها في اقرب وقت.

وقفت كلماته كالغصة في حلقها، كيف له أن يفعلها به وهكذا دون سابق انذار أيطلب منها أبيها أن تترك كل ذكرياتها وبيتها الحبيب هكذا دفعة واحدة قبل حتى ان تستطيع توديع كل شبر فيه،دارت لأعينها بنظرة بنظرة شاملة للمكان كله، والدمعات تندد بالسقوط ليس تذمرها منها بأنها ستترك ذلك المكان الفخم وتتوجه لبيت جدتها القديم ذو الأثاث المتواضع وانما لتركها المكان التي عاشت فيه طوال عمرها مع والدتها، لم يكن سهلا عليها أبدا، لذا انطلقت من فورها تودع كل شبر فيه قبل أن يحن الوقت ويأتي المالك الجديد فبل أن تجمع كل ما يربطها بالمكان 

___
في صباح اليوم التالي 
استيقظ من نومه لتوه، بدأ يتثآئب بكسل، لم تكن لديه رغبة في الخروج مبكرا، أراد تمضية معظم الوقت في البيت وربما في المساء قد يغادر، أمسك بمنشفته ودلف إلى المرحاض ليأخذ حماما منعشا، وبعدها استعد اتم الاستعداد وقرر مغادرة غرفته والهبوط لأسفل لتناول طعام الإفطار 

جلس على الأريكة وبدأ يقلب قنوات الشاشة بملل، ومن ثم فتح هاتفه ليلهو به قليلا، وعندما شعر بالجوع، نادى على الخادم 
_ أمين...  يا أمين...انت يا زفت 

جاء الخادم مهرولا وهو يقول بطاعة لسيده
_ افندم يا مهند بيه 

_ايه ساعة علشان ترد 

_ اسف يا مهند بيه كنت ب...

قاطعه مهند قائلا
_انت لسه هتحكيلي قصة حياتك، شوف سيد فين يجيب لي الفطار حالا

_ حاضر يا مهند بيه

تابع مهند العبث بهاتفه بتصفح صور الفتيات والتي أقل ما يقال عنهم الكاسيات العاريات 
لتأتي شوق اليه وهي تقول حانقة
_ فطار إيه ديه اللي الساعة ٤ العصر.. ديه أني اتغديت من بدري.

رفع بصره بعيدا عن هاتفه لينظر إليها ومن ثم رمقها  بملل وهو يقول 
_ ايه دا انتي لسه هنا، ده انتي عنيدة بقا

_جدا يا مهاند فوق ما تتصور، المهم اني عايزة اقولك أنك لما تاچي تتكلم مع الخدم بلاش تشتم دولن  بردك أكبر منك وفي منهم اللي قد أبوك، فمش حلوة يعني التهزيق دهوني.. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء

لم يعيرها مهند اي اهتمام وتابع العبث في هاتفه 
ليهتف ذاك الذي هبط من الدرج  بحلته الطاغية ولون عنيه القاتم كلون ملابسه السوداء والمفضلة لديه 
_ ايه ده البتاعة دي لسه هنا بتعمل ايه، انا مش قلتلك امبارح ارجع ملقكيش هنا 

لهتف شوق بغيظ منه لكنها كانت تداريه في اسلوبها المرح
_ واو وهو ديه اسلوب يا عساف وانا اللي بقول عليك العاقل اللي فيهم 

هبط ليقف أمامها ويهتف بضجر واضح 
_ شش انتي لسه هتقفي تتكلمي معايا، يلا خدي بعضك ومشفش وشك هنا

ربعت شوق ذراعيها أمام صدرها ونظرت لأخيها بتحدي
_لاه منيش ماشية دلوك يا عساف مآنش وقت رحيلي من اهنه ... ولحد الوقت ده ما ياجي أني قاعدة اهنه على قلبكم 

نظر عساف لأخيه بزهول وهو يقول بحنق
_ شايف يا مهند الثقة اللي بتتكلم بيها، انا مشفتش كدا قبل، هو ايه ده 

ضحك مهند وقال
_فعلا غريبة اوي مش زي اي واحدة جت هنا

لترد شوق وهي تعدل من ياقة جلبابها
_طبقا علشان اني اسبشيال وديفرانت وامبورتانت كمان 

انخرط مهند في الضحك وقال
_قابل يا عم الفلاحة دي عاملة نفسها مثقفة 

_ايون يا بني أني مفيش مني تنين 

ضحك مهند ثانية 
_ يا سلام على الثقة ..انتي يا بنتي جاية الثقة دي منين انتي مش شايفة نفسك في المراية. 

هدر عساف منزعجا من تلك المجادلة التي لم تروق له

_ ممكن تبطلي المهزلة اللي بتحصل دي وتتفضلي علشان أنا بدأت ازهق واتعصب وعصبيتي وحشة ومش هتعجبك انا لحد دلوقتي بتكلم معاكي بالزوق

_في ايه بس يا عساف متروق اعصابك امال، انت الظاهر منمتش اكويس ليلة امبارح ... تحب اجيبلك حاجة تروق دمك وتهديك

هتف  عساف بنفاذ صبر وهو ينظر لأخيه بضجر

_ مهند بقولك ايه اتصرف انا زهقت منها

_تؤتؤ يخص عليك يا عساف منكش العشم بردك

ليضحك مهند بقوة وهو يقول
_ انا معاك اني عايزها تمشي من هنا بس تصدق يا عساف انها مش مملة زي اللي فاتوا يعني، يعني اهو خليها فترة هنا تسليني بدل الملل ده، وبعد كدا نمشيها

ليهتف أمير الذي استيقظ من نومه لتوه وهبط لينضم إليهم وقال راجيا اخيه عساف 
_اه يا عساف بالله عليك خليها شوية شوق دي لذيذة اوي 

أرسلت شوق قبلة في الهواء لأخيها أميرة وهي تقول بمرح
_والله انت اللي لذيذ وعسل يا أمير الأمرا يا عسل انت 

ليضحك مهند ثانية 
_لا دي مش ممكن دي بتثبك يا أمير قدامنا عادي كدا 

التفت مهند ليجد الوسادة الصغيرة الموجودة جواره على الاريكة، يستقبلها وجهه في حركة مباغتة منها 
وبعدها تهتف شوق
_اتلم يا مهند ايه بتثبتك دي، ديه اني لو كنت اتجوزت كنت هخلف قدكم 

انزعج مهند من عدم الإحترام التي تتعامل به شوق معه، فهو معتاد على التبجيل  والتعظيم من كل من يتعامل معه،حتى الخدم لا يستطيعون رفع وجوههكم في وجهه، فكيف هي أن تفعل هذا به 

لذا قال بوجه محتقن وصوت محتد
_انتي اتجننتي يا زفتة انتي... انتي ازاي تجرؤي على دا، مش معنى اني بضحك واني بعمل لأمثالك قيمة انك تتجرئي على أسيادك بالشكل ده... امشي اطلعي برا.

قالها وهو يمسكها بحدة من ذراعها ويجرها خلفة ليخرجها من باب الفيلا

جلس عساف بارتياح فأخيرا تخلص منها

أما أمير فلقد وقف مزهولا بما يحدث وأصابه الضيق بأن شوق ستغادر بتلك السرعة، لا يدري لم أحس معها بالألفة، شعر حينها بأنه ثمة أحد يهتم به في هذا المنزل ويعطي له القدر الكافي من الاهتمام الذي يحتاج اليه، لذا كان أمر تركها للمنزل وبهذا الشكل كان محزنا كثيرا له، فأخيها طردها شر طردة، لكنه لا يستطيع فعل شىء ولا حتى الوقوف في وجه أخيه البته.






إرسال تعليق

أحدث أقدم