عدالة السماء البارت الاول

 البارت الاول🌹


في شقة جميلة في حي راقي، يجلس يوسف الذي يبلغ من العمر ٣٤ عاما في غرفته، ينظر لصورة مرام زوجته الحبيبة وعيونه تلمع بالدموع، وهو يتذكر أيامهم الجميلة التي عاشوها سوياً ونتج عن حياتهم معاً ابنتهم الجميلة ملك، والتي تبلغ الان ٣ سنوات، يحيا فقط هو وهي سوياً بعد وفاة حبيبته مرام أثر اصابتها فجاءة بسرطان الدم بعد ولادتها لابنتها ولم تتحمل سوي سنة ونصف من العلاج وبعدها انتقلت روحها للرفيق الأعلى. 


اما يوسف، كان لديه شركة كبيرة، وبعد وفاة زوجته كان يأخذ ابنته الي خالتها مني تجلس معها طوال النهار ويعود ليأخذها بعد انتهاء عمله، وكانت مني متزوجة من أسر منذ ٤ سنوات، وهو صديق يوسف منذ صغرهم، ولكن لم يرد الله ان يرزقهم باطفال حتى الآن، وكان احيانا كثيرة ما يجلس معهم يوسف حتى المساء ثم يعود لبيته مره اخرى. 


حتى اتي اليوم، الذي كان بداية لتغيير اشياء كثيرة؛ كان يوسف في عمله ومعه فريق العمل المقرب له والذي يعمل معه، وكانت قد انضمت لهم امرأة جديدة منقولة بناء على طلبها من فرع اخر للشركة يديره صديقه أسر، متزوجة اسمها سارة، محترمة محجبه نشيطة جدا، فارتاح يوسف لها في العمل فجعلها السكرتيرة التنفيذية له وتحتها اثنان اخريات، حتى اتي يوم وجدها تجلس حزينة وعلى وجهها علامات الضيق فاستدعاها الي مكتبه، واستمع لطرقات الباب فسمح لها بالدخول. 


- تحت امرك يوسف بيه. 

- اقعدي يا سارة. 


فجلست على الكرسي أمام مكتبه. 


- مالك يا سارة؟ انا اسف طبعا لتدخلي بس شكلك في حاجة خير؟ اقدر اساعدك في حاجة. 

- ابدا يوسف بيه مافيش حاجة. 

- سارة انا مش بتكلم في شغل دلوقتي، انا بكلمك بشكل شخصي تقدري تقولي لي يوسف، ها ياستي احكي خير مالك؟ 


نظرت سارة لـ يوسف والدموع تترقرق في عيونها. 


- ابدا بس جوزي كل شوية يتخانق معايا وانا تعبت. 

- ليه يا سارة؟ طبعا لو مش حاجة خاصة. 

- انا متجوزه من خمس سنين، بس لغاية دلوقتي محصلش حمل، وأهله طبعا عاملين عليه ضغط جامد. 

- طيب روحتم كشفتم؟ 

- اه روحنا لاكتر من ٣ دكاتره والمشكلة اني محتاجة شوية علاج بس مش اكتر وماشية على العلاج، بس هما مش صابرين عليا ولا عليه، وهو مش قادر عليهم، وكل شوية خناق وزعيق مع انه عارف ان ده بيأخر العلاج. 


نظر لها يوسف، وابتسم وهو يتذكر صديقه، وكيف يتعامل مع زوجته اخت حبيبته، وكيف يعاملها كملكة متوجه. 


- معلش يا سارة ، اتكلمي مع جوزك بالراحة واحده واحده وبهدوء، وفهميه انك مش متأخره على حاجة تقدري تعمليها، واستحملي هو معذور، وأهله كمان فخليها عليكي، واستحملي انتي يابنت الناس. 


ابتسمت سارة ونظرت له وهي تمسح عيونها. 


- ميرسي جدا يا يوسف واسفة شغلتك بمشاكلي. 

- ولا يهمك يا سارة انا هنا اخوكم الكبير، لما يكون حد عنده مشكله بابي مفتوح للكل. 

- ربنا يحفظك لنا يارب عن اذنك. 

- اتفضلي. 


                      🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


انتهى يوم العمل، وانصرف يوسف الي منزل أسر؛ حتى يأخذ ملاكه الصغير الي بيته، وكان أسر ومني ومعهم والد مني يقيمون في فيلا صغيرة في كمبوند راقي، يبعد عن فيلا يوسف بشارع فقط، طرق يوسف الباب ففتح الباب صديقه أسر وهو يبتسم. 


- اهلا بيوسف باشا. 


ضحك يوسف بقوه وهو يحتضن أسر بحب. 


- اهلا بـ أسر بيه، وحشني يا أسر والله. 

- وانت كمان يا يوسف، تعال ياعم ادخل منمن عامله اكل ايه يجنن النهاردة، ولو اعتذرت تاكل معانا حتولع فيا وفيك وتاخد لوكا وبابا محمد، وتهرب، ودي قادره وتعملها خاف على روحك ياعم. 


ضحك يوسف بقوه، وهو ينظر لصديقه حتى دمعت عيونه، وفجاءة وجد ابنته تتجه له بخطواتها الصغيرة، وهي تفتح يدها وتضحك وتنادي:


- بابي.......... بابي........... بابي. 


نظر لها يوسف، وهي تجري عليه بخطواتها تلك، فتذكر زوجته الراحلة، عندما كانت تجري عليه عند عودته من العمل، فأبتسم وجلس أرضا وفتح ذراعه، فأرتمت ملك بين يديه تحتضنه بيدها الصغيرة، وتربت على ظهره برقه:


- وحشتني بابي وحشتني. 

- وانتي كمان ياروح بابي، وحشتيني قد السما والأرض والبحر وسمكاته. 


قام يوسف، وهو يحملها ويحتضنها بقوة، ويدور بها بحب ويرفعها للأعلى، وتقابلها احضانه مره اخرى، وهي تضحك بصوتها الطفولي المحبب للكل، حتى أتت مني وهي تبتسم:


- اهلا يا يوسف ازيك.

- اهلا يامنى، انا الحمدلله تمام، انتي اخبارك ايه؟

- ماشي الحال، الحمدلله.


نظر يوسف الي أسر ومني بحزن وخجل:


- معلش، انا عارف اني بتقل عليكم بوجود ملك معاكم كل يوم سامحوني.


وقف أسر، واقترب منه وهو ينظر له بغضب:


- عارف ياض، لولا اني مش عايز انكد على نفسي وعلى مزتي الحلوة دي، كنت رنيتك علقه معتبره ياغبي، لوكا دي بنتنا احنا قبلك افهم يامتخلف بقى. 


وقف يوسف، واعطي ملك الي مني، وابتسم بخبث: 


- بقولك ايه يامنمن، ادخلي جوه عند بابا بملك كده شوية وتعالي. 


ضحكت مني بقوة، وجرت على زوجها تقف بجواره، وهي تعطيه لوكا وتنطر الي يوسف.


- معلش يا بحر انت، اهدي ياحاج كده وقول هديت، ويالا ادخل بقى اغسل ايدك علشان نروح ناكل انا جعانة جدا.


ثم نظرت الي ملك، وضحكت وهي تداعبها والصغيرة تضحك بقوة. 


- لوكا جعانه؟ 

- اه يا منمن، جعانة قوي قوي. يالا نادي جدو

- يا روح قلب منمن انتي، تعالي يالا ياقلبي نروح ننادي جدو سوا. 


ثم التفت تنظر لأسر بدلع وغنج:


- يالا حبيبي. 


اقترب منها اسر يحتضن وجهها بيده، ويقبل جبهتها بحب جارف.


- ربنا ما يحرمني منك ياقلب أسر انتي. 

ارتمت مني في أحضان آسر تحتضنه بقوه، وتحاوط خصره بيدها، وهو يحتضن ملك بحب.


- ولا يحرمني منك ياقلب مني وعمرها كله، يالا بقى على السفرة. 


امضي يوسف الوقت مع أسر ومني ومحمد ، وبعدها حمل ابنته رغم محاولات مني أن يتركها لأنها نامت، وهو سوف يحضرها مره اخرى في الصباح، فرفض يوسف ونظر لها:


- مقدرش انام وهي بعيد عن حضني يامنى، هي بتعوضني مرام معلش سامحيني.


حاول أسر، ان يجعله يبيت الليله معهم، ولكنه أيضا رفض متعللاً بأنه لا يستطيع البيات سوي على فراشه مع حبيبته، وتركهم على وعد بحضوره صباحاً لإحضار ملك لهم، وانصرف عائدا الي مملكته.


                    🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


مضي اكثر من ٦ شهور بعد محادثة يوسف مع سارة، وفي يوم ذهب الي العمل ولم يجدها على مكتبها، وعندما استفسر عنها، ابلغوه انها قامت بالاتصال وطلبت اجازة اسبوعان لظروف عائليه، وسُمح لها بحكم رصيد اجازتها.


اندمج يوسف في عمله وفي حياته الروتينيه التي يحيا فيها منذ الصباح حتى المساء، حتى انتهت اجازة سارة، ووجدها على مكتبها صباحاً ووجهها حزين فأقترب منها. 


- صباح الخير ياسارة، حمدلله على السلامة. 

- صباح النور يوسف بيه، الله يسلم حضرتك. 

- حصليني على مكتبي ياسارة لو سمحتي. 

- تحت امرك يافندم. 


دخل يوسف مكتبه، وجلس في انتظار دخول سارة التي كانت ملامحها تختلف عن السابق، وبالفعل دخلت سارة ووقفت أمامه. 


- تحت امرك يا يوسف بيه. 


نظر لها يوسف وشعر بحزنها الشديد. 


- اقعدي ياسارة، في ايه مالك؟ 


جلست سارة أمامه، وانهمرت دموعها، فارتبك يوسف، وهو يجدها تبكي بتلك الصورة، فقرب منها علبة المناديل التي بجواره. 


- طلعي اللي جواكي، ولما تهدي نتكلم. 


اخذت سارة، تحاول التماسك حتى هداءت ونظرت له، فأبتسم لها بخفه:


- ها قولي، مالك ايه اللي حصل لكل ده؟

- أطلقت. صعق يوسف من ردها. 

- أيه اطلقتي؟ ليه كده؟


اخذت سارة تقص ما حدث لها من زوجها. 


- مقدرش يستحمل ضغط اهله، واصرارهم بأنه يتجوز، وجه قالي، انه لقى عروسة وح يروح يتقدم لها، افتكرته في الأول بيهزر، وضحكت في وشه وحضنته، وقلت له معقول بالسرعة دي، مبروك ياحبيبي، ودخلت كملت الاكل، وبعد ماتغدينا لقيته بيلبس؛ سألته رايح فين، قالي مش قلت لك رايح اخطب العروسة الجديدة، ونزل وسابني فضلت قاعدة وانا مزهولة، هو بيتكلم بجد! يعني حبنا راح على الفاضي يعني مُعفريتنا علشان نتجوز ضاعت، لغاية مارجع لقيته مبسوط وفرحان، شافني كنت منهارة ووشي كله دموع، جري عليا، ولما قلت له كنت بتكلم جد، حط وشه في الأرض وقالي خلاص قارينا الفاتحة وكتب الكتاب بعد اسبوعين، سامحيني مقدرتش اقاوم اهلي، بس اوعدك ح نفضل على علاجنا؛ لغاية مايحصل حمل وانا ح اعدل مابينكم، بس اول اسبوعين كده ح افضل معاها علشان يحصل حمل، مقدرتش استحمل كلامه، اغم عليا ولما فقت، بصيت له بقهر ووجع ووقفت، لقاني بلم هدومي جري عليا، وقالي بلاش تخسري حياتنا انا بحبك وانتي عارفة بس غصب عني امي عايزة تشوف ولادي، قلت له خلاص وماله مبروك عليك عروستك؛ بس انا طلقني لو سمحت، حاول يتمسك بيا شوية ويقنعني بس انا صممت، فطلقني بس وأكملت بكاء بعني بكل سهولة. 


نظر لها يوسف وهو حزين على مابها وعلى ماتشعر به. 


- خلاص انسيه يا سارة شوفي حياتك وشغلك، الحياة مش بتقف على حد، كفاية حزن كده، اخدتي كفايتك في الحزن كفاية بقي، انتبهي لنفسك وشغلك وبكرة ربنا يعوضك خير. 

- الحمدلله، على كل حال انا بس اللي وجعني فرحة امه انه ح يتجوز عليا، دي عندها بنات ممكن يحصل فيهم كده، ربنا مابيسبش ظلم. 

- فعلا ربنا كبير، يالا قومي قومي اغسلي وشك، وشوفي شغلك عايز نشاطك اللي متعود عليه. 


نظرت سارة لـ يوسف وابتسمت وهمست:


- متشكرة جدا لاهتمامك، عن اذن حضرتك. 

- اتفضلي يا سارة، ولو في اي حاجة محتاجاها، انا تحت امرك. 


انصرفت سارة عائدة الي مكتبها وهي تشعر قليلاً بالهدوء 


بداءت سارة تستعيد حياتها مره اخرى ونشاطها في العمل، حتى اتي يوم، ذهب يوسف كعادته صباحا؛ ليقوم بايصال ملك الي مني، ففتح له أسر، وهو يظهر عليه القلق والتعب، فبهت ثائر ونظر له بخوف:


- في ايه يا أسر؟ انتم كويسين؟ 

- مني تعبانه قوي يا يوسف، لسه راجعين من المستشفي؛ الدكتور بيقول دور برد شديد جدا، وكان عايز يحجزها في المستشفي بس رفضت 

- لا اله الا الله، طيب ينفع ادخل اشوفها، ولا نايمة. 

- لا تعال ادخل صاحيه. 


ولج يوسف الي الداخل، واتجه به أسر الي غرفتهم فوجد مني بالفراش، ويظهر على وجهها التعب بشكل قوي، فنظر لها بحزن على تعبها ذلك:


- سلامتك يامنمن الف سلامة عليكي. 

- الله يسلمك يا يوسف، مانحرمش من سؤالك علينا، دخل لوكا في الاوضه جوه عند بابا، معلش يالوكا النهاردة عمو أسر وجدو هما اللي ح ياخدوا بالهم منك. 


نظر يوسف لها وتحدث سريعاً:


- لا طبعا يامنى، انتي ارتاحي خالص، وأسر كمان لازم يرتاح؛ علشان يعرف ياخد باله منك ومن بابا، اما الاروبه الصغنتوته دي، ح تيجي مع بابي الشغل ايه رايك ياقلب بابا؟


صرخت ملك فرحاً وهي تتعلق برقبة والدها: 


- بجد يابابي، بجد طبعا موافقة جداً. 


نظر يوسف لهم وابتسم، وهو يربت على كتف أسر :


- حاول ترتاح شوية، وخد بالك من مني يا أسر، ولو احتاجتم اي حاجة كلمني على طول، احنا ح نعدي عليكم واحنا مرواحين. 

- يا ابني اسمع بس، خلي لوكا معايا انا وبابا، انت مش ح تعرف تاخد بالك منها، وماتخافش مش ح اخليها تقرب من مني علشان ماتتعديش. 

- مش علشان كده يا أسر، لكن انت محتاج ترتاح، ومحتاج تركز اهتمامك مع منى وبابا، ماتشلش هم عندي في الشغل ح تنبسط، انتم بس لو احتاجتم حاجة كلموني، يالا اشوفكم اخر النهار سلام عليكم. 


إرسال تعليق

أحدث أقدم