شوق بارت ٣٦

 حصريا على مدونة روايستا
للكاتبة أسماء عبد الهادي 


#شوق
#أسماء_عبد_الهادي
بارت ٣٦ 
__
أنهت ارتداء ملابسها استعدادا للذهاب لعملها كعادتها في مثل هذا التوقيت في التاسعة، فمرت به لتجده نائم مكانه على الأريكة ويبدو أنه يغط في نوم عميق كما لو لم ينم منذ عدة أيام، كانت تود إيقاظه ليذهب لأخته، لكنها رقت لحاله ولذلك التعب البادي على وجهه فقررت أن تغادر وتتركه نائما ليستقيظ هو وقتما يريد.

لكنها ما إن مرت من أمامه وهمت تجاه الباب حتى سمعت صوته يناديها بصوت ناعس 
_فداء!!

التفتت لتنظر اليه لتجده يحاول أن يعتدل في جلسته ويقول 
_صباح الخير، انتي نازلة الشغل ولا ايه انا شكلي كده راحت علي نومه 

_صباح النور يا خالد اه فعلا انا نازله الشغل وانا لما لقيتك نايم مرضتش ازعجك وقلت اكيد تعبان فسبتك لما تقوم براحتك 

_انا فعلا بقالي كم يوم ما نمتش كويس ... بس انا اول مره احس اني نمت بعمق كده وده طبعا علشان كنت جنب حبيبتي 

تجهم وجهها ونظرت له بضجر 
فضحك وقال 
_متبصليش كدا ، ايه هو انا قلت حاجة غلط ،انتي مش مراتي حبيبتي

ارتبكت وحاولت أن تغير الموضوع لحتى يتوقف عن طريقته الملتوية تلك 
_احم.. ااا.. الفطار في المطبخ جاهز، تقدر تفطر قبل ما تنزل... أنا هنزل انا دلوقتي علشان متأخرش سلام 

_لا استني تنزلي ايه
_ايه في ايه 
_فطرتي الأول ولا لسه 
_لا بصراحة لسه... مجاليش نفس قلت لو جعت هفطر ف المكتب

_طب تعالي نفطر سوا 

_معلش يا خالد أنا اتأخرت ولازم أنزل دلوقتي
_هوصلك بنفسي بعربيتي يلا بقا، حضري الأكل لحد ما اقوم أغسل وشي وأفوق 

طالعته بضجر فهي لا تود الجلوس وتناول الفطور معه
_يا خالد بقولك مليش نفس ولازم أنزل دلوقتي
تجهم وجه خالد، فهي مصرة أن تغلق كل الأبواب وتسد كل الطرقات في وجهه، فزفر بضيق وقال بنبرة جدية جامدة
_طب اتنيلي استنى لما أغسل وشي علشان أوصلك 

فتحت فمها لتعترض على توصيله إياها 
_يا خالد قلتلك..انا...
قاطعها بحدة 
_قلت هوصلك خلاص بقا.

استغربت حدته لكنها بقيت صامتة واضطرت لأن تنتظره لأن يوصلها.


دخل المرحاض وغسل وجهه ومشط شعره وعدل من هندامه وخرج لها وهو يمد يده أمامها تجاه الباب وهو يقول بانزعاج حاول كبته 
_اتفضلي 
_طب خدلك ساندويتش على الأقل
_مش عايز اتزفت أفطر اتفضلي 
تنهدت بحنق وسارت أمامه ليغلق هو الباب جيدا خلفها ويتبعها على درجات السلم 

كانت تسبقه ببضع درجات، ليسرع هو في نزوله ويمد يده نحو ذراعها ويضعه تحت ابطه، في حركة مباغتة منه، لتتفاجىء هي مع إصدار شهقة فزعة من فعلته 
_خالد ايه اللي انت بتعمله دا 
نظر لها بلا مبالاة وردد بسخافة
_ايه بعمل ايه بأنكچ مراتي، بلاش أمسك أيدها واحنا ماشين ولا إيه.

نفخت فداء بحنق وقالت 
_خالد من فضلك بلاش كدا وسيب ايدي، واظنك عارف طلبي كويس 

ما زادته كلماتها الا حنقا وتصميما على ما يفعله فشدد من قبضته على ذراعها وسار وهو يسحبها لأسفل، غير عابىء بنظراتها المزبهلة تجاهه ولا بمحاولاتها في تخليص يدها من بين يديه.

ليقول خالد في نفسه 
_انتي كنتي مفكرة اني هزهق وهسيبك وانفذلك طلبك يبقى انتي بتحلمي.
__

ظل يرمق أخوته بغيظ لبعض الوقت، فهو لا يستطيع أن يترك أخته وحدها في ذلك الظرف ويجلس هنا مكتوف الأيدي حتى ولو لم ترد هي، هو بذلك يشعر وكأنه خذلها تخلى عنها في محنتها و هي في أمس الحاجة لأن يكونوا معها، 
تحرك من مكانه وقال وهو يعزم النية على أن يكون لجوارها ولا يتركها 
_ لا انا مش هسيب شوق هروحلها عند فداء ،اكيد هي هناك ماهي مش هتقدر ترجع البلد في حالتها دي 

لينادي عليه عساف
_ يا أمير سيبها دلوقتي قلتلك 
 رد وهو يهرول خارج الغرقة
_مش هسيبها شوق، انا غلطان اني مروحتش وراها اول ما مشيت.

تابع ركضه إلى أن وصل الى اعتاب الفيلا وهناك سأل البواب 
_ مشفتش شوق راحت من اي اتجاه من هنا ولا من هنا 
_ لا يا امير بيه الحقيقة مأخدتش بالي، كنت بجيبلي لقمة أكلها ومشفتهاش والله.

حرك أمير يده بضجر، ودلف للداخل ليستقل سيارته ويبدأ في البحث عنها، توجه مباشرة نحو بيت فداء ،وطوال الطريق كان يتلفت يمنة ويسرة عله يلمحها لكن لا أثر لها البتة في ذلك الطريق الذي اتخذه.
أما عساف فخرج من الفيلا قاصدا الشركة بينما ظل مهند مرابضا على الجهاز الرياضي لفترة طويلة حتى تعب وجلس محله دون حراك.

بعد مدة وصل أمير أخيرا لبيت فداء وطرق الباب عظة مرات 
_ مدام فداء مدام فداء

لكن لم يأتيه الرد فاخرج هاتفه واتصل بخالد الذي كان يجلس مع أخته في ذلك الوقت ليرد قائلا 
_ ايوة يا أمير.. ازيك عامل ايه في الدراسة
_ خالد من فضلك كنت عايز رقم مدام فداء مراتك أسالها عن حاجة مهمة لاني واقف قدام باب البيت ومحدش بيرد 

رفع خالد حاجبه وقال ونيران الغيرة تشتعل داخله 
_ نعم يا خويا عايز رقم فداء مراتي تعمل بيه ايه وبتطلبه كدا بكل بجاحة، أما حاجة عجيبة اوي.

حرك أمير راسه بحنق فخالد فهم الأمر بشكل خاطىء 
_ مش قصدي حاجة على فكرة يا خالد انا كل الحكاية كنت عايزة اسألها على شوق اختي اذا كانت معاها ولا لا 

سكنت نفس خالد وتكلم بهدوء
_ اه بحسب يعني.. طيب اذا كان كدا قولي واما أكلمها أنا ..مش تطلب رقم مراتي 

_ يا خالد مش فضلك المسألة مهمة أنا لازم أعرف شوق معاها ولا لأ ، ممكن تكلمها تسألها وترد عليا ضروري انا هنتظر منك مكالمة حالا 
_ طيب اصبر أنا هكلمها، بس معتقدش شوق معاها لان فداء في الشغل دلوقتي، وخارجين سوا مع بعض الصبح 

هتف أمير بوجل 
_ يعني ايه شوق مش معاها 
_ يا عم معرفش ممكن تكون راحتلها الشركة، هكلمها واقولك، بس قولي الأول انت ليه مش بتتصل بشوق نفسها تشوف هي فين ، هي زعلانة منك ولا ايه

أخذ أمير نفسا عميقا ثم أخرجه بهم
_ ياريت ، ياريتها كانت حكاية انها زعلانة مني كان الأمر سهل ..مكنتش هسيبها الا لما تصالحني

_ ياريت ايه ياابني في ايه 

_ بعدين بالله عليك يا خالد شوفها فين او قولي عنوان شغل مدام فداء
_ لا اقولك ايه الموضوع شكله كبير وكدا هنقلق فداء ، انطق ياأمير في ايه


أغمض أمير أعينه واتفت بوجه للناحية الأخرى وهو ينظر للارض بوجع من أجل شوق وابتدى بصوت مختنق يقص كل ما حدث لخالد

راع خالد كل ما حدث لشوق وقال بصوت محتقن
_ يخربيته شاكر هو فيه كدا، وبعدين تعالى هنا انت واخواتك ازاي تسيبوا شوق تمشي وهي منهارة وفي الحالة دي ...انتوا أغبيا!!!

كان أمير يعلم أنه مخطىء عندما تركها تغادر وحدها، لذا كان يؤنب نفسه كثيرا ولم يتحمل عتاب خالد له فقال
_ مش وقته كلام من دا يا خالد من فضلك كلم فداء يالا 
_ لا ما هو انا مش هكلم فداء ،اقلقها يمكن شوق روحت البلد او قاعدة في اي مكان مع اي حد بتروق أعصابها

_ ازاي ده احتمال كبير انها تكون مع فداء

_ايوة هكلمها بس مش هسألها عنها هجيبها بأسلوب غير مباشر وهعرف اذا كانت معاها ولا لا 

_ اعمل اللي تعمله يا خالد بس طمني بالله عليك يلا انا هخرج انتظرك في العربية لحد ما تكلمها.

_ ماشي اقفل
__ 
توجه أمير نحو سيارته وقلبه يتآكل على شوق 
أما خالد فاتصل بفداء التي أجابت بعد عدة محاولات من خالد 
_ السلام عليكم.. نعم يا خالد، ميار كويسة!! 

_ وعليكم السلام...ايه يا فداء ساعة علشان تردي
_معلش انت عارف اني في الشغل، خير في حاجة

_لا كنت عايز اطمن عليكي بس 
استغربت سؤاله وقالت بحنق 
_أنا كويسة يا خالد مش معقول معطلني من شغلي علشان تسألني السؤال ده وانت اللي موصلني بنفسك 

لوى خالد شفتيه بانزعاج من رعونة ردها في كل مرة
_ طب اسمعي أنا هعدي عليكي لما تخلصي علشان نتغدى سوا ومش عايز أي حجج مفهوم.

تنهدت بقلة حيلة فهو لا ينفك عن طلبه تناول الطعام معها لذا قالت بهدوء
_ماشي يا خالد اوك، بس على شرط نروح نتغدى مع ميار 

هنا علم خالد أن فداء لا تعلم شيئا بأمر شوق ولم ترها من الآساس لذا قال
_تمام هكون عندك في المعاد
_اوك سلام.

لم يكد خالد ينهي الاتصال مع فداء حتى وجد أمير يتصل به فرد خالد على الفور
ليقول أمير بلهفة 
_ها يا خالد شوق معاها، طمني بالله عليك 
تنهد خالد بأسى 
_الظاهر كدا لا يا أمير 
هب أمير واقفا ونسى أنه في سيارته فارتطم رأسه بسقف السيارة 
_انت بتتكلم جد شوق مش معاها.

قالها ووضع يده على راسه بانزعاج 
ليقول خالد
_ انا لسه مش متأكد نص ساعة وهروحلها الشركة علشان أخدها، وطبعا لو شوق معاها فداء مش هتسيبها واكيد هعرف اصبر بس 

هتف أمير وهو يجلس ثانية وينوي السفر لبلدة شوق لكي يراها هناك
_لا طالما مجابتش سيرتها يبقة مش معاها ومتعرفش حاجة انا هروحلها البلد وانت تابع مع فداء وبلغني 

_يا بني اصبر لما اقابل فداء وساعتها هعرف كل حاجة ما يمكن شوق فعلا جتلها وعلشان زعلانة من اللي حصل طلبت منها تكون لوحدها، لما اشوف فداء هعرف من حالتها لو كانت عادية يبقى فعلا شوق مجتلهاش، لو حسيتها مهمومة ومتضايقة يبقى عرفت فعلا باللي حصل لشوق 

_طب وانت مش عايز تسألها مباشرة ليه وتخلصنا 

_مش هينفع أجيبلها سيرة عن الموضوع ده فداء لو عرفت هتتأثر اوي، علشان كدا مش لازم تعرف الا لما نلاقي شوق فهمت 

_وانا مش هقدر استنى اكتر من كدا هروحلها البلد 
_يا زفت اصبر لما اكلمك بدل ما تروح على الفاضي المسافة مش هينة وكمان لو هيا راحت فعلا فزمانها لسه موصلتش فاهدى شوية، ما انتم اللي غلطانين وتستاهلوا اللي يجرالكم علشان سبتوها تمشي متيجوش تعيطوا دلوقتي

ابتأس أمير بما يقوله خالد وأدمعت اعينه لم يقصد أن يتخلى عنها لكنه اتبع اخوته وندم على ذلك.
__

لم يستطع مهند الصمود أكثر فقلبه يأكله على شوق، ظل شاردا قليلا ثم قال لنفسه
_حتى لو مكانتش اختى فعلا مش هسيبها 
فما كان منه الا انه حاول الاتصال بها على الهاتف الذي أعطاه اياها لكن لم يأتيه الرد 
فقرر الاتصال بأخيه أمير الذي خرج للبحث عنها.

___
دلف غرفتها بهدوء شديد حتى لا يزعجها 
ليجدها تغط في النوم ولا تدري بأي شىء حولها حتى أنها لم تسمع رنين الهاتف الذي لم ينفك عن الرنين لأكثر من عدة مرات فما كان منه إلا أنه بحث عنه ليجده في جيب سترها فأمسك به وأغلقه ووضعه جوارها جانبا 
_كدا أحسن خليها تنام وترتاح

ظل يطالعها قليلا وهو يتنهد بأسى فهي مثل أمها تماما في سمارها وفي استدارة وجهها وفي عنادها لكن ما يميز شوق عن امها هو شخصيتها القوية التي يعرفها عنها دائما بعكس أمها التي كانت ضعيفة الشخصية وخاصة أمام غريب وقد يعود الأمر لانها كانت تحبه حبا شديدا...فانكسرت بما اتهمها به.

ظل على وضعه يتأملها واقفا وعندما تعب من الوقوف، سحب كرسيا وجلس عليه بجوار فراش شوق وعينه لا تنفك عنها بنظرات اشفاق وأسى من أجلها.

__
توجه خالد إلى حيث الشركة التي تعمل فيها فداء وانتظرها إلى أن رآها تخرج من مبنى الشركة وظل يدقق في ملامحها التي وجدها عادية جدا فبات يتأكد في كل مرة أنها لا تعلم شيئا 

ترجل من السيارة ونادى عليها فانتبهت له وتوجهت نحوه ليفتح هو باب السيارة ويمد يده ليلتقط يدها بين يديه في حركة مباغتة منه لم تتوقعها، فرفعت بصرها لتنهره عن ذلك فتلاقت أعينهما ليتوه فيهما خالد وينسى الدنيا وما حوله، فقط يحدق بهما شاردا وعلى ثغرة ابتسامة حالمة ولم يفق الا على صوت فداء المحرج 
_احم خالد.. ممكن ادخل العربية 

استعاد وعيه الذي تاه في بحر أعينها الساخر للحظات وابتسم قائلا 
_اكيد طبعا اتفضلي حبيبتي ادخلي

استقرت فداء بالسيارة والتفت هو ليجلس خلف مقود السيارة وهو يقول باسما 
_ها تحبي نتغدى في مطعم ايه!! 

لتقول هي بتحذير وهي ترفع سبابتها 
_قلت نتغدى عند ميار 

ابتسم وقال مدعي الانزعاج
_خلاص ماشي يا باي عليكي لما تقفشي، عند ميار وأمري لله، رغم اني كنت مخطط لغدوة رومانسية كدا لحبيبي

هتفت هي بحدة 
_خااالد من فضلك بلاش كدا 
استدار برأسه اليها وقال هائما وهو يميل بجسده نحوها 
_عيون خالد وقلب خااالد

لتصيح هي بفزع
_حاااسب يا مجنون بص قدامك هتدخل في اي حاجة قدامك

ظل على وضعه وكأنها لم تحذره وقال 
_مجنون بحبك.

لتصيح هي بحدة
_خالد انت لو مسقتش كويس وبصيت قدامك انا مش هركب معاك

لتعيد خالد بصره أمامه وهو يقول بجدية 
_ماشي يا فداء اتدلعي براحتي عليا حقك ما انا اللي غلطت واستاهل المعاملة دي فعلا، بس اديني صابر لما نشوف أخرتها.

همت فداء لتفتح فمها ولم تكمل كلمتها 
_أخرتها...
ليمد هو يده ويضعه على فمها
_اشش متكمليش لحسن لو كملتيها وربنا فعلا هزعلك ولا هيهمني زعلك يا فداء.

تنهدت فداء بحنق ونظرت أمامها وظلوا طوال الطريق صامتين إلى أن قطعه خالد بسؤاله
_شوق مش جاية النهاردة لميار؟ 

هتفت فداء بكل تلقائية
_مكلمتنيش لسه النهاردة، بس كانت قايلة امبارح عندها مشاوير كتير بكرة أكيد لما تخلص هتكلمني 

_اها ربنا يكون في عونها 

قالها ثم سأل سؤالا ذات مغزى_هي تعرف حد هنا تقعد عنده يعني ولا مشاوير ايه دي 
_لا لا شوق ملهاش أي حد هنا تقعد عنده غير إخواتها، لكن ناس معارف اه بتحب تسلم عليهم من الفترة والتانية ما انت عارف شوق اجتماعية وخدومة جدا وبتحب تصل الناس اللي بتحبهم 

_اها يعني زيارات خفيفة مش تقعد عندهم مثلا ليلة او كدا 
_لا لا طبعا شوق رغم اللي تشوفه عليها الا انها حيية جدا وعندها عزة نفس فوق الوصف ، ولو زارت حد مش بتطول 
_اممم شايفك بقيتي عارفة عنها كل حاجة 
_يعني تقريبا مش كل حاجة، ياريت اعرف عنها كل حاجة ،شوق مش بتقول اللي بيضايقها عمرها ما اشتكت من حاجة، لكنها ممكن تحكي اللي بيحصلها كسبيل للتهوين على الغير مش أكتر، ربنا يهون عليها ويهدي غريب أبوها، ويهدي بابا هو كمان.

قالتها فداء وصمتت فأبيها اشتاقت له كثيرا وتود لو تعرف أخباره لكنه لا يهتم.

ابتئس خالد عندما رآها حزينة وعلم أنها إن علمت بما حدث لشوق فستحزن أكثر لذا قال بصوت خفيض
_يارب تظهر قبل ما فداء تعرف 
_بتقول حاجة يا خالد 
_لا يا فداء سلامتك 

وصلا إلى مطعم ما اوقف السيارة لتهتف فداء
_خالد انا قلتلك...
ليهتف هو بحنق مقاطعا اياها 
_ايه هشتري أكل هناكل صوابع أيدينا مثلا، ايه دا.

لم تستطع هي كبت ضحكاتها ليرمقها هو بنظرة منزعجة في حين انه ما ان أدار رأسه بعيدا عنها حتى ابتسم هو الآخر وقال 
_في ابتسامتك حياة تانية من السعادة اتمنى أعيشها معاكي وبس.

دلف للداخل وطلب الطعام ووقف ينتظره وفي تلك الأثناء اتصل بأمير 
_أمير 
اعتدل أمير في جلسته فلقد كان يجلس في سيارته على أحد جوانب الطريق لا يريد العودة للفيلا ولا يدري ألى أين يذهب 
_ها تعرف مكانها 
_لا للاسف يا أمير شوق مجاتش خالص لفداء وفداء متعرفش حاجة عن اللي حصل، انا بقول روحلها البلد شوفها ومتسبهاش 

استعد أمير ليفعل ذلك 
_وده اللي هعمله 
وما ان أنهى الاتصال بخالد حتى قاد سيارته فقلب متشوق وجل من أجلها.

وفي الطريق اتصل به أخيه مهند
_أمير لقيت شوق، بكلمها مش بترد وبعد شوية الموبايل بقا مغلق انا ابتديت أقلق 

_شوق مش عند فداء يا مهند وانا مسافرلها البلد أشوفها هناك 

ليهتف مهند بريبة 
_يعني ايه ممكن متكونش هناك!! 

قال أمير بحدة 
_والله مش عارف يارب تكون هناك، منكم لله انتم السبب انا كنت هروحلها وانتم اللي قلتم استنى 

انهى مهند الاتصال في وجه أخيه وهو يشعر بالحنق الشديد من نفسه، فما كان منه إلا أنه أزاح محتويات التسريحة الخاصة به جميعها على الأرض، في ذلك التوقيت دلف عساف غرفته وما إن شاهد ما يحدث حتى قال باستغراب ..

_ ايه في ايه 

ليقف مهند ويمسكه من تلابيب ملابسه 
_ايه البرود اللي انت فيه دا معقول خايف على الفلوس أكتر من شوق.. دي شوق يا عساف 

أزاح عساف يد مهند بهدوء وقال بأسى 
_ده حقيقي انا فعلا خفت وبعترف بده، خفت من تهديدات أبوك لاني متأكد انه بعناده يعملها وهيبهدلنا كلنا، بس كان خوفي الأكبر وسكوتي كان على شوق انت شايف بيعاملها ازاي بابا معندوش اي ذرة رحمة تجاهها، خفت اروح وراها يأذيها، حاجات كتير خوفتني يا مهند واظنك انت كمان عملت حساب ده 

جلس مهند بندم
_وياريتني ما عملت حسابه ياريتني روحت وراها ميبتهاش، تقول عليا ايه دلوقتي ،خذلتها!! اتخليت عنها!! فضلت الفلوس عليها!! شوق هتحمل زعل شوق مني كفاية اللي هي فيه.

عقد عساف العزم عن الذهاب اليها 
_تعالى نروحلها حالا انا روحت الشركة حاولت اشتغل لكن معرفتش دماغي مكانتش مركزة في حاجة غير فيها.

نظر مهند أمامه وردد بأسى 
_أمير في الطريق رايحلها ولو لقاها هناك هيبلغنا ونروحلهم احنا كمان 

_يعني قصدك انها ممكن تكون هنا 

_مش عارف أمير ملقهاش مع فداء وشوق انا متأكد انها متعرفش حد هنا غيرنا 
_طيب مرات استاذها وابنه ده ممكن يكونوا عنده، او آيات اه آيات صاحبتها 

_آيات صاحبتها ف سكن جامعي هتروح عندها ازاي .. اما مرات استاذها دي أنا معرفش عنها حاجة ولا حتى اعرف اسمها ايه ولا استاذها اسمه ايه 

مد عساف يده نحو رأسه وشدد قبضتة على رأسه 
_وبعدين بقا هتكون راحت فين 

_اتمنى انها تكون رجعت البلد هنستنى رد أمير ونشوف 

ليهتف عساف بحنق
_لا أنا هنزل أدور عليها ممكن تكون قاعدة في أي مكان تروق أعصابها 

قالها وخرج مرة أخرى بينما ظل مهند مكانه لا يستطيع الحراك .
__
وفي المساء 
كان أمير قد وصل للبلدة وتحديدا لبيت أخته فوجده كما ترجوه ولا أثر لأحد به البتة، شاهد سيدة ما تمر من جوار البيت فقال مستوقفا اياها
_لو سمحتي.. أبلة .. شوق جت هنا البلد 
فلم تكن تلك السيدة سوى ام السعد 
_لاه يا أستاذ الابلة شوق اندلت على أهلها في مصر وقاعدة معاهم هناك 

_اه فعلا، بس اكيد بتيجي هنا زيارات هي مجتش هنا النهاردة؟؟
_لاه يا استاذ مشفتهاش، لو كانت چت اهنه أني كنت أول واحدة هعرف بده، لكنها مجتش لا.

كاد أمير أن يضاب بالجنون حتى أن أم السعد لاحظت تغير تعابير وجهه للأسوء فقالت 
_فيه حاجة يا أستاذ هو انت مين عدم اللامؤاخذة 

ليخرج أمير من يده نوتة صغيرة قطع منها ورقة ودون فيها رقمه 
_من فضلك ده رقمي، ممكن حضرتك لو شوق رجعت البلد تكلميني، حضرتك معاكي موبايل مش كدا 

_أيوة معايا يا أستاذ ماشي من عنيا لو چت هبلغك 

_شكرا جدا عن اذنك
_مع السلامة يا أستاذ نورت البلد 

عاد أمير لسيارته وظل يطرق مقود السيارة بحدة بقبضة يده 
_هتكوني روحتي فين بس يا شوق، ربنا يستر.

بعدها أخفض وجهه وظل يضرب جبينه في المقود بحدة وغضب من نفسه 
_انت السبب انت اللي غلطان انت اللي ضيعتها لما سبتها تمشي لوحدها في اللي هي فيه دا.

__
وما ان علم كل من مهند وعساف بالأمر حتى كادا أن يصيبا بالهلع من أجل شوق، فما كان من مهند إلا أن تحرك من مكانه ليخرج ليبحث عنها في كل مكان وكذلك فعل عساف 

__
تململلت في فراشها بتعب وبدأت تفتح أعينها ببطىء وهي تشعر وكأنما هناك من كان يطرق على رأسها بمطرقة ضخمة دون رحمة أو هوادة

مدت يدها لتضعها على رأسها وهي تقول بوجع 
_اااه يا راسي ياني، هتتفرك من الصداع 

استمع لها ذاك الذي نام مكانه على الكرسي فهو انتظرها طويلا حتى تفيق فلم تفعل فغلبه النعاس في مكانه، لكنه ما ان استمع صوتها حتى استيقظ واعتدل في جلسته وهو يرمقها بفرحة 
بدأت شوق تنظر حولها لتعلم أين هي 
_واه أني فين وايه اللي حصل أني مش فاكرة أيتها حاچة 
وبعد لحظات من الاستيعاب أخفضت رأسها بحزن وصمتت عن الكلام وقالت بصوت قلب منشطر نصفين 
_اااه يامه يا حبيبة قلبي الله يرحمك يا غالية ربنا يجعل مثواكي الجنان على صبرك على الأذية يا حبيبتي ويجمعني بيكي عاجلا غير آجل.

لم يتحمل شاكر أن تقول هذا لم يتحمل أن تتمنى شوق الموت فوقف مكانه وهو يحاول الاقتراب منها ووضع يده على كتفها محيطا إياها بذراعه 
_بعيد الشر عنك يا شوق

انتبهت له شوق وقالت بانزعاج.
_واه انت بتعمل ايه هنا انت كمان هي كانت ناقصاك منك لله يا شاكر منك لله 

وضع يده على كتفها وحاول ضمها لصدره وهو يقول بأسى وندم 
_حقك عليا يا شوق، حقك عليا انتي وأمك سامحوني 

لتزيح هي يده بحدة
_بعد عن وجهي چتك الهم انت أوس الخراب اللي أني وأمي فيه كله، مش هسامحك أبدا، ربنا ينتقم منك، غور من اهنه انت جيت اهنه ازاي اصلا 

ليبتعد شاكر عنها بحزن 

وفجأة تذكرت انها حقا لا تدري أين هي 
_هو اني فين أصلا

فقال بخفووت

_انتي في فيلتي يا شوق

اتسعت أعينها بصدمة وقالت بانزعاج
_يا نهاري، أنا جيت معاك اهنه امتا وازاي 

_لما خرجني من عند غريب مكنتيش شايفة قدامك فساعدتك وأخدتك معايا 

_وانت ازاي تستغل ديه وتأخدني عندك وانت عارف إني لو كنت في حالتي الطبيعية عمري ما كنت هقبل اني أفضل مع واحد زيك ثانية واحدة

هتفت ببؤس 
_عارف ياشوق بس مكانش ينفع اسيبك لوحدك وانتي ف حالتك دي انتي مكنتيش حاسة بالدنيا 
_ايوة ما هو منه لله اللي كان السبب 
_سامحيني يا شوق بالله عليكي 

_لو عليا مسامحة في حقي بس حق أمي أسامح فيه ازاي، بعد عن طريقي يا شاكر ربنا يجازيك على عاملتك اللي عملتها في امي ولا حول ولا قوة الا بالله 
قالت ذلك ونهضت من الفراش وتوجهت لخارج الغرفة
ليهتف هو 
_شوق انتي رايحة فين 
اجابت بغضب وهي تشعر بالتعب 
_ماشية من قدام خلقتك العكرة داي، فكرك اني هوافق أقعد عنديك ثانية واحدة 
_هتروحي فين بس انتي متعرفيش حد هنا 
_بلاد الله واسعة والشارع أكرم لي من اني أفضل معاك اهنه ربنا ينتقم منيك خططت ودبرت وهديت كل حاجة على دماغي أني وأمي منك لله 

وقف أمامها ليمنعها من الخروج
_لا انتي مش هتمشي يا شوق 
أجابته بحدة وإصرار
_همشي يا شاكر ووريني كيف هتمنعني 
_ شوق الساعة ١ بالليل

فتحت شوق فمها بصدمة
_كااام، يا ربي أني نمت كل ديه ومكنتش حاسة بالدنيا 

_عرفتي اني مكانش ينفع اسيبك لوحدك 

هتفت هي ساخرة
_لاه فيك الخير فعلا، تق..تل القت..يل وتمشي في جنازته مش اكده يا شاكر، عامة عند الله تجتمع الخصوم وكل ظالم وله نهاية وربنا مبيحبش الظلم ومسير الظالم هتيجي رجليه في يوم من الآيام ومهما طال الزمان 

_شوق انا مستعد اصلح كل حاجة وأكلم غريب وأقوله الحقيقة

هنا لم تستطع شوق التحمل وصرخت به وهي تهدر بحدة وانفعال 
_بعد ايه تقوله الحقيقة بعد ايه قولي... بعد ما طلق امي ورماها في الشارع واتشردنا أني وهيا، ولا بعد ما عشت طول عمري محرومة من أبوي بتمنى بس يبتسم في وشي ولو لمرة واحدة، بعد ما عيشتني طول عمري يتيمة الأب وأبوي حي يرزق!! بعد ما عشت طول عمري وحيدة فقيرة بائسة، بعد ما أمي ماتت بقهرتها وجوزها اللي بتحبها بيتهمها بأبشع التهم بعد ايه، بعد ما كنت طول السنين داي كلها بحاول اتماسك وأكون قوية كيف الجبل، تقوم تاجي دلوك وتهد الجبل بالكامل فوق راسي، بعد ايه ولا ايه... حرام عليك حرام عليك يا شاكر 

قالتها ووقعت على الأرض على ركبتيها تبكي بقهر، تساقطت أدمع شاكر بندم حقيقي واقترب منها ليريت على كتفها 
لتصرخ به 
_بعد بعيد عني اياك تلمسنى أني مضطرة أبات الليلة داي اهنه واول ما النهار يشقشق همشي طوالي، ولحد ما دبه يحصل معيزاشي أشوف وشك قدامي بعد بعيد عني 

قالها وخبأت وجهها بين يديها وفشلت في السيطرة على نفسها من البكاء 

ظل شاكر يقف خلفها وهي التي ظنته غادر

أخرجت هي كل ما في جعبتها من بكاء مرير حتى نفذ رصيدها من الدمعات وشحت المياة في أعينها فتوقفت عن البكاء وظلت تنظر أمامها بمرارة فكيف لجرحها أن بندمل، لن تعرف كيف تطفىء لهيب قلبها فقررت أن تلجأ له فهو وحده القادر سبحانه على أن يطيب جراح قلبها ويخفيها كما لم تكن يوما، قررت التوجه لربها سبحانه ليزيح عنها ما به ولا سبيل لها بذلك سوى بركعتين لله تبثه فيها شكواها ومصابها تدعوه لأن يربط على قلبها ويزيح عنها ما ألمها، 

تحركت من مكانها وهي تشعر أن مفاصلها لم تعد تحملها فهي لم تعد في مكانها أبدا، حاول شاكر مساعدتها لتنهره قائلا
_بعد عني انت لسه واقف اهنه 

_مش هسيبك يا شوق
_وانت اخر واحد ممكن الجأ ليه في يوم من الأيام حتى لو بموت يا شاكر، أخرج برا 

_ماشي هسيبك لحد ما أعصابك ترتاح 
_استنى أني عايزة أعرف مكان الحمام اهنه فيه عايزة اتوضى واصلي كل اللي فاتني وبسبب بردك ها 

أشار بيده بهدوء نحو المرحاض الموجود في عرفتها 
_اهو الحمام يا شوق 

لتقول هي بغضب وترمقه ببغض شديد 
_طب يلا اخرج من اهنه خليني اقفل الباب على روحي 

_ماشي يا شوق 

أحكمت غلق الباب جيدا وتوجهت للمرحاض وتوضأت وصلت ما فاتها وفي أخر ركعة أطالت السجود وبكت ما شاء الله لها أن تبكي وهي تدعوا الله بهذا الدعاء وظلت تكرره مرارا وتكرارا 
"اللهمّ إني أعوذ بك من زوال نعمتك وفجاءة نقمتك، وتحوّل عافيتك وجميع سخطك ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين"
__
وفي صباح اليوم التالي علمت فداء باختفاء شوق عندما اتصل بها عساف ثانية يسألها هل أتت اليها شوق أم لا.


وعندما علم خالد بالأمر توجه نحو شقتها سريعا ليجدها في قمة انهيارها 
فقال بأسى 
_إهدي يا فداء كلنا بندور عليها وهنلاقيها بإذن الله 
لتجيبه بمرارة شديدة 
_اهدى ايه دي شوق 
شوق اللي كانت بتداوي الكل وهي اللي قلبها مجروح
شوق اللي كانت ماشية بتنزف وكل جرح فيها اعمق من التاني ومع ذلك كانت ماشية تقفل في جروحنا احنا لحد ما جرحها بقى غائر واديه اتلوث ....وانهارت ومبقتش قادرة تتحمله 
شوق كانت جبل كله همول، كانت بتشيل همومها وهموم الكل من غير ما تشتكي ومستعدة تشيل كمان 
...دي شوق يا خالد شوق... اللي لولاها لكنت انهارت من تصرفات بابا من بدري ولكنت انا اول ما انت اتجوزتني غصب ..كنت عملت في نفسي حاجة ...انت ازاي بتطلب مني أهدى ...اهدى ازاي دي شوووق .. افهموا دي شوق يعني يوم ما تنهار متلاقيش حد جنبها، ومش هتطلب المساعدة لانها عمرها ف حياتها مطلبتها، هتفضل انها تعاني لوحدها علشان متشيلناش همومها معاها، هتفضل تبعد لبعيد ومش هتخلي حد يعرف مكانها انا متأكدة، شوق كدا ضاعت مننا يا خالد.. شوق ضاعت ضاعت 

قالتها فداء وانهارت تماما لتجثى على الأرض ببكاء يقطع نياط القلوب من أجل صديقتها

يتبع...












 

إرسال تعليق

أحدث أقدم