شوق بارت ٨

 شوق 
بارت ٨
أسماء عبد الهادي



__

تم إعداد طعام الغداء، وانتظرت شوق لأن يعود أحد من أخوتها لكن أحدا لم يأتي.... رفعت وجهها لتبصر تلك الساعة المعلقة على الحائط، لتجدها قد قاربت على السادسة ولم يعد منهم حتى أمير، الذي يعود مبكرا قليلا قبل اخوته.



جلست على طاولة المطبخ وتحدثت إلى العم سيد

_وبعدين يا عم سيد، هنفضل ننتظر فيهم إكده.

_متشغليش بالك بيهم يا أبلة شوق، يجيوا في الوقت اللي هما عايزينه، هنتظريهم ليه، وقت ما يجوا ويطلبوا الغدا هنسخنه تاني، ما أنا متعود معاهم من سنين على كدا 


أسندت شوق يدها على الطاولة وقالت بحنق 

_بس أني مبيعجبنيش الحال المايل ديه، الأكل لازم يكون بمواعيد ثابتة والبيت ده لازم يكون ليه نظام مش طالعين خارجين من غير ظابط ولا رابط.


_كده هتتعبي يا شوق، مش دول اللي حد ممكن يتحكم فيهم أو يقلهم يعملوا ايه او ميعملوش ايه... ده حتى غريب بيه مش بيقدر عليهم.


زفرت شوق بحنق 

_معاك حق يا عم سيد... أني هقوم أجيب المحمول أكلم أمير الأمر، أشوفه راح فين... ديه حتى مكلمنيش يشوف رجعت من السوق ولا لا.


أبصرها العم سيد بإشفاق لأنها تعشمت فيه أكثر من اللازم

_مترفعيش سقف توقعاتك معاهم يا شوق هتتعبي يا بنتي صدقيني


_معلهش يا عم سيد اتعب دلوك علشان كلنا نرتاح بعدين، او أتمنى ذلك ولو اني عارفة ان مفيش راحة إهنه.. راحتي هتكون في بلدي وسط عيلتي الحقيقية


_ربنا ييسر لك أمرك يا بنتي.


_ان شالله يخليلك عيالك يا راجل يا طيب انت 

بعد ذلك توجهت شوق إلى غرفتها وأمسكت بهاتفها واتصلت بأمير، الذي كان يجلس وسط أصدقاءه في أحد النوادي الرياضية


وما إن أتاه الاتصال من شوق ،رفع الهاتف ليبصر المتصل وعندما وجدها شوق قال 


_اوبا ده انا نسيتها خالص


لتهتف تلك التي تضع يدها على كتفه وتقول بدلال

_ودي مين بقا يا ميرو، إنت مخبي عني ايه 


_لا يا بيبي دي مديرة الفيلا عندنا، كلمتني كتير وانا نسيت اكلمها خالص... استنى هرد وهرجعلك


_لا سيبك منها يا أمير، مديرة فيلا ايه اللي هتسيبنا وترد عليها، هتكون عايزة ايه يعني غير انها طالبة فلوس زيادة، او هتشتكي من ان الوضع متعب عليها، كلهم فظاع ويقرفوا اصلا


_لا لا شوق مش كدا أصلا، دي حاجة كدا مخ....



قاطعت كلامه وهي تقول بحنق 

_ايه يا ميرو انت عايز تزعلني منك ولا ايه.


وضع أمير يده على زر انهاء الاتصال وقال وهو ينظر للفتاة بهيام

_لا طبعا يا بوسي هو انا أقدر أزعل الجميل ده مني.



نهضت من مكانها وقالت بتدلل 

_طيب إن كنت عايز تصالحني ،قوم تعالى نتمشى بالعربية وبعدها ندخل سينما


لم يستطع رفض طلبها ونهض معها مشتبكا يده في يدها.


لتهتف فتاة أخرى 

_على فين يا أندال لوحدكم كدا، من غير ما تعرفونا.


لتهتف بوسي بخيلاء

_أنا وميرو عايزين نقضي وقت مع بعضينا لوحدنا شوية بعيد عن دوشة الشلة.


لتهتف الفتاة الأخرى باستياء

_يا سلام.


ليهتف أمير بحذر لأنه لا يريد أن يغضب الفتاة الأخرى

_معلش المرة دي يا بيرو ايام سوري.


لتعيد بيرو ظهرها للخلف وتقول بينما تعقد ستعديها أمام صدرها

_اوف.


___


عاودت شوق الاتصال مرة أخرى وهي تقول بحنق بينما القلق بدأ يتسرب إلى قلبها خوفا على أخيها 

_اوف ده مش بيرد ليه لازم يقلق قلبي عليه يعني... رد يا ابن غرييييب.


وعندما يأست من رده، ألقت الهاتف من يدها، وتوجهت إلى مصحفها وأمسكته برفق بين ذراعيها ومن ثم توجهت تجاه الشرفة وبدأت تتلو أيات القرآن الكريم.. لتريح قلبها من الهم الذي يعتلي قلبها.


___

أما تلك التي عادت الى شقتها، وبدلت ملابسها وصلت فرضها، توجهت إلى حيث المطبخ وأخرجت مشترواتها هي الأخرى وبدأت في إعداد طعام غداءها، الذي يكفيها لعدة أيام، حتى لا تطهو يوميا، وهي التي ليس لديها الوقت الكافي لذلك،

فهي قررت أن تعمل لفترتين في اليوم، في الصباح تذهب للشركة التي تعمل بها، وفي المساء تكمل عملها من خلال الانترنت اون لاين من شقتها، فهي فكرت في هذا، لتحسن من دخلها اولا ولكي تضيع ذلك الوقت القاتل التي تقضيه وحدها بين جدران المنزل الذي رحل عنه ساكنيه الذي كانوا يسكنون قلبها ويرافقون روحها.


وضعت فداء الطعام على الطاولة وتنهدت بقلة حيلة وبدأت تأكل الطعام من غير شهية تذكر، ولكن وفجأة وبدون أي مقدمات ظهرت شوق بأفعالها وتصرفاتها في مخيلتها فابتسمت تلقائيا 

_ياريت كان عندي يا شوق ربع اليقين والرضا اللي عندك، الحمد لله على كل حال.


أنهت طعامها، وحملت الأطباق التي لم تفرغ محتوياتها في لم تنهي طبقها بالكامل، ووضعت المتبقي منه في المبرد، ومن ثم قامت بتنظيف المطبخ والاطباق من آثار الطهي، ثم توجهت لغرفتها وجلست على فراشها، ووضعت جهاز الحاسوب المحمول على قدمها لتباشر عملها، لكنها شعرت بالملل، فوضعته جانبا ونهضت من مكانها حيث الشرفة لتستنشق بعض الهواء لتسمع صوت جرس الباب، لتضيق أعينها في استغراب من ذا الذي يزورها الآن، ومن هويته فهي لا تنتظر أحدهم ولا تتوقع أن يزورها أحد من الأساس فقليل من يعرفونها في هذه المنطقة السكنية.

____


ركضت خلفها لتثتيها عما تود فعله وهي تقول

_يا بنتي ارجوك، انا بحاول اقنعك من امبارح متنهيش قلبي يا ميار بالله عليكي.


قالت بتصميم وهي تتحرك خارج غرفتها عازمة على أن تفعل ما نوته

_لا يا دادة أنا خلاص تعبت، أنا هنزل يعني هنزل، انتوا ليه محسسني اني هعمل جريمة أنا مش بقول هخرج برا الفيلا، أنا هنزل تحت يا ناس هنزل تحت بس، افهموا بقا... والله حرام عليكم



هتفت الدادة باشفاق وبؤس


_يا بنتي انا خايفة خالد اخوكي يقلب عليكي وانتي عارفاه لما بيقلب بيكون عامل ازاي.


_لا يا دادة أنا مش هخاف، مش هخاف من خالد تاني، مش كفاية كل يوم يخرج ويقضي وقته براحته ويعيش حياته وانا محبوسه هنا، ده حتى امبارح بعد ما كان هيقضي الوقت معايا، اول ما جه أصحابه الرخمين دول نساني وراح معاهم ولا كأني حد مهم في حياته.



_لا طبعا يا ميار انتي مهمة اوي في حياة خالد ، يمكن انتي الحاجة الحلوة في حياته كلها، وانتي عارفة هو بيحبك قد ايه 

قالت ميار والدمعات تتلألأ في اعينها

_لا يا دادة مبقاش يحبني انا مبقتش شايفة حبه ده أبدا.. أنا نازلة يعني نازلة 



أمسكت الدادة ذراعها لتمنعها، لتبعده ميار عنها بعنف وتتوجه مباشرة تجاه الدرج لتهبط درجة واحدة منه، وكادت أن تهبط الدرجة الثانية لتجد خالد أخيها أمامها بالأسفل

متى عاد هو وكيف لم تلحظه حتى، تسمرت قدماها مكانها وانتفض قلبها بزعر وهي تسمعه يصيح فيها هادرا 

_ميااااار 

___


دلف غرفتها دون أن يطرق الباب، وقال بحدة لتنتفض توبا مكانها بفزع من دخوله الفاجىء وترفع بصره نحو

ليهتف هو بنبرة ساخطة

_خمس دقايق وألاقيكي لبستي علشان نازلين الجيم


أدارت وجهها الناحية الأخرى وقالت بصوت خفيض بائس

_مش نازلة معتش رايحة الجيم بتاعك ده تاني



وقف أمامها بحنق وهو يقول حانقا

_يعني ايه ان شاء الله، أنا صبرت عليكي امبارح وعملت حساب لأمك وطنشت اليوم ده، لكن من النهاردة مش هتفوتي يوم واحد يا توبا وهتخسي يعني هتخسي.


_أنا مش عايزة أخس ملكش دعوة بيا، خليك في نفسك وبس يا بركات، انا مبسوطة كدا 

_بس أنا مش مبسوط بالكرومبة اللي قدامي دي ومش راضي بيها أبدا 


_يا اخي وانت مالك بيا هو اما اشتكيت لك 


_ما هو علشان حظى العكر، ربنا رزقني بأخت شوال زيك، وانا استحالة اقبل تكون أختى برميل كدا، فاتنيلي البسي يلا اخلصي.


_بطل بقا كلامك ده بركات انت معندكش قلب مبتحسش


_لا ما انا اتعديت منك ما هو لو كان انتي الاول بتحسي، كنتي خسيتي بدل منظرك اللي يجيب المرض ده، بت انتي هي كلمة خمس دقايق وتكوني جاهزة.


رحل بركات، لتنتفض توبا مكانها من البكاء حزنا على حالها،هى لا تستطيع تحمل كلامه الذي يصيب قلبها بأسهم تخترق قلبها بلا هوادة ولا رحمة 

___


تحركت من مكانها لتفتح الباب، ومن ثم قالت لتعلم من الطارق

_ايوة مين

لتسمع أبيها يقول

_افتحى يا فداء


اتسعت ابتسامة فداء وهي تقول بفرحة لأن أبيها جاءها أخيرا ليجلس معها لبعض الوقت، وفتحت على الفور

_بابا حمدا لله على السلامة.

دلف أبيها وهو يقول بوجه مقتضب

_الله يسلمك... هاتيلي حاجة ساقعة اشربها بسرعة


قالت بفرح 

_بس كدا عيوني لحضرتك يا بابا.



غابت قليلا في المطبخ ومن ثم عادت بكأس من عصير المانجو المثلج وقدمته لوالدها

_اتفضل يا بابا العصير

تناوله منها وشربه بهدوء


لتجلس هي في مقابلة أبيها وبعدما انهى كأسه قالت فداء

_بالعافية على قلبك يا بابا تحب اجيب لحضرتك كوباية كمان.


_لا جيبيلي مفاتيح عربيتك


_هو حضرتك عايز تروح بيها مشوار ولا ايه، عربية حضرتك بتتصلح أكيد!


_لا بعتها، وهأخد بتاعتك مكانها 


امتعض وجه فداء وعرفت سبب زيارة أبيها المفاجأة هو جاء ليأخذ سيارتها لا غير


فقالت بحذر وقلبها مرتاب


_حضرتك عايز العربية في مشوار وهترجعها تاني مش كدا 


_لا طبعا هأخدها ليا، أومال يعني أركب مواصلات


_طب وانا 

_انتي ايه 

_هروح شغلي ازاي، حضرتك عارف ان شغلي بعيد عن بيت تيتا هنا وكداا هتبهدل في المواصلات


_لا اتبهدل انا علشان تكوني مبسوطة 


_يا بابا ما حضرتك عربيتك كانت موجودة ليه بعتها 


_احتجت فلوسها يا فداء فبعتها ايه المشكلة هأخد عربيتك لحد لما أجيب غيرها 


_يا بابا هو احنا مش هنفضنا بقا من اللعبة دي حضرتك تقريبا خسرت كل فلوسك بالشكل ده


_ايوة وبعد ما خسرت عايزاني اقعد كدا اندب حظى مش لازم اعوض الخسارة دي 


_يا بابا ده باب شر ونقمة على صاحبه، من يوم ما حضرتك بدأتها وهي ما جابتش لحياتنا الا الخراب وبس .. بالله عليك الحق نفسك وبطلها خلي حياتنا تنصلح


نهض من مكانه وقال بلهجة آمرة 

_فداء هاتي مفاتيح عربيتك اخلصي ورايا مشوار مهم الساعة ستة.


لم تعرف ماذا تفعل،ولم يكن لديها حيلة سوى انها تتخلى عن سيارتها لأبيها 


فتحركت من مكانها وأحضرت المفاتيح من حقيبتها وعادت لأبيها وهي تقول

_أهي المفاتيح يا بابا، بس بالله عليك بلاش تبيعها هي كمان 


_ربنا يسهل، سلام 


_طب اقعد حضرتك نتعشى مع بعض 


_بقولك عندي معاد مهم


قالها وغادر سريعا.


لتجلس فداء مكانها تغلي من الغيظ وتتنهد بضجر... وشعرت أنها تغلي من الداخل

_يارب يارب يبطل الزفت دا بقا، انا تعبت معاه.


وفي أثناء ذلك الهم الذي يعتلي قلبها على رنين هاتفها 


فنهضت من مكانها بتكاثل لكي تحضره وهي تبرطم بغم


_وده مين ده كمان، لو طلع حد بيستعجلني على الشغل ههب في وشه أنا مش ناقصة


التقطت هاتفها من على فراشها وما ان ابصرت اسم المتصل حتى اتسعت ابتسامتها وهتفت بسعادة

_شوق.


__

ظلت مكانها تنظر لأخيها بينما يصعد الدرج على عجل وهى لا تستطيع التحرك من مكانها قيد أنملة، لكن ما ان اقترب منها حتى اطلقت لساقيها العنان وكادت أن تفر هاربه، لولا ذراعه الذي أمسك بذراعها بحدة وقال وهو يكز على أسنانه


_تعالي هنا ممكن اعرف انتي كنتي بتعملي ايه


لتهتف هي بعدما ازدردت ريقها

_مممم ... مكنتش بعمل حاجة أنا كنت.. كنت ... انا رايحة على اوضتي يا خالد سيبني من فضلك


_عايزة تعصي اوامري يا ميار، انتي مفيش فايدة فيكي.


نسيت خوفها منه واستدارت اليه قائلة بغضب


_انا تعبت منك ومن اوامرك دي، انا عملت ايه يعني لكل ده، هو انا الوحيدة اللي في العالم اللي غلطت يعني ما انت كمان غلطت وبتغلط وهتغلط،... عارف ليه علشان احنا بشر ومش معصومين من الغلط يا خالد .. انا غلطت وعارفة ومتعرفة... لكن مش هقضى بقية حياتي بكفر عن غلطتي دي... الموت عندي أهون من اللي بتعمله ده... انا مش هعيش بعد النهاردة لحظة واحدة 


قالت ذلك وحاولت التحرك من أمامه بغية تنفيذ رغبتها في الانتحار



لتصيح الدادة بصراخ مزعور وهي ترى ميار تتوجه لغرفتها وتبحث في أشياءها عن أي شىء حاد فلم تجد وذلك لأن خالد قد ألقى تحذيرات مشددة عل الدادة بألا تترك أي شىء حاد في غرفة ميار ولا في غرفة المربية المجاور لغرفة ميار.



فوقفت في منتصف الغرفة تدور حول نفسها كالمجنونة لا تدري ماذا تفعل 


ليستند خالد بجسده على باب الغرفة ويقول ببرود

_خلصتي وصلة العصبية بتاعت كل فترة دي ولا لسه 


لتلتف اليه ميار وهي في قمة هياجها 

_ خاااالد أنا بكرهك بكرهك يا خالد 


قالتها ثم وقعت أعينها على كوب الماء خاصتها فأمسكت به وفكرت في كسرها لتجرح نفسها بها.


ليتخلى خالد عن صمته وهدوءه ويصيح بوعيد


_ميااار اياكي تفكري



لكن ميار لم تستمع له وامسكت بالكوب وكسرته بالفعل ليتناثر الزجاج على يدها وعلى الأرض فيخرج الدم مع اطراف أصابعها إثر الزجاج المتناثر

 


في بكرة غدا بارت كمان بإذن الله ❤️❤️
انتظروني واتمنى دعم اكتر
أسماء عبد الهادي 









إرسال تعليق

أحدث أقدم